قتل أسير شيوعي عن لسان شاهد حي 1 ـ 2

قتل أسير شيوعي عن لسان شاهد حي  1 ـ2 

ليس من السهل تصديق كل ما يروى عن احداث ووقائع وروايات، ولكن حينما يرويها شخص عايشها او شَهِدها بأم عينيه، لا تقوى على عدم تصديقه، فيمكنك بأمانة تدوين كلامه للتأريخ !

نعم، فنحن وإلى يومنا هذا لم نسمع شيئا عن "جريمة  بشت أشان " سوى ما يرويه قادة وانصار الحزب الشيوعي العراقي، وجرى في مناسبات عديدة تسليط الضوء عليها وعلى تفاصيلها كثيراً  وتقييمها بهذا الشكل اوهذاك! 
بكلمة اخرى، جرى تغطية تلك الأحداث المأساوية من جانب واحد فقط وهو المعتدی علیە، وفي اطارحلقة محدودة ومغلقة، اي بين الانصار الشيوعيين وقادة الحزب واهل وذوي الضحايا وحدهم!  

ولكن هذه المرة، وفي سابقة غير مألوفة ومختلفة كلياً عما معروف، يستجيب " الشاعر والاعلامي والبيشمركة السابق للأتحاد الوطني الکوردستاني، الاستاذ ـ هه فال كويستاني ـ  مشكورا لدعوتنا له, لإعطائنا صورة حية من مشاهداته لما جرى في مجزرة بشت أشان، حینما هاجمت قوات تابعة للأتحاد الوطني الکوردستاني وبشکل مباغت في 1 ايار 1983 مواقع قيادة الشيوعي العراقي في قرى بشت اشان وقرناقاو الجبلية , مرتكبة جرائم حرب بقتل الاسرى وعلى الهوية العربية.

أتمنى أن يحذو مهتمون آخرون حذوالاستاذ هه فال كويستاني وملا بختيار وقهاركزنيي ومصطفى حسن كه وره ,الذي اجريت معه قبل سنوات لقاء حول مجزرة بشت اشان ، لكسر حاجز الصمت والمكاشفة المطلوبة والمحاسبة النزيهة والنقد البناء على الرغم من ان جُرحٌ بشت اشان ستبقى في الفُؤاد لا يَلتئم.

وثق الشاعر والكاتب هه فال كويستاني في كتابه المعنون ( تلك الايام التي كان فيها الوطن للجميع ) والصادرعن مطبعة ـ  كاروـ  والواقع في 407  صفحة متوسطة القطع احداث كثيرة عن الصراعات الداخلية والتنظيمية  في صفوف قيادة عصبة كادحي كوردستان والاتحاد الوطني والاقتتال الداخلي بين الاتحاد الوطني وجبهة (جود)(1) .

يقول هه فال كويستاني :  (بعد ان شعرت قيادة الاتحاد الوطني بان قوات جبهة جود باتت تضيّق الخناق عليها وتضرب وتحاصرقواتها العسكرية في محاور ومناطق عديدة , قررت ضرب قيادة الاحزاب في منطقة بشت اشان التي كانوا يتخذون منها مقرا رئيسيا لهم،وذالك لفك الخناق عليها وعلى قواتها . وعليه تحركت قوات الاتحاد بقيادة نوشيروان مصطفى باتجاه قرناقاو وبشت اشان رافعين شعار ( توله به سه بره ئه ما به زه بره ـ الانتقام صابر ولكنه ضارب ) .

أما عن خطاب جلال الطالباني التحريضي لقتل الاسرى والانتقام  والثأر من مقاتلي جبهة جود قبل احداث بشت اشان ، فيقول: ( قبل تحرك قوات الاتحاد الوطني باتجاه مقرات قيادة جبهة جود , القى مام جلال خطابًا ناريًا وسط حشد كبير من مقاتليه في قرية (شيني) , طلب منهم  الانتقام والثار من (القيادة المؤقتة  وجماعة رسول مامند والتحريفيين  , الانتهازيين ـ  ويقصد انصار الحزب الشيوعي العراقي) وابادتهم وإنهاء وجودهم المسلح ,كما  طلب من القوات المهاجمة  ان يقتلوا الشيوعيين من دون رحمة وان يكون حصادهم نظيف )(2) .

 يستطرد كويستاني قائلاً : (  منذ البداية وتحديداً في الكونفرنس الاول لعصبة كادحي كوردستان وصلت الى قتاعة تامة  ما يحدث في صفوف قادة العصبة والاتحاد الوطني باسم الصراع الفكري والتنظيمي, لم يكن سوى صراع شخصي من اجل السيطرة على السلطة والنفوذ ,اي صراع بين من يريد الحصول على قيادة الحزب وآخر يريد التمسك به, ولكن هذا لا يعني بان لم يكن هناك صراع واختلاف فكري وتنظيمي , لا ,طبعا كان هناك صراع فكري ايضاً , إلا ان الاستقطابات والصراعات في صفوف القادة كانت بشكل كبيربسبب اختلافات شخصية اكثر من ان تكون فكرية وتنظيمية).

ويضيف : (كما لاحظت بان القياديين الذين لم يكن لديهم  صراعات ومشاكل شخصية مع زملائهم ,كانوا منسجمين ومتفقين و متعاونين مع بعضهم البعض على الرغم من إختلاف ارائهم وافكارهم ووجهات نظرهم  والعكس صحيح ايضاً .وفي ظل هذه النقاشات السوفسطائية والخلافات والصراعات الشخصيه في صفوف قيادة العصبة والاتحاد, كانت القيادة تضلّل و توهم كوادرها واعضائها بأن ما يحدث في صفوفها هو صراع فكري وتنظيمي وليس صراع على النفوذ والمناصب القيادية ). 

يوثق كويستاني قصّة واقعية مؤثرة ومؤلمة جداً,عن قتل اسير شيوعي عربي بدم بارد من قبل قوات الاتحاد الوطني في بشت اشان وباسلوب بشع جداً.

 ومن الجدير بالذكر ان قوات اللاتحاد الوطني وبقرارمن جلال الطالباني شخصياً. قامت بإعدام الكثير من الأسرى الشيوعيين على أساس عرقي عنصري لكونهم من القومية العربية , او كما وصفهم نوشيروان مصطفى  بـ(الغرباء والمحتلين ) وكان يقول نوشيروان علنا :  ليس للعربي الحقُّ ان يتواجد ويناضل في كوردستان , له ارضه ومدنه  فليذهب إلى هناك).

هكذا قتلوا الاسير الشيوعي  :

 يقول كويستاني : (من داخل خندقه أعلن الاستسلام , ربط فانيلته البيضاء الرثة والمتسخة والتي رسم فيها العرق خرائط ملح (صفراء اللون)على فوهه بندقيته ورفعها وهو داخل خندقه معلنا استسلامه، بشكل نهائي.

ـ صرخ قائد القوه عليه بصوت خشن وأمره بالقاء سلاحه, وقع الراية البيضاء والبندقية على الارض,وبصعوبة بالغة وقف الاسيرعلى رجليه , ذاهلاً عاجزاًعن فعل اي شيء .

 كان الاسير يرتجف من التعب والخوف وعينيه مفتوحة على اشدها وهو ينظر إلى فوهات البنادق الموجهة صوبه  .

كان شاباً نحيلاً  أسمراً , ذو العينين السوداوين, أخذ يحدّق بهم واحدًا تلو الآخربعيون جامدة باردة وأنفاس لاهثة .

ـ يساله أمرالقوة بصرامة شديدة ويشير باصبعه عليه!

ـ يجيبه الاسيرالمرتبك وهو يبلع ريقه , بصوت يكاد لا يسمع وبلغة عربية ممزوجة بالكوردية (بلكنات مكسّرة ).

يشعرأمرالاقوة بأحساس غيرعادي, يملوه العزة ونشوة الانتصار,  ويرى انتصاره في انكسار وانهيارالاسيرو يتلذذ بألأنتقام والثأرمنه .

ـ يصرخ أمر المجموعة  بقوّة ، وبصوت مجلجل ، ويقول للاسير  : انت عربي محتل  وشيوعي تحريفي , وبذلك تكون جريمتك مضاعفة!

وقبل ان يفرغ أمرالقوة المهاجمة مخزن بندقيتة  في جسد الاسير , يُميل رأسه جانبا في إشارة إلى مقاتليه لجُرّد الاسير من جميع أغراضه الشخصية وتوزيعيها على المقاتلين ـ  حسب احتياجهم

 لقد سلبوا منه ساعته اليدوية وقمصلته وحزامه العسكري مع المخازن وحذاءه البالي ).

* في حديثنا القادم نتطرق إلى الحجج وتبادل الاتهامات بين قيادة الاتحاد الوطني والشيوعي العراقي بشأن المسؤول عن بداية شرارة القتال بين الطرفين .

يتبع