مذكرات أنصارية .. الحلقة 12

توجهت الى السيارة الذاهبة الى دهوك في مرآب باب الطوب في الموصل وكان السائق حريص على ان يغادر قبل حلول الظلام عكس ما كنت اريد ولكني كنت مطمئنا اني سأصل الى ناحية فايدة بحلول الظلام وفعلا ما حدث وبمجرد عبورنا الشارع الذي يؤدي الى قرية شاريا ناديت السائق بالتوقف فأجابني بالايجاب ولكن قال هذه ربايا عسكرية على الطريق ، فقلت له نعم اعلم وانا عسكري جئت لألتحق ، فقال جيد وساعدني بأنزال حقيبتي من صندوق السيارة وانطلق مسرعا ، لاحظت ان هناك سلك يمتد بمحاذاة الشارع وتوقعت ان يكون سلك مرتبط بحقل الغام او شيء يستدعي الانتباه، انطلقت نحو السهل وعبرت السلك بعناية و عرفت فيما بعد ان هذا السلك هو لغرض الاتصالات السلكية بين الربايا ولم يكن كذاك السلك الذي انفجر تحت اقدام رفاقنا في السليمانية واستشهدوا في تلك الحادثة الاليمة ثلاثة رفاق.
واصلت السير وكان الجو مزعج والسماء تنثر رذاذ من المطر من شأنه ان يجعل المسير في ارض طينية شيء متعب جدا ، بالاضافة الى ضعف اللياقة البدنية نتيجة الاختفاء فترة عشرة اشهر متواصلة.
كانت حقيبتي مليئة بالسندويجات والماء ومعطفي ثقيل وزاد وزنه جراء المطر اثناء المسير المتواصل ، كما و فضلت ان ابتعد عن الطريق الاعتيادي وان اسلك طريق السهل والهضاب والذي كان متعب جدا لكثرة التموجات والصعود والنزول ، وكانت دالتي الرئيسية هو ان ابقى بوسط السهل حيث جبل القوش من اليمين وجبل دهوك يسارا، امضيت الليل بطوله لاصل الى بداية قرية اوستيان عند مدخل گلي كورتك حيث بدأت ومضات نور الفجر التي جعلتني اسرع للوصول الى كهف بيرموس كي تكون اول محطة للراحة هناك ،
وصلت الكهف الذي كنت أتأمل ان اجد فيه القليل من الحطب وكان الصباح قد اكتمل ولاحت لي المنطقة بوضوح كانت خالية تماما، شيء يبعث الخوف في نفسي وتسائلت ماذا حدث لعشرات قطعان الاغنام والماعز التي كانت تجول يوميا وعلى مدار السنة سابقا.
سمعت صوت رمي صلي اطلاقات من جهة جبل القوش ولم اتيقن مما يحدث.
ولم اجد حطب لاسعاف ملابسي المبللة ، فتركت الكهف مفضلا الجلوس تحت اشعة الشمس.
طار النوم تماما بعد استلقاء قصير جدا تناولت به احدى سندويشاتي اللذيذة.
كنت قلق جدا وتراودني الافكار والاحتمالات فلم استطيع البقاء وقررت ان اتسلق الجبل خلف الكهف لاصل الى القمة المطلة على قرية صوصيا والشارع الموصل بين دهوك وبعذرة، ونزلت من القمة بأتجاه هذا الشارع الذي كان ترابي واليوم هو الشارع المؤدي الى اربيل من دهوك عبر قرية بعذرة، اثناء النزول لاحظت مجيء احد المسلحين يسير وحده من جهة گلي الرمان بأتجاه گلي كورتك، اختبأت خلف شجرة وكنت قريب جدا من الشارع، اقترب هو الاخر لأجده نؤيل رفيقنا!
لهول المفاجأة بالنسبة لي ناديته: نؤيل ونزلت الى الشارع لألتقيه
تفاجئ هو الاخر طبعا وقال :منين اجيت؟
ودار حديث سريع بيننا وطلبت منه ان يرافقني الى اقرب قرية فقال لا داعي والمنطقة هادئة وانت تعرف الطرق و واصل حديثه بأنه ذاهب الى القوش مجازا لبضعة ايام وطلب سيكارة مني واعطيته علبة دخان سومر واخبرته بقصة الرمي على جبل القوش فقال نعم هم رفاقنا هناك.
هدأت كثيرا بعد هذا اللقاء على الرغم من التعب وعدم النوم ، تفارقنا هو ذاهب الى القوش وانا توجهت الى صوصيا .
في صوصيا طلبت اللقاء بمام ( العم) احمد وهو صديقي وكان يعتني بأختيار طاقم النوم لي ويأتي به الى مكان النوم للمفرزة باحثا عن ابو حاتم! وكان يروي لنا ذكرياته بالقتال مع رفاقنا عام ١٩٧٥ حيث كان هو پيشمرگة مع الپارتي وكيف جرح برجله بأحدى الاشتباكات على جبل القوش! يروي هذه الحكايا ويسهم النظر بنقطة على ارض الغرفة ومن ثم يرفع راسه ويقول كم اعماركم ؟ ليكتشف نحن جيل لا ننتمي الى تلك الفترة ، فيعتذر ويواصل حديثه برفع معنوياتنا بمواجهة السلطة.
لم اجده في صوصيا ذلك الصباح ونصحني المختار بالذهاب الى مجموعة بيوت في الجهة المقابلة للقرية على سفح الجبل المؤدي الى قرية دزي.
قضيت ، الليلة الاولى هناك واستعدت نشاطي وعند الوداع خرج معي اثنان من مضيفيّ، كان احدهم يمتطي حصان والاخر راجلا وهم مسلحين، كان الوقت صباحا بعد الافطار، قام الشخص الراجل بسحب اقسام بندقيته ووجها صوبي وقال اننا لا نعرفك ولانعرف من اين أتيت. اجبته اتيت من بغداد بعد قضاء اجازة وانا پيشمرگة من الفوج الاول التابع للحزب الشيوعي واذا تريدون اسألوا مام احمد وهو يعرفني جيدا وعائلته هي التي دلتني عليكم .
فقال تكلم الحقيقة وسحب اقسام مرة اخرى مما ادى الى اخراج الطلقة المبيتة اساسا في البندقية.
حقدت على نوئيل الذي لم يرافقني الى القرية وتركني لهذا المعتوه.
حاولت اهدأ الموقف لسبب بسيط ان هؤلاء الناس يعيشون حياة الاختفاء من السلطة وهم پيشمرگة بالغالب، فطمأنتهم بأني پيشمرگة كذلك وعليّ الالتحاق بالفوج الاول في وادي مراني .
تبادلوا النظرات فيما بينهم و كان الشخص الراجل الذي كان يشبه الى حد كبير الشهيد ابو هلال ( جميل سوارى)، قلت له انت تشبه الشهيد جميل سوارى ، فقال على الفور لا اعرفه ، على اية حال شكرتهم وغادرت
و واصلت المسير دون توقف الى الوادي المؤدي الى قرية دهي وعبرت بينارنك ولم يبقى الى مراني إلا مسير يوم كامل، استضافني احد الفلاحين بعد المرور قرب منزله وبناءا على طلبي منه بالاستضافة وعلي أن استعيد نشاطي وآخذ قسط من النوم والراحة، فأجابني على الرحب والسعة.
وبعد تناول وجبة العشاء البسيطة استأذنت من صاحب البيت بأن يهيأ لي مكان للنوم لما استبد بي من تعب شديد، نمت مباشرة وكانوا حقا كرماء معي هو وزوجته واسكتوا الاطفال كي لا يسببوا ازعاج.
صباحا قال لي كنت متعب جدا من اين اتيت؟ قلت له من بغداد ، اجابني فورا: لا بابا لا
ضحكت وقلت له كنت مجازا وعدت و كانت زوجته تعد لنا الفطور وسألتهم من اين هم ؟ وهل هم من عشيرة المزورين؟ ، قال نعم وبالاصل من زاويته وهربنا الى الريف حيث وجود اقاربنا وعشيرتنا، سألني ان كنت بالاصل سوراني اجبته لا و لكني تعلمت الكردية باللهجة السورانية واصلي عربي و تحدثت له كثيرا لأني اطمئنيت اليه و كان الرجل على مستوى جميل من الثقافة وكان شديد الاستغراب وربما الاعجاب من وضعي ، فقال كيف تعرف المنطقة وانت بيشمركة في سوران وتشعب الحديث كثيرا معه وغادرت منزله بحدود الساعة الحادية عشر من ذلك الصباح ، كان منزله الوحيد و المنزوي بإحدى وديان برواري مزوري ولربما احد بساتين اقاربه لانه اخبرني سبب مجيئه ولجوئه الى الريف هو وجود عشيرته واقاربه.
غذيت السير نحو مراني وكان شعوري ومعنوياتي عالية جدا فأنا الان بمعقل الثوار في تلك الجبال القاصية حيث الرجال الرافضين للديكتاتورية والحرب ، فكرت بأمر هذه العائلة التي احسنت ضيافتي و كانت على الرغم من خلاصهم من الملاحقات لم يكونوا مطمئنين وتحدث الرجل كثيرا عن السلاح الكيمياوي ونوايا السلطة بقصفهم و هو توقع مبكر لما حدث في الانفال لاحقا، وفي منتصف الطريق وانا في طريقي الى مراني عثرت على عابد وكان مسلحا في بستان والده المرحوم مام أحمد والد الشهداء جميل وجاسم، جلست معهم وكانت حقيبتي لازالت عامرة بسندويجات البركر والتي حرصت والدتي على ان تكون مؤنة كافية للطريق، مضغها عابد بلحظات ونطق بعربية سليمة نادرا ما يجود الزمن بمثلها وقال : طيبة، بينما لم يستطيع مام احمد التقرب لها وتركها لعابد الذي التهمها مباشرة
ضحكت وسألته : ده نگ و باس ( بالكردية تعني ماهي الاخبار) وانطلق عابد بالحديث عن اخبار الحزب ورافقني الى المقر وكانت اخباره مشوشة زادتني قلقا ومنها خبر استشهاد البطل ابو كريم في عملية اقتحام مطار بامرني .
* الصورة لمقر مراني ( جبل گارة) في احدى المناسبات الاحتفالية.
* صورة للشهيد ابو كريم( حاتم نمش)، عامل بناء من ابناء مدينة الثورة ، نصير قديم وقريب الى قلوب كل الانصار واشتهر ببطولته بأقتحامات المواقع المحصنة، كما واشتهر بسرعة بديهيته الفائقة وله من الاحاديث ما يكفي لتأليف روايات.
* صورة جماعية لمفرزة سهل الموصل وفي المقدمة جالسا الشهيد ابو هلال ( جميل احمد سوارى)، وهو يحتضن بندقيته.
سآواصل