ليلة فوق جبل قنديل

بمناسبة مرور 38 سنة على الجريمة الكبرى في ((بشتاشان))

قوات الاتحاد الوطني تشن هجوما شاملا على مقرات حزبنا

عند الفجر، علمت بأنّ مفرزة الرفيق مام رسول ( رسول سور.. رسول صوفي..) ذهبت باتجاه (قرية اشقولكة) لتأمين وحماية المدخل الشرقي لحوض بشتاشان، وعندما وصلوا الى قمة (كاني ساوين) تمترست مفرزتهم هناك.

وعند الفجر ايضا، ودّعت (ابو اصطيف) وذهبت معه الى حيث تجمعت مفرزة يقودها الرفيق (ابو خالد اربيل) معاون الفوج وسمعته يخاطب الرفاق ويطلب منهم ان لا يطأطأوا رؤوسهم امام الاعداء! ((رفاق رفاق رفاق : لحد ايدنكَ راسه امام رصاص الجبناء))، يقولها بالعربية مصحوبة بغضب كوردي وعناد قروي.

قبل الظهر، عرفت بأنّ صديقي الاقرب سمير عبد الحسن الخفاجي (ابو صابرين) استشهد مع رفيقه (مام رسول) وعدد اخر من رفاقهما فوق قمة (كاني ساوين). هذا الخبر كان محنة وامتحان، شعرت وكأني انقطعت من الجذور، فسمير بالنسبة لي اكثر من رفيق واكثر من صديق، معه عانيت الظروف القاسية، ومعه تقاسمت الرغيف الحافي والملاذ المر، كان طيبا وحميما ولا يهتفُ الاّ بالحبِّ، ولذلك، فهو الى الان لا يفارق الخاطر، ولا يغيب عن البال ولا يبرح الوجدان.

 كنّا سوية في فصيل المدفعية احد فصائل السرية في وادي (بشتاشان) التي كان امرها العسكري الرفيق (ملازم قصي) ومستشارها السياسي الرفيق (ابو ايار) وآمر فصيلنا الرفيق (ابو انصار)، هذا الفصيل سُمي بالمدفعية بالرغم من اننا للتو نتعلم فنون القتال!، لكنهُ كان من اكثر الفصائل حركة وحيوية ويستقبل في كل مساء زوارا من الفصائل الاخرى، ولطالما طرق باب الفصيل النصير الراحل (ئاشتي)، كان يقرأ الشعر بطريقته الخاصة (النواعي)، فيذكرنا بعيون امهاتنا التي قرّحتها الدموع، وكان دائما ما يصطحب معه النصير كريم (ابو زهرة) ويقدمه بالطريقة الاعتيادية كما لو اننا في صالة احتفالات!: ((والان مع النصير الموهوب (ابو زهرة)، يؤدي لكم اغنية (يا هوى الناس) من اغاني سعدون جابر والحان النصير كوكب حمزة))، فيصفق الجمهور ونتحمس لاحياء ليلة مختلفة!.

في نفس ذلك الصباح المبكر من ذلك اليوم الحزين، طلب مني (امر السرية) ان احمل المدفع الى المكان المخصص له والذي يقع بالقرب من فصيل (الكويت) ((الفصيل الذي ينتمي اليه الشهيد صباح مشرف (وضاح) والذي ذهب قبل ساعات ليدافع ببسالة مع رفاقه عن اذاعة الحزب، لكنهم ثأروا منه في المرة الثانية واصابوه في كمين غادر وجبان!)).

حملت المدفع الى هناك، وكان معي في ذلك الحين النصير (ازاد) يشاركني في اداء هذه المهمة التي لم اتعلمها من قبل!. صعد آزاد فوق تلة مرتفعة ليرصد بواسطة الناظور تحركات العفاريت التي خرجت فجأة من القمقم!، كان يحدّد لي الزوايا ويعطيني الاحداثيات، وكلما اطلقتُ قذيفة يصرخُ باعلى صوته: (ده ست خوش هاوري ابو هادي.. اجت ابنصهم!!).

لكنّ ازيز الرصاص يقترب، وكلما مرّ وقت اقترب اكثر، لا نعرف شيئا!، لم نسمع غير اصوات الرصاص والانفجارات، كان الموت يسخر من وجوهنا الحزينة، وكانت الاخبار تأتي قليلة ومتقطعة وفاجعة وغامضة فتترك غصة في الحلق وقشعريرة بالنفس، وإنّ علينا ان ندفع ثمن حمامة السلام التي تقف على فوهات بنادقنا!.

في المساء وبعد ان تقدم المهاجمون واصبحوا قاب قوسين من المكان، جاء الرفيق (ملازم قصي) وامرنا بالانسحاب، وبعد جهد ووقت حيث جلبت (البغل) الذي سيحمل (سبطانة المدفع) بالنيابة عني، سلكت الطريق المؤدي الى مقر المكتب العسكري، وعندما عبرت النهر اسفل مقر (القيادة العسكرية) وجدت مجموعة من الانصار يتوسطهم الرفيق مسؤول المكتب العسكري الفقيد سليمان يوسف اسطيفان (ابو عامل)، وفي هذه الدقائق القليلة كانت تصل الينا بعض رصاصات قناص من اعلى السفح وتستهدف الرفيق الفقيد ذاته، فدفعناه الى منخفض ضيق وانتشرنا في مواقع مختلفة حتى أمنّا له طريق الانسحاب.

مررت بـ (الفروشكة)، فوجدتها خالية تماما من البضائع!، وقبل ان اتسلق قمة قنديل، جلست على صخرة ودخنت سيكارة.... تأملت وجه (ابو صابرين) طويلا، وتخيلت ملامح الرفيق (ابو ذلفاء) حين يسمع باستشهاد شقيقه الصغير!!، ثم غاصت قدماي بالثلج الذي كان يخفي تحت بياضه البريء وجها قبيحا اخر!. لا اتذكر كم من الساعات مشيت فوق قنديل، كانت المسافة طويلة، والوجهة مجهولة، والجرح ينزف، والمشي من دون دليل محفوفا بالموت.............!!.