مذكرات انصارية الحلقة13

 

وصلنا الى مقر مراني انا و عابد، كنت سعيد جدا ليس لوصولي الى المقر فحسب بل للتأكد من الاخبار التي بثها لي عابد بلا أنصاف، وفعلا على حد قول النصير ابو طويلب ( اريد اعرف شعابد؟)

انصرف عابد بلقاء اخيه الاصغر جمال سوارى وانا وجدت رفاقي قد احضروا لي مكان في الغرفة الصغيرة معهم، وكانوا سالم وابو سلام وسربست وانا اصبحت رابعهم ، احاديثنا حول آخر نكات الجنود في سوح الحرب الكارثية وأخبار رفاقنا للفترة الماضية وكان خبر قصف مقر زيوة بالسلاح الكيمياوي في الخامس من حزيران ١٩٨٧ هو محور الاحاديث كما و ربطت الخبر الذي سمعته وانا في بغداد نقلا عن  احد اصدقاء والدي والذي جائني به والدي مذهولا بأن النظام وجه ضربة قضت على كل الموجودين في ريف العمادية ، تيقنت بأن المقصود هي (ضربة زيوة)، ومساءا كنا نلتقي على موقد شاعرنا الجميل ابو رعد ( كامل الركابي) يهيأ لنا خمرة الثوار ( الشاي) وتنطلق الاغاني على ايقاع صفيحة يمسك بها ابو طويلب وتنقطع السمفونيات ! احيانا بأحاديث جانبية ، كانت احلى من السكر.

جلب انتباهي الشهيد ابو آيار بأسئلته الذكية عن الداخل وإمكانية نقل العمل المسلح الى بغداد ، كانت لديه افكار عملية وبسيطة ، من هذه الافكار ان نتسرب الى بغداد ليومين او ثلاثة ايام،  على شرط ان يكون لدينا هدف محدد وتكون احدى مفارزنا بأنتظار عودتنا وكنا نناقش الامر بجدية وعناية .

كنت اقول له اجمل الثورات تبدأ مثل الاحلام، فيقول اكيد  ويتشعب الحديث و تبقى احلامنا صادحة في سماء الوطن.

جائت برقية مفادها  عليّ التوجه الى كافيا التي تبعد بضع ساعات مشيا عن مراني ،و وصلت الى مقر كافيا مع د ابو الياس و هو طبيب اسنان لم يمارس مهنته ابدا بل كان ينبذها و يصرح بأنه كان من المفروض ان يدرس شيء آخر.

استقبلنا في كافيا ابو عچو (عدنان اللبان) وثائر  وبقيت معهم في غرفة كانت مخصصة لهم، نقلت الاخبار الى ابو عچو و تفاصيل كثيرة و اخبرني بأن لا اخبر الرفيق ابو فلاح ( محمد اللبان) بموضوع وفاة والدته لما فيه من وقع محزن، وفي اليوم الثاني دعاني لبيد عباوي الى غرفته  وبدأ الحديث بأن عليّ ان القي سلاحي واذهب مجردا من السلاح الى مقر  القيادة في كانى ساركي.

اجبته بأني سأحتفظ بسلاحي، فقال فورا انت متهم بقضية القاء القبض على رفيقنا ابو مناف!!

قلت له : كيف وانا لست لدي اي علاقة تنظيمية مع العزيز ابو مناف بل كان رفيقي وصديقي هو زوجته العزيزة نغم والى الان هم كذلك ، ولكن كيف لي ان اعلم  بوجوده وحركته؟

صعقت اولا من الخبر  بأن العزيز ابو مناف قد القي القبض عليه، وحزنت كثيرا، وكرر لبيد عباوي الحديث بأن عليّ ان القي بسلاحي ! و اردف كذلك بأني الوحيد الذي يعلم بحركة ابو مناف!!

ذكرني ابو رنا باسلوبه بذلك المعتوه الذي سحب اقسام بندقيته مرتين عليّ،  فأجبته بأني لاعلاقة لي بك تنظيميا واني سأتوجه الى مقر القيادة بكامل قيافتي العسكرية و لا اسمح لك بالتدخل بأي أمر يخصني وتركت الغرفة دون ان اودعه.

تكلمت مع ابو عچو فقط حول ما دار بيني وبين القائد العام للفوج الاول والمسؤل الاول لتنظيمات الموصل،،، !! حتى نعلم بأي عقلية كنا نواجه اعتى أجهزة المخابرات العراقية ،  وبأي معطيات؟؟

حزنت كثيرا لمصير العزيز ابو مناف والذي لازال صاحبي و يقيم حيث اقيم انا بلندن حاليا.

وكتب ابو مناف ( سبهان ملا چياد )مذكراته عن الاعتقال وكيف امضى ٢٠٠ يوم في زنزانة الاعدام.

آنذاك اخبرني ابو عچو  بان كان لدينا ملتحقان في مقر كافيا وهما ابو سمرة وابو رشا  والاثنان هم ابناء اخ ابو مناف و التحقا جراء القاء القبض على ابو مناف وزوجته واخ زوجته ونصف اقارب ابو مناف !! .  وارتبطت بعلاقة ودية معهم ورافقوا الجمع الى تركيا وايران بعد حملات الانفال.

أدان القائد الانصاري المرموق ابو جوزيف ( توما توماس) في اوراقه المنشورة على موقع الناس، عملية نقل قيادة الحركة الانصارية الى اللجان الحزبية بعد المؤتمر الرابع عام ١٩٨٥، ذلك المؤتمر  السيء النتائج، وادان كذلك اسلوب قيادة الفوج الاول لمًا سببت من مآسي لعوائل رفاقنا آبان المواجهة في حملات الانفال، وتعرضهم للحصار الكارثي.

وكتب الكثير قبلي من الانصار عن  اسلوب ادارة الفوج الاول والتنظيم المدني . .

غادرت كافيا وكنت منزعجا جدا ليس من عملية الشك  المطلوبة ازاء كل حالة من حالات العمل السري، ولكن من الاسلوب الساذج الذي يذكرنا بقصص ارسين لوبين.

وصلت كانى ساركى  وهذا المقر اقيم حديثا بعد الضربة الكيمياوية لمقر زيوة على ضفاف الزاب ،وكانى ساركى القرية تبعد ساعة مشيا على الاقدام بعد عبور الزاب بأتجاه الحدود التركية و وجدته مقر جميل في ذلك الربيع  حيث اكتست الارض اللون الاخضر مع  اعتدال الجو و وجود رفاق الفصيل المستقل ومنهم الفقيد ابو علي مسكوڤي وابو عليوي وبعض الرفاق الضيوف وكان الجميع يتقن لعبة الكنستر ( ورق لعب)، وقد اتيت بعلبتين من الورق الجديد،.

اخبرت ابو داود بالخبر الذي سمعته عن الشهيد ابو سرمد والمناضل ابو أحمد ، و لاحظت  ان الرفيق قد صعق وتألم كثيرا  وسألني كثيرا عن الحادث وللاسف لم امتلك غير الخبر المبتسر الذي سمعته من عمتي، وكان الخبر يؤكد استشهاد الرفيقين ، وبعد السقوط عرفنا بأستشهاد ابو سرمد ونجاة ابو احمد بأعجوبة.

كنت الاحظ بعض الرفاق وهم من اعز اصدقائي يفتشون حقيبتي و يحاولون مراقبتي وكنت متفهم الامر ولم ابني عليه موقف سلبي كما بنيت على اسلوب لبيد عباوي.

الشك والمتابعة همًا مسؤلية الرفاق الحريصين و المخلصين.

لم امتعض من ذلك و مارست نشاطي  وبقى حبي واحترامي للجميع.

اعلمني احد رفاقي الضيوف ( من حزب تودة) بأنه ينوي الرجوع الى إيران ويعمل مختفيا، وطلب مني بعض الوثائق ليدعي انه عراقي، فأعطيته  ما كنت قد اتيت به وهو دفتر الخدمة العسكرية العائد لي ، وعمل له ابو عليوي ما يستوجب من تغيير، بينما انا احتفظت بجواز السفر للشهيد كمال جاسم محمد بعد ان عرضوا علي اخوته ( ابو فلاح وابو عچو) بأن احتفظ به واستفاد منه،، ربما كان يعز عليهم ان يستخدمه احد منهم ، قدرت الامر وتقبلت الاحتفاظ بالجواز مع تغيير الصورة  بنفس طريقة خبراء الطباعة (ابو عليوي وآراس). وفي ايران التقيت  بهذا الرفيق من تودة ( المختفي) في طهران وباغتني بالخروج من احدى زوايا الشارع الذي يؤدي الى حيث اسكن، لم اطيل اللقاء به وغادر هو الاخر مسرعا، سمعت انه غادر ايران ويقطن بأحدى الدول الاوربية حاليًا.

كانت الحرب العراقية الايرانية في صيف عام ١٩٨٨ تدور رحاها في كردستان العراق وبمنطقة سوران بالذات وانطلقت حملات الانفال وسياسة الارض المحروقة التي لازمت النظام الصدامي كأسلوب مميز و كانت حركة الجيش العراقي لاتخطئها عين المراقب من حيث الوصول الى مناطق شاسعة وتمددت على طول الجبهة المشتعلة. في بهدينان كان الصيف هادئا وكنا في الفصيل المستقل في قرية كانى ساركى قرب  الحدود التركية نمارس مهمات حياة رتيبة وبلا افق، غادرنا ابو داود مع مجموعة من الرفاق وتركنا تحت رحمة ابو عليوي ومقترحاته على شاكلة : اشو محدديروح الفوج الثالث يجيب عرگ ! والشكوى من قلة المحاصيل الصيفية ، وبقى المسؤل الاول للفصيل هو الرفيق ابو الجاسم ( قاسم الذي يعيش في مالمو حاليا له الصحة والسلامة)، وتجدر الاشارة ان مقر زيوة فيه مزارع عامرة لكل المحاصيل الصيفية، ولكن أخلي المقر على اثر الضربة الكيمياوية وبقيت مجموعة صغيرة من الرفاق لمتابعة جهاز الارسال و لربما التمويه بوجود المقر واستمرار البقاء فيه.

في ليلة ٢٤/٢٥ آب ١٩٨٨ سمعنا صوت طيران سمتي قرب المقر وفي مناطق محاذية الى العمادية وكاني ماسي وهذه اول مرة اشهد الطيران ليلًا ، بعدها انقطع صوت الطيران وبحدود الساعة الثانية عشر منتصف الليل صدر صوت قصف شديد ومتتالي ينم عن قصف راجمات سريعة وثقيلة،

جائنا صباحًا حيث كنت الحرس في ساعات الصباح الاولى الخبر بأن مقرنا في زيوة قصف للمرة الثانية ليلة امس   بالسلاح الكيمياوي ولدينا شهداء وجرحى، انطلقنا نحو المقر بسرعة فائقة ورافقني بتلك المهمة الرفيق ابو الطيب ورفاق من الضيوف وهم كامران وشمال، وصلنا الى نقطة العبور  ( التلفريك)عند نهر الزاب في الجانب الشمالي و وجدنا الشهيد ابو سعد وقد وجه بندقيته ( الجيرسي) الى  اسفل حنكه واطلق رصاصة بواسطة ابهام يده اليمنى الذي بقى جامدا على زناد البندقية، هذه المرة الثانية التي اشهد فيها انتحار رفيق والاولى كانت ايضا بسلاح الجيرسي وايضا ب أبهام اليد اليمنى للنصير حمة كانى كوى ذلك الشاب المفعم بالحيوية وهو من رفاقنا في قرية كانى كوى بسهل شهرزاد عام ١٩٨٤ ،  كان المسكين حرس على تلة القرية وقد أنشأنا موضع للحراسة الذي تحول الى حوض من دمائه.

بعد العثور على الشهيد ابو سعد عبرنا الزاب وتوجهنا الى مقر الپارتي  لنجد رفاقنا عمودي ( سلام العطار) ، ومنذر ( قيس محمود) وقد اصيبا اصابة واضحة بالغاز الذي كان خليط من الخردل وغاز الاعصاب وهو السبب الذي قاد رفيقنا ابو سعد  ان يفقد حياته.

لم نفهم شيء ملموس من المصابين بسبب الهذيان و واضح انهم فقدوا القدرة العصبية والنفسية جراء الاصابة بالغاز ولم نستطيع عمل شيء سوى اننا  اصطحبناهم الى طريق المقر  و واصلنا البحث عن بقية  الشهداء

والذين علمنا انهم استشهدوا ولازالت جثثهم في المقر.

سآواصل

الصورة للشهيد ابو آيار ( فؤاد يلدا)

الصورة للشهيد (عبد الحسين لازم/ ابو الوسن)

الصورة للشهيد (كاظم جبر ثجيل / ابو جواد )

الصورة للشهيد (رعد موسى جعفر الخليلي / ابو سعد) .