واقعة هيلوه

.2007 / 9 / 19

سيرة ذاتية

((سوف يأتي يوم ننظر فيه الى الخلف على دروب مشيناها ))

في نهاية غروب يوم ،اختلط فيه صفير الرياح مع صوت بوم نسمعه و لا نراه

وصلنا قرية هيلوه ليلآ في دشت اربيل الذي كنا نجول فيه بصحبة مفرزة الانصار

التي التحقنا بها بعد اطلاق سراحنا من السجن الصغير وهروبنا من السجن الكبير بمساعدة

المناضل محيي الدين حسن،عقب سنوات من الاعتقال والقهر …………

تم توزيعنا على شكل مجاميع صغيرة ،كل ثلاث او اربعة انصار ضيوف عائلة من

تلك العوائل التي ما فتأت تستقبل المقاتلين منذ عقود ،دون كلل او ملل ،لحلمها بأمل

وأن كان بعيد .

بعد حين ،حدث هرج وجلبة ،بين فتيان القرية وشبابها ، بعد ما عرفوا أن مفرزة …

الانصار ضيوف قريتهم ،يسألون عن النصير ابو ميلاد ؟ حين عرفنا السبب بطل عجبنا ،

حيث أن النصير ابو ميلاد يعرف و يحفظ أغاني الدبكة الكردية الفلكلورية عن( ظهر قلب )

بعدها بدأت الدبكة والنصير ينشدهم والكل متجمعين حوله بدائرة كبيرة يرقصون دبكتهم ويرددون ما ينشد حتى وقت متأخر من الليل .

في الصباح كنا مشرئبين حول المدفأة من برودة الخريف اللاسعة ،مكونين نصف دائرة ،مستمتعين بالدفئ والفطور البسيط وسط العائلة ،ورياح نهاية الخريف تنبأ بشتاء قارص .

في ذلك الصباح الذي ذاع فيه مفاجأة النبأ الرهيب ،وكأنه قصف رعد من فم فتي كان يصدح

ب:قوة هات ………قوة هات ……….قوة هات* …………

نحن الملتحقون الجدد لم نفقه المعنى الذي كان ينادي به ذلك الصبي بقوة ،لكنا شاهدنا الوجوم

والارباك على وجوه الاخرين . مما عنى لنا أن بوادر شؤم تلوح في سماء المكان .

سألت النصير الذي يشاركنا الضيافة

_ ما الآمر ؟ اجابني وهو يلف البشتين* حول وسطه على عجل :

_كنا نعلم أن قوات من الجيش ومرتزقة النظام تجوب المنطقة ،لكنا لم نتوقع وصولها بهذه السرعة ، واستعدوا لما هو أت . !!!

في الليلة الماضية كانت قوات النظام ومرتزقته تطارد احدى فصائل (البيشمركة)* التي تمركزت في قرية شيخ وسان المجاورة .

مفرزة دشت اربيل ،التي التحقنا بها منذ شهر ،تتألف من اربعين نصير ،من خيرة الانصار المجربين في معارك سابقة بشجاعتهم ،وحنكتهم أثناء القتال ،وجرأتهم باقتحام الكمائن والتخلص منها بأقل الخسائر ، ولخطورت المنطقة وقربها الشديد من مؤسسات النظام الآمنية والعسكرية ، تواجد الانصار في تلك المهاد هو عملية اصرار على مواجهة النظام وتحدي جبروته .

بعد أن أخليت القرية من سكانها ،حيث سلكوا الوهاد والممرات الخلفية ، جاء قائدي المفرزة ، ... ابو احلام وابو احرار ،والاصرار باد على وجهيهما ،اجتمعوا بالنخبة من مقاتلي المفرزة ،هوبي ،ازاد ،عصام ،عادل برانتي ، رياض ، سه ركوت ، واخرين ،استعدادا للمعركة ،كنا نراقب عن بعد حركات المجتمعين والايادي تومئ الى كل اتجهات القرية ،بعد ان انفضوا ،ذهب كل الى موقعه الذي حدد له . حينها نادى علي ابو احرار يسألني :

_رفيق هل تجيدون استخدام السلاح انت وصاحبك . اجبت دون تردد :

_وهل يوجد انسان في وطننا لايجيد استخدام السلاح في زمن الحروب هذا .

ربت على كتفي باسما وأشار الى احد الانصار أن يسلم لكل منا بندقية مع العتاد الازم .

فرحت بتلك المبادرة ، لا بتسليحنا ،بل بمنحهم ايانا ثقتهم التي ليس من السهل الفوز بها .

هرعت للجدار الطيني المقابل لقوات النظام ومرتزقته وبدأت احفر كوة للنار ومن خلال تلك الكوة هالني ما رأيت من كثرة قوات النظام و مرتزقته ،وكأنهم سوف يحاربون جيش جرار وليس مجموعة من الانصار لا يملكون من السلاح مثل ما تملك قواتهم ألا قوة مبادئهم وايمانهم بشعبهم ،في تلك الاثناء مر بالقرب مني ابو ميلاد أردت ان أسأله فبادرني بالسؤال :

_ ما الذي تفعله يا رفيق ؟ اجبته وانا منهمك بثقب الجدار

_ كما ترى افتح كوة في الجدار ليتسنى لي الرمي من خلالها . رد علي باسما :

_ انهض رفيق انهض ،بعد قليل ( راح يصير لطم صواريخ مو لطم ........... ) .

ضحكت من تلك النصيحة البذيئة ،وأشار علي ان ادخل احدى الغرف المقابلة لقوات النظام ،أثناء ذلك نقلت له ريبتي مما رأيت من كثرة العدو و معداته ،رد علي بامتعاض وبعربية فصيحة ساخرة :

_ والله يارفيقي العزيز ( ما عاق عزمنا مثل خوف العواقب ).

بعد ان تركني محرجا ،ألتفت الي مناديا :

_ يا رفيق اذا قدر لنا ان نعيش سوف أسمعك قصائد لمظفر النواب لم تسمعها من قبل قد تعجبك لكونها نادرة ،والجدار اياك ان تقترب منه ألا عابرا اياه والى ان نلتقي .

بعدها ران صمت كصمت الصخور ،تهيأ لي حينها بأننا خارج حسابات الكون وايقاعته ،محاصرين بجيش جرار يتجحفل امامنا على شكل حدوة حصان مجهز بكل اسلحة الموت ،أغلقت جفوني على رؤى دوامات قادمة بقوة تبتلع كل ما حولها بلا أستثناء، حتى نبهتني حركت احد الانصار الذي أتى يتلبد بمحاذات الجدران يخبرنا بأن لا نطلق النار ألا بأمر ، وأن لا نتحرك خارج الغرف ألا بعد بدء المعركة ، وذهب كما أتى .

بعد حين تناها الى مسامعنا هدير طائرات مروحية ،خلال دقائق حلقت فوق رؤسنا ،تستطلع القرية التي نكمن فيها ،ثم وجهة نيران صواريخها ومدافعها الى قرية شيخ وسان المجاورة التي تكمن فيها مفرزة البيشمركة المطاردة ،في تلك الاثناء وحين افرغت الطائرات ذخيرتها ،توجه نحو القرية التي نكمن فيها رتل من السيارات المختلفة بحدود احدى عشر سيارة محملة بالمرتزقة و قليل من ازلام النظام مدججين بكافة انواع الاسلحة ،لجهلهم بوجودنا ، ودليل حسن تدبير قادة المفرزة ، وحنكتهم ،كمن لهم الانصار، وكان الاتفاق ألا احد يطلق النار حتى دخول اخر سيارة للقرية ، وبدء صوت الموت ،وكأن انفجار هائل قد حدث ، لكون الانصار اطلقوا الرصاص في وقت واحد ومن مختلف الاسلحة في اللحظة ذاتها ، حينها اختلط صوت الرصاص بهتاف الانصار و صراخ المرتزقة ،ترأت لي مرة اخرى تلك الدومات وهي تبتلع عربات الرتل الاتي ليقتلنا واحدة تلو الاخرى حتى أخرها ، بعد حين حل سكون حذر ،لوقت قصير ، بعدها فتحت علينا كل ابواب جهنم دفعة واحدة ، حيث بدأت مدفعية العدو تقصف القرية بشكل مكثف ،في كل متر مربع عدة قذائف من اليمين الى اليسار وبالعكس ، وانهمر الرصاص علينا كالمطر ،كنا محظوظين بان بيوت القرية قد شيدت من الطين ، تاتي القنابر والصواريخ من فوهات مدافعهم (لتخمد) في الارض الزراعية الهشة او في الغرف الطينية ، المروحيات تحلق في المدى الفاصل بين الموت والموت ،لتفرغ حممها فوق روؤسنا ، كان النصير سه ر كوت يمد جسمه حين يصوب نحو هدفه رغم اعتراض باقي الانصار وخوفهم عليه ، ليضمن وصول رصاصاته للعدو ، قوات النظام ومرتزقته نسوا امر مفرزة البيشمركة التي كانوا يطاردونها طوال الليل الماضي ،حين عرفوا بان مفرزة الانصار تتخندق في قرية هيلوه ، كانت مدرعة تتقدم نحونا مسرعة ، تركوها الانصار لنقطة معينة حيث كمنوا لها ، عند وصولها لخط معين تصدى لها خارج القرية احد الانصار الميامين ،فعادة كما اتت ، والدخان يلوح من احد جوانبها ،كان منخفض من الارض بيننا وبين العدو ، تسلل اليه المرتزقة عدة مرات فلم يفلحوا حيث كان لهم الانصار بالمرصاد ، في ظهر ذلك اليوم الرهيب ،باغتتنا طائرتين مقاتلتين مثل البرق تقيئتا صواريخها نحونا لكنا لم نصب بأذى لعدم تمكنها من ضبط هدفها ، من خلفنا قرب التلال الزرق التي كنا نأمل بالانسحاب نحوها وقت حلول الظلام ،تم انزال قوات خاصة بمروحيات عصر ذلك اليوم الذي شكل لنا نحن الملتحقون الجدد اطول يوم في التاريخ ، عند حلول الظلام حين بدأت الرؤيا تنعدم قليل قليلا ، اخذ المرتزقة و قوات النظام بالتقدم نحونا ، في المرحلة الاولى جثو في المنخفض الفاصل بين القرية وموقعهم ،كانوا قادة المفرزة ابو احلام وابو احرارطوال فترة المعركة يدورون حول المقاتلين كالاسود التي تذود عن عرينها حين يداهمها خطر ، حينها قسموا المفرزة ثلاث مجاميع الاولى تشاغل العدو في الامام ، والثانية تخلي الجرحى ، والثالثة تقتحم الكمين لتفتح لنا طريق الانسحاب ، وكانت المجموعة الثالثة اول من قام بالمهمة حيث اقتحموا الكمين القابع في طريقنا ، في القرية اصبح القتال من غرفة الى غرفة كنا نسمع المرتزقة ينادون على ابو احلام و ابو احرار بان يستسلمو كان رد الانصار عليهم زخات من الرصاص تخرسهم لحين ، حتى انسحبنا ، كان اول المنسحبين ،مجموعة اخلاء الجرحى ونحن معهم ، كانت المجموعة الاولى تغطي على انسحابنا ، والمجموعة الثالثة امامنا تسكشف الطريق خوف الوقوع بكمين اخر ، حيث لازال جيش النظام في المنطقة ، بعد وقت ليس بالقصير ،وصلنا قرية تجمع اهلها بانتظارنا خارج بيوتهم ليمدوا لنا يد العون بمساعدتنا لنقل الجرحى في تركتراتهم الزراعية ، واخذنا الى بيوتهم لنرتاح قليل ، بعد ان ظنوا بان لا احد منا على قيد الحياة عقب معركة خرافية غير متكافئة ، قبل ان تنقضي ساعة على استراحتنا جاء الامر ان نغادر ، وتركنا القرية تحت جنح الظلام ودموع النساء داعيات لنا بالسلامة ، حتى وصلنا قرية قرب الشارع العام صباح اليوم الثاني ، كانت الاوامر ان لا ندخل في البيوت ، وانما نتفرق بينها لحين ايجاد حل ، حتى عثر ابو احلام على شاحنة حمل اغنام بطابقين ، و اتفقوا مع صاحبها رغم تردده على ان يوصلنا الى مكان غير بعيد لكنه امين ، كانت العقبة ان طريقنا لابد ان يمر بسيطرة تابعة للنظام لكنها غير اساسية ،وتجاوزناها بسلام ،حين وصلنا الى المكان المقصود ، بدئنا يتفقد احدنا الاخر ، علمنا حينها ان النصير سمكو والنصير عادل والنصير بيشرو و النصير سه ركوت قد استشهدوا ،حينها ارسلونا مع مجموعة من الانصار ليوصلونا بدورهم الىمفرزة اخرى وبعدها الى المقرات ، اثناء مسيرنا كان النصير رياض يحدو بنا بنشيد : سنمضي سنمضي الى ما نريد ..........................

*قوة هات :تعني جاء الجيش

*البشتين :قماش رقيق ،بعدد من الامتار يربط على البطن وهو ضمن الزي الرجالي الكردي

*البيشمركة :تعني امام الموت او الفدائي