محطات من أنفال به هدينان - المحطة الرابعة

بمناسبة حلول الذكرى الثالثة والثلاثون لجريمة العصر( المرحلة الأخيرة من الأنفال ) التي ارتكبها النظام الدكتاتوري البائد في به هدينان ومحاصرة قواته لعدد كبير من الأهالي والأنصار والبيشمه ركه في جبل كارة Gara) ) وأسرعدد من أنصارنا والعديد من عوائل رفاقنا أثر عفو عام أصدره النظام والتي لازالت مجهولة المصير وذلك في آب 1988، أعيد نشر الحلقات التي كتبتها أثناء محاكمة الدكتاتور صدام وأعضاء قيادة نظامه حول الوضع العسكري السائد أنذاك وتقدم الجيش العراقي والمرتزقة الجحوش إلى مناطق به هدينان في كوردستان والحصار والتصدي له من قبل الأنصار ورحلة عدد منهم إلى سوريا عبر سنجار وسط مخاطر كثيرة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد جولة أخيرة من إخفاء حاجاتنا الزائدة من أسلحة وذخيرة ومؤن وحاجيات شخصية ووسط  دوي المدافع والانفجارات القادمة من بعيد ومن مختلف الاتجاهات ، تأهبت مجموعتنا في موعدها المحدد وتحركت باتجاه مقر مرانى الذي يستغرق الوصول إليه أكثر من ليلة كاملة من السير المتواصل أضافة إلى عدة ساعات أخرى ، شعرنا ونحن نخوض مسرتنا عبر القرى التي تقع على الطريق بمرارة  شديدة كون جميعها أصبحت فارغة من سكانها إذ هجروها على غفلة ، وتركوها مع كل ما كانوا يملكون ما عدا أشياءهم وحاجياتهم الخفيفة القابلة على الحمل على ظهورهم أو ظهور حيواناتهم  ،  وهذا ما جعلني شخصيا للوصول إلى قناعة تامة بأن تجربة الكفاح المسلح التي كنا نخوضها مع قوى وأحزاب عديدة في جبال كوردستان قد تعرضت لخطر داهم ، ليس فقط بسبب القوات المتقدمة للأجهاض عليها ، انما بسبب التعامل مع الحدث من منطلقات معينة أستفرد بها حدك عندما قرر سحب قواته من خطوط المقاومة المفترضة وأعطاءه الضوء الأخضر إلى الأهالي للنزوح الجماعي صوب الحدود . لا أتذكر إننا التقينا بشرا في كل هذا المشوار الطويل أبدا إلا عندما وصلنا إلى مه رانى  ، لا من قوات حدك ولا من المقاومة  الشعبية ولا كذلك من الأهالي ، بالرغم من أن عدد القرى التي تقع على الطريق بين بير موس ومه رانى كبير جدا ، وكان ذلك في الواقع أمرا غريبا ومحزننا رغم معرفتنا به قبل هذا الوقت ولكننا كنا نتصور أن نجد بقايا القوات المعدة للمقاومة أو بعضا من أهالي القرى الخلفية وهذا لم يحصل أبدا ، فكما كانت (جه مانكى *Jamanke* وباله ته *Balata * وبازيركى*Bazerke  * ودزى*Dze* )* والقرى القريبة منها (قرى منطقة عملنا ) مهجورة وخالية من السكان كانت القرى الأخرى أيضا مهجورة وخالية ألا من الحيوانات الأليفة والتي تقع على طريقنا وحواليها باتجاه المقر مثل(بينارينكى*Benarinke* وكانياباسكا*Kanyabask* وكابنيركى*Gabnerke* وخوربينيا*Khorpinee* وباكباكى*Bakbake* وسوارى*Sware* وسبيندارى*Spindare* وميزى*Meze* وبانيا ته علا*Baniyataala* وجه مانى*Jamane* ) و(القرى البديلة) عنها التي جرى بناؤها للتمويه ولتجنب الهجمات الكيماوية أو القصف العادي الذي أصبح أمرا شبه يومي قبل هذا الوقت ، وكان عادة يجري بناء هذه القرى إلى حد ما تحت الأرض ، أي إن الجزء الغالب من حيطانها من الخارج كان مطمورا في عمق الأرض ، أو كان يجري دفنها بكميات كبيرة من التراب لكي تكون غير مكشوفة للطيران ومقاومة لشدة انفجار القذائف وشظاياها التي يمكن أن تستهدفها ، وكان يجري أيضا اختيار مناطق حسب اعتقاد الأهالي بأنها غير معروفة للسلطة لبناء هذه القرى ، فهي عادة كانت تقع في وديان تتواجد فيها مغارات وكهوف و تتميز بصعوبة الوصول إليها من قبل مشاة الجيش العراقي بسبب وعورتها ، وكان يجري الأخذ في الحسبان أن لا تكون أهدافا قابلة للإصابة بقذائف المدفعية والهاونات .

قبل حلول الظلام بوقت قصير وصلنا إلى قرية بينارينكى البديلة والتي تبعد عن القرية الأصلية مسافة عدة كيلومترات قليلة لا تتجاوز 3 أو 4 منها ، فكان علينا أن نأخذ قسطا من الراحة والانتظار لوقت محدد لتقريب المسافة بيننا وبين المجموعة الثانية التي تتبعنا وخصوصا أن الليل قادم والظلام بدأ يحل تدريجيا ، وكان علينا أن نواصل المسير ونكون على معرفة ببعضنا الآخر نحن المجموعتان ونعرف أين وصلت كل مجموعة ، لمواجهة الاحتمالات الطارئة لأن حدوثها أو وقوعها أصبح واردا بسبب بدء التقدم الفعلي في المناطق التي كنا ننسحب منها وعبر المنافذ الأخرى للوصول إلى قرى المنطقة القريبة والمحيطة بمقراتنا ثم إلى مقراتنا نفسها ، فكانت أصوات الإنفجارات المتتالية تشق السكون المخيم على هذه المنطقة في كل صوب واتجاه ، معلنة حربا شاملة وشرسة عليها .

شعرنا بأنه هناك حاجة لأن نستغل هذا الوقت أي فترة الاستراحة أنتظارا لوصول المجموعة الثانية لإعداد طعام ما لنا وللمجموعة الثانية ، نتناوله نحن تحسبا للاحتمالات القادمة من الجوع الذي سيداهمنا ونترك حصة المجموعة الثانية ونتركهم عندما يصلون حتى يتناولوا طعامهم الشهي على عجالة ومواصلة السير على أمل اللقاء قريبا من المقر أو داخل المقر الذي لم نكن نعرف عن الوضع هناك أي شيء ، لأنه منذ مغادرة بيرموس توقف أي تواصل بيننا وبين قيادة المحلية عبر الأجهزة اللاسلكية ، وهكذا تسلق أحدنا إلى الشجرة التي كان عليها عددا من الديوك الرومية والتي تركها أهل القرية مع كل أشياءهم وحاجياتهم الأخرى واخترنا واحدا منهم بعد أن نزل سربهم طائرا مفزوعا.

شمر الجميع عن سواعدهم لهذه المهمة هناك من قام بقطع رأس الديك بسكين حاد وهناك من بنى موقدا يناسب مهمة الطبخ وهناك من جمع الحطب من ما موجود في بيوت أهالي القرية وهناك من جلب الماء من عين قريبة وسخنه وهناك من قام بنتف ريش الديك ، فبسرعة شديدة أكتمل كل شئ حيث  كانت جميع مستلزمات الطبخ متوفرة في كل بيت تذهب إليه وتجده مفتوحا وأصبحت الطنجرة الكبيرة والتي أمتلئت إلى أخرها بالكثير من اللحم والرز وأشياء أخرى على موقد تشتعل فيه نيران تلتهم حطب البلوط و كانت ألسنتها تتطاير إلى كل جانب عبر الشقوق الموجودة في الموقد .

  انتظارا للانتهاء من طهي وجبة عشاءنا الدسمه هذه ، بحثنا عن شيء آخر ( اكلة خفيفة ) لتناوله ونتغلب على جوعنا الشديد أو ربما نستفيد منه لأيامنا القادمات ، عندها تذكرت أن العائلة التي كنت أزورها في هذه القرية في ظل الظروف الطبيعية لا تبقى بدون عسل جبلي قط ، إذ يجمعونه من خلايا النحل الجبلية المنتشرة في مناطق وعرة جدا ولما كانت كوردستان غنية بخضرة وديانها وجبالها فأن العسل الذي تنتجه هذه الخلايا عادة ما يكون من أفخر أنواعه ... فقلت لأحد الرفاق لابد أن يكون هناك في هذا البيت عسلا . فقال وكيف تعرف ذلك .؟ شرحت له علاقتي الطيبة بهذه العائلة وغيرها من العوائل التي لم تعز أي شئ إلا وقدمته للأنصار والبيشمه ركه طيلة السنوات التي كنا نعمل فيها ضمن منطقتهم ، وقبلنا مع الآخرين منذ سنوات طويلة ، ليس هذا فقط بل يرفدون الحركة المسلحة بدماء أبناءهم ، فأية عائلة من هذه العوائل ليس لديها شهيدا أو مقاتلا في صفوف البيشمه ركه في كل هذه المنطقة ، فكيف تريدني أن أنسى ما كانت تقدمه لي والدتهم ..!! وتقول لي كل يا بني فإن طريقا طويلة أمامكم وتحتاجون إلى الأكل ، فلازمنا صمت مطبق شابه الكثير من الحزن وعددا منا أو اغلبنا اذرف دموعا ونحن نتذكر هذه العوائل الفلاحية الطيبة التي كانت بمثابة أهالي حقيقية لنا نحن البيشمه ركه .. ولما انشغلت بتوزيع النار في الموقد تحت الطنجرة لكي ينضج الطعام الذي يحتويه بشكل متساوي أبلغني ذلك الرفيق الذي  لا أتذكر من من رفاقي كان بأنه لم يجد العسل الذي تحدثت عنه ، فأسرعت إلى حيث مكان المؤن المتروكة لهذه العائلة  بعد أن تركت متابعة الطبخ لرفيق آخر فعندما فتحت أول علبة نيدو للحليب سعة 5 لترات التي عادة ما كانت تستخدم هذه العلب لحفظ بعض المواد الغذائية فيها في مختلف مناطق كوردستان بسبب مقاومتها للرطوبة وعملية إحكامها بشكل جيد ، وجدتها مليئة إلى آخرها بالعسل الذي وصلت رائحته سريعا إلى مناخيري ، فقلت لرفيقي الذى جرى ورائي تفضل هذا هو العسل الذي كنت أقصده .. تناولنا من العلبة الكبيرة شيئا من عسلها الفاخر وملأنا منها علبة (كيكوز)* صغيرة لأخذها معنا لأننا سنحتاجها في مقاومة الجوع المنتظر وتركنا ما تبقى في مكانها الأصلي .

ترتفع أصوات المدافع والانفجارات من كل صوب وتقترب منا شيئا فشيئا أو نحن نقترب منها وخصوصا من تلك القوات الزاحفة نحو مقراتنا والتي تحاول تنظيف طريقها من المخاطر التي من المحتمل إنها تكمن لها ، والقرى التي تركناها وراءنا اصبحت تتعرض للقصف المدفعي والمناطق التي نتوجه إليها كان يشتد الخناق عليها ويطالها القصف والتفجير فصرنا نحسب إن كل دقيقة أو ساعة تأخير ليس لصالحنا ولهذا كنا ننتظر رفاقنا في المجموعة الثانية على أحر من الجمر، انتهت مجموعتنا من تناول عشاءها وإذا بالمجموعة الثانية تصل في الوقت المناسب فاستلمت حصتها من من الأكل ، واتفقنا مرة ثانية أن تبدأ مجموعتنا بمواصلة المسير وأن تبدا المجموعة حركتها دون الكثير من التأخير وبعد تناول العشاء  مباشرة نحو (كه لي مه رانى )  وهي المحطة التي ستحدد وجهتنا ما بعد الوصول واللقاء ببقية الرفاق وما ستؤول إليه الأحداث .

لم تكن بين هذه الوجبة الدسمه والتي أعدت بخبرة طهي ممتازة تعلمها غالبية الأنصار والتي تناولنا بشهية وبين حسرة الحصول على  كسرة خبز يابسة إلا أيام  قليلة ، هكذا عاش الآلاف من الناس المحصورين من أهالي هذه القرى والأنصار في قمم وشعاب جبل كارة بعد هذا الوقت بليلتين أو ثلاث فقط  إذ نفذ كل ما اصطحبوه معهم من مأكل بعد أيام قصيرة من الحصار .

اتفقنا أيضا على عدم التوقف إلا في مقر  مرانى أو بالقرب منه ما عدا عند الحالات الضرورية أو الطارئة التي ربما تواجهنا ، فاستمر المسير إلى الصباح وسط قلق بالغ في الساعات الأخيرة منه بسبب تزايد أصوات الإنفجارات واقترابها أواستهدافها رفاقنا في المجموعة الثانية ، ولكنها لما كانت تطلق من مدافع قصيرة المدى والظلام لم يكن قد انقشع تماما فإنها لم تصب أهدافها وهكذا تبين أن طليعة قوات الجيش والجحوش بدأت تصل إلى مسافات قريبة من مقراتنا في ( كه لي مه رانى ) حيث مقر لجنة محلية نينوى لحزبنا الشيوعي ومقر (سى ده را*Ses Dara  ) العائد للجنة محلية الشيخان للحزب الديمقراطي الكوردستاني عبر منافذ (سوارى وسبيندارى * Sware & Spindare ) وهما قريتان تابعتان إداريا لناحية سرسنك وتقعان إلى الغرب من مقراتنا وعبر منفذ  (كانيكا *Kanika) وهي قرية تابعة إلى ناحية أتروش وتقع إلى الجنوب من مقراتنا بعدة كيلو مترات  .

و لابد من الإشارة إلى أنه كان تقدم هذه القوات يتواصل عبر منافذ أخرى لتصفية القرى التابعة إلى ناحية زاويتة و سواره تووكه وبعض القرى الأخرى التابعة إلى ناحية أتروش من جهتها الغربية إضافة إلى التقدم الواسع والكبير لقوات الجحوش في منطقة نهلة عبر باكرمان ودينارته في الجهة الشمالية من قضاء عقرة والتي تقع في جبالها وشعابها ووديانها ومنبسطاتها العديد من القرى التي تتصل في نهايتها بمناطق تواجدنا .

أما من الجهة الشمالية فإن قوات النظام كانت تتقدم جنوبا نحونا منطقة سرسنك ومعسكرات بامرنى والعمادية وديرالوك ، كل هذه القوات التي كانت تتقدم إضافة إلى القرى التي أشرنا إليها كانت تستهدف منطقة ( به رى كاره * Bare Gara- حوض جبل كارة ) وقراها مع مقراتنا التي كانت تقع ضمن هذا الجبل بحوضه الذي يتوسطه وسفحه من جهته الجنوبية .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

- (جه مانكى وباله ته وبازيركى ودزى)*هذه القرى كانت تقع على الطريق التي توصلنا إلى منطقة به روارى زيرى (السفلى ) وكانت قريبة إلى مقرنا في بير موس.

- (بينارينكى وكاني باسكا وكابنيركى وخوربينيا وباك باكى وسوارى وسبيندارى وميزى وبانيا ته علا وجه مانى ) *مجموعة قرى تعود إلى منطقة به روارى زيرى (السفلى)  وأيضا تقع على الطريق إلى مه رانى .

- (القرى البديلة )*عاشت الغالبية العظمى من سكان قرى مناطق به هدينان في مثل هذه القرى ، ولكنها كانت أصغر من القرى الأصلية وأقل كثافة سكانية لأن كل مجموعة عوائل كانت تبني لها مساكن في واد ما بالقرب من مزارع وبساتين الفاكهة التابعة لهم ، وكانت تعاني من نقص شديد في مستلزمات الحياة الضرورية ، وأقيمت لتجنب عمليات القصف المستمرة ويمكننا القول بأنها كانت متحركة ، فعند تعرض أحداها للقصف ينتقل أهلها إلى واد آخر لبناء قرية أخرى وكانت تحمي هذه البيوتات صخور كبيرة يجري السكن تحتها أو مطمورة من أغلب جوانبها باكوام من التراب ، فعلى الإنسان أن يتصور كم كان حجم معانات الناس في ريف كوردستان أثناء حملة الأنفال القذرة هذه ...!! 

- ( به رى كاره (* حوض جبل كارة ، وكم عظيما كان هذا الجبل وأهله ، استطاع في أحلك الظروف حماية الأنصار والبيشمه ركه ، وقدم سكان قرى هذا الحوض للثوار ما عجز عنه الآخرون عندما كان نظام صدام في أوج قوته ، كانت ضمن هذا الحوض القرى التالية ( ئيكماله * Ekmala – زيوكا شيخا * zewka Shekha– شيرانه* Sherana – ردينيا* Redeniya- بهى* Behe  - كووزى* Guze - به لووتى* Balute – زيوه* Zewa– كارة* Gara – به ر كارة* Bar Gara) إضافة إلى قرى كانت تقع في وديان تشق هذا الحوض . وتشتهر هذه القرى بطيبة أهلها وكرمهم ومساندتهم للثوار . ولا ننسى أنها تنتج أفضل أنواع التبوغ وخصوصا قرية به لووتى .