النصير الشيوعي تلتقي الرفيق النصير حسين حجي كونجي (أبو عمشة)

في حديقة منزله الصيفي الزاهية بالورود والالوان، إلتقت (النصير الشيوعي) في كوبنهاكن مع المناضل الشجاع، والرجل القوي، الشيوعي المخضرم النصير حسين حجي كونجي (أبو عمشة).

والحديث مع الرفيق (أبو عمشة) ذو شجون، فمسيرته الطويلة الزاخرة بالأحداث المهمة والمترابطة ببعضها، بقدر ما تبعث على الفخر والاعتزاز، فانها تثير المواجع والآلام لما فيها من خسارات كبيرة لا تعوض ابدا. كما انّ مسار الرفيق كونجي وتاريخه السياسي والمقاوم، لا يمكن اختصاره في هذا اللقاء القصير والسريع، ولا يمكن قراءته إلا ضمن تاريخ الحزب الشيوعي الذي انتمى إليه وناضل في صفوفه من اجل تحقيق (وطن حر وشعب سعيد)، لذلك نأمل ان تكون هذه الدردشة مقدمة للقاءات اخرى قادمة.

النصير (أبو عمشة) من مواليد 1945 في (ناحية الزيتون). هكذا كانوا يطلقون على تلك المنطقة الريفية التابعة الى مدينة (بحزاني) والممتدة بإتجاه مدينة (بعشيقة)، حيث تنتشر بالأضافة الى المحاصيل الزراعية الاخرى، زراعة أشجار الزيتون في أراضي مملوكة للأغوات والاقطاعيين الذين يستغلون الفلاحين الفقراء أبشع إستغلال، وبين حقولها وينابيعها وناسها البسطاء، كان ظهور الرفيق حسين كونجي الاول، وفي مدرستها الابتدائية تعلم القراءة والكتابة.

_ كانت بحزاني وبعشيقة ومنطقتنا عموما، عبارة عن عراق مصغر، تعيش على أرضه جميع القوميات والمذاهب والاديان، من دون ان نسمع بتفرقة أو تمييز بين السكان الذين رغم الفقر وشحة الغذاء يرتبطون بعلاقات محبة وتعاون كما لو أنهم عائلة واحدة. كما انّ المنطقة لم تكن بعيدة عن انتشار الفكر الاشتراكي والمفاهيم اليسارية، وكان الشيوعيون ينتشرون في كل مكان، خاصة بعد ثورة 14 تموز، وانطلاقا من واقع التأييد الجماهيري المتزايد للحزب، واتساع تنظيماته، أطلقوا على مدينة بحزاني أسم (موسكو الصغرى)، وكان بيتنا مفتوحا للاجتماعات الحزبية والمنقاشات المختلفة والمتناقضة حول الثورة وعبد الكريم قاسم ونهجه السياسي، وكان شقيقي الأكبر جمعة كونجي (أبو صباح) على رأس ادارة هذه الحوارات. 

_ في عام 1959 نشط القوميون والبعثيون وخاصة قبل وبعد مؤامرة الشواف التي كانت تهدف الى إجهاض المشروع الوطني لثورة تموز بمباركة ودعم عربي ودولي، نشط هؤلاء في الأعتداء على الشيوعيين والتخطيط لأغتيال البعض منهم، وكنت آنذاك رغم صغر سني احذر اخواني واصدقاءهم من المداهمات المحتملة، وأنبه بالاحداث وانقل الاخبار التي اسمع بها من اهالي المنطقة من اجل تجنب الوقوع في كمائنهم، لكنّ الأمور كانت غامضة وملتبسة الى حد ما، بحيث تعرض أخي (ابو صباح) ومجموعة من رفاقه الى الأعتقال في زمن الثورة، وذلك على اثر  وشاية وافتراء من احد المختارين، وقد أُطلق سراحهم قبل انقلاب شباط الاسود 1963.

_ في المرحلة المتوسطة، كنت ناشطا في اتحاد الطلبة العام، وبسبب نشاطي الملحوظ، وخلافا لقواعد النظام الداخلي، حصلت في سنة 1961على بطاقة العضوية في الحزب الشيوعي العراقي حيث كان عمري في ذلك الوقت ستة عشرة سنة فقط، مما زاد من حماسي واندفاعي في العمل الحزبي. 

كانت الامور تسير بشكل جيد في المنطقة، كما انّ المدينة وبعد تراجع الزراعة في ريفها، شهدت تقدما في بعض الصناعات كالحياكة والصابون وصناعة العرق (الكحول) وغير ذلك، وكنت اعمل لأكسب بعض النقود القليلة لمساعدة اهلي.

_ امّا اثناء وبعد الأنقلاب الدموي في 8 شباط 1963 الذي جاء بزمرة فاشية استباحت الدم العراقي وقامت بمذابح وحشية في جميع انحاء البلاد، فقد تغيرت الظروف جذريا وانقلب الحال رأسا على عقب، ولم يسلم أحد من همجية الحرس القومي، حتى اني اتذكر عندما داهموا المنطقة ومن ضمنها بيتنا للقبض على شقيقي جمعة كونجي (أبو صباح)، وضع احدهم فوهة البندقية في رأسي على الرغم من معرفته بأني ليس المطلوب.

في البداية كانت المعنويات عالية، واصوات المقاومة تتصاعد، حتى انّ الرفيق الشهيد (أبو فارس) وهو أحد الكوادر الحزبية، كان يقول بأنّ المعسكرات في الموصل كلها مقفلة للحزب، وعلينا ان نقودها للهجوم المعاكس، لكن للأسف كان الأنقلابيون أسرع بكثير من الشهيد (أبو فارس)، ففرضوا سيطرتهم على كل شيء ولم يعد امامنا إلا البحث عن اماكن للحماية، فتوجهنا الى الجبال التي تحيط بمناطقنا مثل بيرموس والدير والقيسرية وغير ذلك من التلال والكهوف والوديان.

_ بدأت اعداد الشيوعيين في الجبال تتزايد يوم بعد يوم، فتشكلت هيئة لأدارة العمل بقيادة الرفيق توما توماس (أبو جوزيف) وعضوية جمعة كونجي وأبو سمير وأبو باز الذي إلتحق فيها فيما بعد. كانت مشكلة عدم توفر السلاح احدى المشاكل التي واجهتنا آنذاك بالرغم من أنّ الصعود الى الجبل كان قرارا شخصيا ورد فعل لتجنب الوقوع في قبضة الأنقلابيين، ولم تكن لدينا اية خطط للمقاومة. كما انّ ظروف الأختفاء في الجبال في فترة الستينات، اسهل بكثير من فترة الحكم النظام الصدامي الذي توفرت له جميع الامكانيات للوصول الى ابعد نقطة على الحدود. أمّا المشكلة الاخرى التي كنّا نعاني منها، فهي الحصول على التموين الذي يسد حاجة المئات من الرفاق، فكنّا نذهب وأنا من ضمن الشباب النشط في حينها الى المناطق والقرى البعيدة لنجمع ما نستطيع من الأكل والشاي وغيره. 

 بعد فترة من الزمن، بدأت الامور تتجه نحو الهدوء، فصار بمقدور الرفاق العودة الى بيوتهم وقراهم مع تشديد المراقبة والحذر، وهكذا استمر حالنا حتى نهاية العام 1966 حيث عدت الى الموصل لأتابع عملي الحزبي هناك، ومن الموصل خرجت على الى الاتحاد السوفيتي للعلاج، وعندما عدت في عام 1970 الى دمشق قادما من موسكو، طلب مني الرفاق التريث قليلا خوفا على حياتي حيث الظروف محتقنة في كردستان.

 عندما عدت من دمشق الى العراق، التحقت فورا بمنظمتي الحزبية في الموصل، وفي هذه الفترة كانت الملاحقات والاعتقالات ضد الشيوعيين بقيادة المجرم ناظم كزار على أشدها، ولكن عمل الشيوعيين بين الجماهير لم يتوقف ولم يتراجع امام آلة القمع البعثية.

_ تبدلت الحياة السياسية بعد اعلان الجبهة الوطنية، وأصبحت منظمة الموصل التي كنت عضوا في مكتب محليتها، من المنظمات الكبيرة والنشيطة مثلها مثل منظمات الحزب الاخرى في بقية المحافظات، لكن بعد انهيار التحالف في نهاية السبعينات، وتعرض الحزب الى هجوم شرس من قبل اجهزة السلطة القمعية، اضطررنا مرة اخرى ان نعود الى الجبال، حيث بدأت مرحلة نضالية جديدة ومختلفة بعض الشيء.

النصير الشيوعي: نأمل ان نواصل الحديث مع الرفيق النصير حسين حجي كونجي (أبو عمشة) في مرات قادمة، لكنّنا هنا لابدّ ان نذكّر، وخاصة أنّ ذكرى الأنفال مرت قبل ايام، بأنّ الرفيق (أبو عمشة) فقد في حملة الابادة هذه، زوجته وابناءه الستة، بالاضافة الى شقيقته وابناء اخوته وزوجة أحد اشقائه، وبلغ عدد شهداء عائلته 13 شهيدا لهم المجد والخلود، نتمنى كما هو، أن تُدرج اسماءهم واسماء جميع شهداء عوائل أنصارنا في الجزء الرابع من كتاب شهداء الحزب.