مازلنا انصارا، ومازالت اصواتنا مدوية!

في حياة الانصار، ومن اول يوم تباشر فيها، ستجد نفسك تتخلى عن الكثير من مستلزمات الحياة البسيطة وتفقد شروط الحياة المدنية، و تتجلى لديك بعض الصفات وانت لم تتوقعها موجودة لديك، فكم من المواقف تتطلب الصبر الغير محدود، وكم من المواقف تكون فيها مستعدا للتضحية، هكذا هو النصير، حيث يسخر حياته بقضها وقضيضها الى صالح قضيته العادلة.

وتدخل الى حياته مفردات لغوية جديدة لم يعرفها سابقا، مثل (مفرزة، خدمة رفاقية، حراسة، شهيد...... وغير ذلك الكثير من المصطلحات التي يفرضها الواقع الجبلي)، كما تأخذ حياة النصير المشتركة مع رفاقه، حيزا كبيرا من اهتمامه وتفكيره، فعليه ان يتخلى عن الكثير من صفاته الذاتية والخاصة، من اجل ان يلتحم بحياة جماعية ذات هدف مشترك.

ذكر الرمز الانصاري جيڤارا في كتاب سيرته، ان النصير انسان، له قابلية فريدة على التحمل والعيش بلا مغريات. وانا التقي برفاقي الانصار بين الحين والاخر، وبعد ان مرت سنوات طويلة على التجربة، وبرزت اخاديد العمر وبياض الشعر، اجدهم مازالوا انصارا، ومازالت اصواتهم مدوية، وجذوة التضحية ونكران الذات متوقدة في نفوسهم، فقد تركت تلك التجربة النضالية آثارها الواضحة بسلوكهم وتفكيرهم، فعلى الرغم من مواكبتهم لحياتهم الخاصة، حيث الغالبية منهم تكونت لهم عوائل وابناء واحفاد، وعلى الرغم من الفترة الزمنية الطويلة التي يعيشون فيها في ظروف اخرى، الاّ انّ التجربة الانصارية مازالت حاضرة بيننا، وذكراها ناصعة في جميع مناسباتنا وتجمعاتنا.

عندما يحتدم النقاش بين الانصار حول صورة قديمة او موقف معين، تجدهم يعودون بالذاكرة الى ادق التفاصيل، ويظهر شريط الذكريات وكأنه فلم سينمائي سجله مخرج بارع اجاد فيه تصوير تفاصيل الحياة ومشاعر البشر في ظروف صعبة وقاسية.

امّا اليوم، فقد طرأ تغيير مفاهيمي كبير حول مفهوم العمل السياسي ومنه الانصاري، وتصدر المشهد في العراق كله مفهوم العمل السياسي السلمي والاحتجاج المدني، وهنا توقدت تلك الجمرة المطمورة بالرماد ((النصير الشيوعي)) ليكون الطرف الابرز من جيل مناضلي ذلك الزمن، الذي يتصدر المشهد الاحتجاجي الرافض لكل انواع الغبن وسرقة الوطن من ابنائه، فهؤلاء اللصوص الحاكمين لم يدخروا جهدا من اجل سوق البلاد الى محرقة تلو المحرقة. 

هنا نجد النصير الشيوعي امام مهمات اكبر وهو أهل لها، و تحول مفهوم الوفاء للشهداء الى فعل سياسي لاستنهاض كل الجهود من اجل بناء وطن يوحد ابنائه.