الكاميرا وأهميتها في التوثيق

تمر السنين وتبقى الصورة ثابتة. في لحظة إلتقاطها تشي بكل مكوناتها التاريخية والجمالية بغض النظر عن جودتها  وظروف إلتقاطها. وكلما تقدم بها الزمن، تزداد أهميتها التاريخية، وهكذا هي الصور التي أُخذت في فترة الكفاح المسلح في كردستان العراق ومقارعة أعتى وأبشع دكتاتورية في التاريخ المعاصر، رغم قلتها بالقياس الى الكم الهائل الذي أُتلف أو ضاع أو دفن في وديان كردستان بسبب المعارك والانسحابات الاضطرارية وخصوصا الأرشيف الذي أُتلف بعد الانسحاب من بيروت عام 1982 وكذلك في موقع بشتاشان  وأخيرا بعد االاضطرار للخروج من كردستان بفعل عمليات الأنفال سيئة الصيت .

وحين ننظر الآن الى تلك الصور، نراها تنبض بروح الشباب والتحدي والابتسامة التي تعكس العلاقات الطيبة بين الأنصار انفسهم والألفة الرفاقية الطيبة التي تجمعهم. ومن خلال هذه الصور نشاهد البساطة في طبيعة الحياة اليومية التي عاشها الأنصار في المقرات المختلفة وفي قاعات بنوها بأيديهم وبما أجادت به ارض كردستان من حجر وطين وخشب لتكون ملاذهم في أيام البرد والثلج. والشيء المهم ما سجلته الكاميرة في كردستان هو مشاركة المرأة بشكل فعال في حركة الكفاح المسلح وتحملها كل صعاب الحياة الشاقة وحملها السلاح بكل شرف ومشاركتها رفيقها النصير بمختلف صنوف الأعمال اليومية التي تتطلبها حياة الأنصار من الطبخ والحراسات الى الطبابة والأعلام  والعمل في إذاعة الأنصار والمشاركة في كثير من المعارك .

وتأخذ الصورة أهميتها التاريخية من انها عكست الجوانب المختلفة من حياة الأنصار اليومية، من الملبس البسيط الذي لا يملكون بديلا له، الى المهمات الأخرى في الطبخ والخبز والتنقل والطبابة والاعلام والحفلات داخل وخارج القاعات في المناسبات المختلفة. وكذلك سجلت الصورة العديد من الفعاليات السياسية والعسكرية والاجتماعية والثقافية من محاضرات وندوات شعرية وأدبية وعروض مسرحية في القاعات او الهواء الطلق .

وسجل المصورون حياة الأنصار في المفارز في مختلف الظروف الجوية، حيث السير وسط العواصف والثلوج المتراكمة وعبور الأنهار ومواجهة التيارات الجارفة في فصل الصيف. وكذلك سجل المصورون طرق استراحة المفارز وأمكنتها في الوديان أو فوق قمم الجبال.

وهنا يحضرني سؤال: هل أعطت قيادة الحزب والأنصار أهمية للمصورين والاستفادة منهم من الناحية اللوجستية والاستطلاع والتوثيق؟، الجواب بكل بساطة كلا، وانما وقفوا في بعض الأحيان موقفا سلبيا من عملية التصوير بحجة ضرورات العمل السري والخوف من ان تقع بيد العدو وتشكل وثيقة ادانة ضد عوائل الأنصار في الداخل. وانعكس عدم الاهتمام بالصورة كذلك، حين ارسلوا كاميرة فديو في السنوات الاخيرة من حياة الأنصار بدون بطارية وبفلم واحد. وفي أحد المرات سلمنا قيادة قاطع بهدينان عدة أفلام 8 ملم سينمائية، وُجدت اثنان منها تحت وسادة الفقيد أبو علي عضو قبادة القاطع بعد أكثر من سنة من تسليمها .

الشيء الذي أولاه الحزب أهمية مميزة هو تأسيس ستديو تصوير من اجل عمل هويات مزورة لنزول الرفاق الى داخل المدن العراقية، وكانت واحدة في بشتاشان وأخرى في قاطع بهدينان، ولكن العمل فيها كان يخضع  لضوابط سرية وكثير من الممنوعات .

وهنا استذكر بكل امتنان الجهد الذي  بذله الرفاق المصورون وأخص منهم الفقيد أبو شوان قادر رشيد الذي يعتبر اول مصور حمل الكاميرا الى جانب السلاح، وكذلك أبو الصوف الفنان المتعدد المواهب، بالإضافة للعزيز المؤرخ والمصور كاردو كامو، والفان السينمائي أبو ليث علي رفيق، والرفيق خه بات، وعشرات الرفاق في شتى القواطع والمفارز الذين ساهموا في تأريخ الأنصار المصور. وشكر خاص لذلك الرفيق الذي قدم من الاتحاد السوفيتي واهدانا كاميرا زنيت ومجموعة من الأفلام التي كانت لنا عونا مهما في إلتقاط الكثير من الصور الحالية والتي رافقتني في كل  تنقلاتي من بهدينان الى ناوزنك وبشتاشان ولولان وخواكرك.

وهنا اشيد بالدور الكبير الذي لعبه الرفيق أبو سعد اعلام في أرشفة الصور الحالية وجمعها في سيديات، حيث طلب من الرفاق في شتى الدول استنساخ صورهم واعادتها، بالاضافة الى الصور المتوفرة لديه.

بعد هذا الاستعراض، أطالب وادعو جميع الرفاق ورابطة الأنصار الشيوعين وبالتعاون مع الروابط والجمعيات  والوزارات الثقافية والانصارية والبيشمركه والجهات المسؤولة الأخرى على إيجاد مركز (متحف مصغر) تُجمع فيه هذه الصور الفوتغرافية وبعض أدوات البيشمركة لتكون شاهدا على تجربة نضالية مشرفة تفتخر بها أجيال العراق القادمة.