للنصيرات دورهن المتميز في الأحداث.. يوم القيامة

)ﮔﻠﻲ زيوة) وادٍ محاط بجبال شاهقة، تنبع منها عيون ماء عذبة كثيرة، وكنّا نستخدم أنابيب البلاستيك (الصوندات) لكي نسحب الماء الى المقر. تنتشر في الوادي الكثير من الأشجار وخاصة أشجار البلوط والرمان، كما يتميز الوادي بكثرة صخوره ومغاراته وبنهر الزاب الذي يخترقه، ونتيجة لهذه المواصفات تم اختياره مقرا لقاطع بهدينان. كما يتواجد هناك بعض من مقرات الأحزاب الأخرى، مثل مقر الفرع الأول للحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك) الذي يقع على نهر الزاب مباشرة، والحزب الأشتراكي الكردستاني والحركة الديمقراطية الأشورية اللذان يقعان بجوار مقراتنا.

بتاريخ 2 حزيران 1987 وصلت الى مقر قاطع بهدينان قادمة من المواقع الأخرى العديد من المفارز الأنصارية التي رافقت القادة العسكريين والحزبيين المدعوين لحضور الكونفرنس العسكري المزمع عقده في (زيوه). وفي مساء يوم 4 حزيران حامت طائرتان استطلاعيتان فوق المقر، لكننا لم نعر لهما أدنى اهتمام لأنّنا تعودنا على مشاهدة الطائرات بين فترة وأخرى.

في الساعة السابعة من مساء الخامس من حزيران من عام 1987، وبينما الشمس بدأت تميل إلى الغروب، وكان الهواء ساكناً في (كّلي زيوه)، وكنت في ذلك الحين في واجب (الخدمة الرفاقية)، ومعظم الأنصار أمّا يلعبون كرة القدم أو يتفرجون عليها، وأصوات التشجيع تعلو عند كل هدف والجميع كان في حالة فرح بهذا اللقاء الذي لا يتكرر، واذا بالطائرات المقاتلة تبدأ بقصف مقراتنا بالقنابل المعبئة بغاز الخردل وغازات سامة أخرى. في البداية لم نعرف بأن القصف كان بالأسلحة الكيمياوية، فحصلت اجتهادات، منهم من يؤكد ومنهم من ينفي، وحتى القيادة لا تعرف وكانت مترددة في حسم النقاش. بعد القصف جاء الى المقر طبيب من الاتحاد الوطني الكردستاني (أوك) ومعه مجموعة من البيشمه رﮔﻪ لتقديم المساعدة، وحال وصوله أكد أنّ الغاز هو غاز الخردل حيث السلطة سبق وان ضربتهم بهذا السلاح في منطقة باليسان ونصحنا بالصعود الى المرتفعات واشعال النيران.

كانت تنبعث من مواقع سقوط القذائف رائحة كريهة تشبه رائحة الثوم المتعفن، علّلها البعض لسقوط القذائف بالمزبلة!. آمر سرية المقر يقول ليس كيمياويا ويجب أن لا نخلق حالة من الذعر بين الأنصار. الاستعدادات والخبرة ليست كافية لحسم الموقف، بعض الأنصار توجهوا الى الملاجئ القريبة منهم. النصيرة أم علي والنصيرة إقبال دخلتا إلى الملجأ القريب من فصيل الحماية، وكانت أم علي تحتضن طفلها (سمسم) وقلقة على ابنها الثاني (مشمش) الذي كان يلعب مع الطفلة (نداوي) قبل قليل. صاحت أم علي مذعورة: اين سمر؟،فأجابتها إقبال بصوت لاهث: انها في الحمام.. لقد سقطت القنابل بالقرب من الحمام، لكنه لم يتضرر أو يتهدم!.

بعد ذلك، سمعنا صوت ينادي على الدكتورة أم هندرين: " لدينا جريحين!" هما خابور وعباس ر ه ش. شعر الجميع بالخوف، فهذه هي المرة الأولى التي نتعرض فيها للقصف من قبل الطيران بهذا العنف والكثافة وبالسلاح الكيمياوي الذي لا نعرف نتائجه.

راحت تحتدم النقاشات، والآراء تتضارب: هل استخدم العدو السلاح الكيمياوي أم لا!؟. فريق يدعم هذا الرأي وآخر ينفيه. بعد مرور أقل من نصف ساعة شاهدنا الرفيق أبو رزﮔﺎر وهو يحمل رفيقه أبو فؤاد إلى مكان الطبابة. تجمعنا أمام الطبابة، وكانت النصيرة أم هندرين تحاول اسعاف خابور وعباس ر ه ش وأبو فؤاد إضافة الى وجود النصير أبو حيدر (حمزة عبد) الذي كان يتعالج من جرح اطلاقة أصابت ساقه في إحدى العمليات العسكرية. الأحداث تسير بسرعة، الرفيق أبو رزﮔﺎر بدأ يتقيأ بشدة، وصار يشكو من ألم في رأسه ومغص في معدته نتيجة استنشاقه كمية كبيرة من الغاز حينما قام بنقل رفيقه أبو فؤاد إلى المستشفى.

كانت هناك رفيقة ايرانية من حزب تودة اسمها (كانياو) بذلت جهدا كبيرا في مساعدة الجرحى وقامت بحلاقة شعر الرفيق أبو فؤاد حتى يتسنى للدكتورة أم هندرين معالجة الجرح في رأسه. تحول لون وجه أبو فؤاد ورقبته ويديه الى لون أزرق داكن وهو لا يستطيع التحدث ويتنفس بصعوبة ويسعل بين لحظة وأخرى وكأنه يحاول التخلص من الدخان الذي اقتحم رئتيه. كان ممداً وبجانبه الدكتورة أم هندرين وهي لا تدري كيف تنقذه.

ذهبنا الى النوم من دون أن يُحسم الموقف (كمياوي أو لا)، وكان المقر ملوثا بالغازات. في الساعة العاشرة ليلا، استيقظت على صوت أبو نصار وهو يشكو من ألم في عينيه، فقلت له ربما بسبب الدخان والنار لأنني كنت خدمة رفاقية وهو كان يساعدني. بعدها سمعنا صوت الرفيق أبو وسن وهو يصرخ من الألم، فتوجهت حيث مكان الصوت واذا بي أرى الرفاق بحالة مزرية، بعضهم يتقيأ وآخر يتلوى من الألم وقد أصاب الجميع الغثيان والإعياء.

في الساعة الثانية ليلاً، وبعد أن تأكد بأنّ الغارة كانت بالسلاح الكيمياوي،  جاء من يطلب منا الصعود إلى فصيل الإسناد، فذهبنا الى هناك وتحلقنا حول النيران طلبا للمساعدة في طرد الغازات. في هذه الأثناء ظهرت على بعض الأنصار أعراض مثل فقدان البصر وحكة في العيون وصعوبة في التنفس واختفاء الصوت والغثيان والحروق وغيرها.

 بعد بضع ساعات من المعاناة، أعلنت الرفيقة أم هندرين في صباح يوم 6 حزيران عن توقف قلب الشهيد أبو فؤاد (جوقي سعدون حكيم)، فخيم الحزن وبكى الرفاق على رفيقهم الذي كان عائدا لتوه من العلاج حيث سممته السلطة بمادة الثاليوم.

 في اليوم الثاني ظهرا، صدرت الأوامر باخلاء المقر والانتقال الى موقع الدوشكا، وهو فصيل للدفاعات الجوية ويبعد حوالي نصف ساعة صعودا، وهناك انتشر 149 نصيرة ونصير تعرضوا للاصابة وظهرت على بعضهم اعراض جديدة مثل: نوبات قوية من السعال، حرقة حادة في الحنجرة والبلعوم، جفاف في المنخرين، فقاعات في الأبطين والجفنين وما بين الفخذين.

أبرقا أبو نسرين لاسلكي والنصيرة سمر إلى القواطع الأخرى لتبليغهم بأن مقر القاطع في (زيوه) تعرض لضربة كيماوية، فجاءت المساعدات بسرعة، حيث وصل الدكتور باسل من الفوج الأول والدكتور أبو تضامن من الفوج الثالث بالإضافة إلى وجود طبيبتنا النصيرة أم هندرين.

 وتدور الساعات ثقيلة، يأتي الليل ويعقبه النهار، والمعاناة تكبر والآلام تشتد، والانحدار دائما نحو الأسوأ على جميع الأصعدة. الكل فاقد للبصر والجميع يحتاج إلى مساعدة، فكان للنصيرات غير المصابات دورهن المتميز والكبير حيث عملن باخلاص ونكران ذات وقمن بتقديم المساعدة  التي يحتاجها المصابون، واذكر منهن: إقبال، أم علي، سمر، شهلة، أم طريق، سعاد، جنان، هدى، أم هندرين، أم نصار، منى رغم إصابة طفلها سيفان الذي كان عمره بضعة أشهر. النصيرات أخذن على عاتقهن مهمة الطبخ وتقديم الأكل للمصابين وغسل الملابس الملوثة وغسل العيون بالشاي وتنظيفها وإيصال الرفاق إلى الحمام. كما كان لرفاق حضيرة الدوشكا دورا بارزا في تقديم المساعدة، ومنهم: أبو لينا (دوشكا) ابو لينا ابو عيون الزرق، كاروان، زكي، د. أبو الياس، أبو نرجس، حازم القوش، وسام سيكيري، أبو شوكت... .

من الاصابات الخطرة جدا هي اصابة الرفيق أبو رزﮔﺎر، والإصابات الأقل خطورة منها كانت اصابة أبو الطيب وأبو ماهر. بعد فترة تدهورت حالة الشهيد أبو رزﮔﺎر الذي يعاني من صعوبة في التنفس، ففارق الحياة في 12/6 اي بعد اسبوع من الهجوم، فكانت خسائرنا بهذه الضربة شهيدين و 149 بين مصاب وجريح.

بعد أن مضت خمسة أيام على الحدث، استعاد بعض الرفاق المكفوفين بصرهم جزئياً، وأصبح أبو نصار يرى قليلا على الرغم من مشكلة مواجهة أشعة الشمس أو التقرب من النار. عاد الأمل بعض الشيء حينما انفتحت العيون، لكن الأجواء ظلت مشحونة باليأس الذي حاول بعض الرفاق التخفيف منه بدعابتهم المعروفة مثل الرفيق سامي دريجة الذي علق مازحا (أحد منكم سمع بحركة كفاح مسلح من عميان!)، النصير أبو فائز علق: (والله هذا الخردل خردلنه!)...الخ، بينما اذاعة بغداد تصدح ((يم عيون حراﮔﻪ كَولي شوكت نتلاكَة، فدوة رحت لعيونچ خايف لا يحسدونچ، العيون.. حلوات العيون.. وأهل الهوى ما يدرون)).

عن النصير الشيوعي