الشهيد دلبرين نزاهة وشجاعة

في بداية الثمانينات حين كانت مفرزتنا السرية الأولى من قوات الحزب الشيوعي العراقي، متواجدة في منطقة الدوسكي شمال دهوك، إلتحق بنا شابان كرديان من مدينة سمّيل، احدهما أُرسِل إلى مقر القاطع وبقي الآخر معنا واسمه (دلبرين)، كان في بداية العشرينات من عمره، جميل المظهر قصير القامة قوي البنية ظريف مبتسم بسيط طيب القلب.

في مفارزنا القتالية كان لدينا تقليد أن تنقسم إلى مجاميع صغيرة (4-7) رفاق/ـة، وذلك أثناء الأستراحة اليومية على سفوح الجبال والوديان، أختار دلبرين أن يكون مع مجموعتنا، تعاملنا معه بأحترام ومودة وترحيب.

وكان في مجموعتنا رفيقتان مع زوجيهما ورفيقة أخرى، العلاقات بين الرفاق عموماً في أيام الزمن الجميل، اتسمت بالمحبة والأحترام والتعاون والتضحية ونكران الذات، هذا بالاضافة إلى المرح وخلق النكات رغم المخاطر وقساوة الحياة اليومية من برد وحر وجوع، الجميع يتعاون تلقائياً في تهيأة الحطب وأشعال النار وعمل الشاي، والتمتع بالأكل الجماعي بما تجود به عوائل الفلاحين الطيبة رغم بساطته وشحّتهِ.

مرت شهرين أو ثلاث ودلبرين يعايشنا ويراقبنا وأنسجم معنا، وفي صباحية يوم جميل مشمس، فاجئنا بقوله وهو مرتبكاً والخجل بادياً على محياه :

 -" رفاق آنه أريد أصارحكم بموضوع بس خجلان أحچي ! "

- فردينا عليه بتشجيعه : " دلبرين أنته رفيقنا وصديقنا وأصبحت واحداً من عندنا، گول شكو بگلبك وبلا حرج !"

 - فقال : " أنتم تعرفون أني كنت سائق لوري (شاحنة) وما عندي مشكلة للعيش، وإلتحقت بكم مو لأني مهتم بالسياسة، ولكن ! " ثم صمت وتردد ، -" اكمل رفيق شنو الموضوع ! "

-" اجهزة النظام وعناصره من البعثيين يروجون بين الناس، أنكم ساقطين وجلبتم نساء لتمارسو الجنس الجماعي، وانا أنخدعت وصدقت هذه التهمة، وأنا التحقت لهذا الغرض ؟! "

- ضحكنا جميعاً وسألناه : " وأنته شنو شفت ؟! "

- " والله رفاق أنتو ناس عدكم أخلاق ومثقفين وما عدكم مثل هاي السوالف والبعثيين يطلعون تهم حقيرة ؟! "

ازدادت الثقة به واصبح مقاتلاً شجاعاً ورفيقاً يكلف بأي مهمة مثل الآخرين.

بتاريخ 22-03-1982 نفذت سريتنا الأولى عملية عسكرية، بنصب كمين على الشارع الرئیسي الرابط بين ناحية كاني ماسي وناحية بيگوفه مقابل قرية تشيش، لذلك شكلت ثلاث مجموعات، الاولى الرئيسية التي تقترب من الشارع وتكمن لضرب أي رتل عسكري يمر، والثانية أسناد على يمين الأولى وإلى الخلف ترابط على تلة، والثالثة مجموعة أسناد على اليسار والخلف على تلة تبعد حوالي 800 متر، وكلفت أنا ( أبو أنتصار) بتنفيذ المهمة بمساعدة الرفيق دلبرين، ولهذه المهمة أعطوني سلاح قناص الدروع، بندقية نصف آلية صناعة سوفييتية تشبه بندقية السيمينوف، طويلة حوالي متر وسبعين سنتيمتر ثقيلة الوزن، أطلق عليها الأنصار (دريجه) اي الطويلة، مخزنها يأخذ خمسة طلقات عيار 14,5 ملم،

تموضعنا أنا ودلبرين على التلة ولم يكن فيها أشجار أو احجار كبيرة تموّهنا، فكنـّا مكشوفين للربايا ولكنها بعيدة نسبياً، مرت شاحنتان عسكريتان فبدأت المجموعة الأولى باطلاق الرصاص، ولكن الشاحنتان استمرتا بالسير السريع، وبدأت المجموعة الأولى بالأنسحاب، قررت أن أرميهما بالقناصة فوجهت أول أطلاقة، كان عليّ أن أسحب الظرف الفارغ بواسطة الحربة، الظرف انحشر في بيت النار بسبب استهلاك البندقية، في هذه الأثناء وصلت سيارتي قيادة ونزل منها ثلاثة صعدوا على تلة قرب الشارع، أطلقت عليهم رصاصة، ثم سمعنا صوت قذيفة هاون 82 مرّت فوقنا وسقطت على مسافة قريبة خلفنا، ولمعرفتي بمهارة رُماة المدفعية، توقعت أن تصيبنا القذيفة الثانية مباشرة، فأعطيت الأمر بالأنسحاب السريع ولا مبرر لبقائنا، فالمجموعتين الأخريين إنسحبتا، حملت البندقية على كتفي وركضنا، أبتعدنا حوالي 10 أمتار، سقطت القذيفة الثانية في موقعنا تماماً ولو بقينا لثوانٍ لما بقينا أحياء ! نزلت على يمين قمة التلة ونزل دلبرين على اليسار، وجاءت القذيفة الثالثة بيننا فأنهال التراب علينا وأصابنا الصمم المؤقت من شدة الأنفجار، توقعت أن الرفيق دلبرين قد اصيب، فناديته بصوت عالي عدة مرات، ثم ظهر بعد دقائق وقال انه ايضاً كان ينادي فلم نسمع بعض ! أنسحبنا وإلتحقنا بالمفرزة بامان، ابدى دلبرين رباطة جأش وشجاعة عالية.

بعد سنوات أستشهد الرفيق دلبرين مع مجموعة الطريق، في كمين للجيش على نهر دجلة وأبتلعت المياه جسده الطاهر، سيبقى الشهيد دلبرين خالداً في القلب، والمجد لجميع الشهداء الأنصار.

10-06-2022