أسلحة الدمار الشامل/ زيوه/ قاطع بهدينان

في الثانية والنصف بعد منتصف الليل، جائنا صوت الراحل عايد وهو يطرق باب غرفتنا بشدة: (رفاق كومو). لا اظن ان الذاكرة ستبرأ يوما ما من تذكر تلك اللحظات الثقيلة، الموجعة والحزينة إلى أبعد الحدود. ألم يكن ذلك المساء مساء عاديا كغيره من المساءات التي عشناها في ذلك القاع المحاط بنصف دائرة من القمم الجبلية المسننة !؟. لم يكن هدير الطائرات التي لاحت اشباحها في السماء الصيفية الفضية الصافية يشبه سابقاته. هذا ما أتذكره تماما. كان هديرا خفيضا ومواربا إلى حد بعيد. وكلما تذكرته طن في أذني أنين سحيق لخوار عجل تحز رقبته سكين جزار. استدارت الطائرات مثل نسور ستنقض على فرائسها بعد قليل. غير انّ عليها أن تبث الرعب المزمجر الصاخب في قلوب طرائدها أولا، لكي تستسلم هذه من شدة الهلع والخوف فتكره وتنقم حتى على وجودها نفسه.

احسست ان الحياة والحركة توقفتا للحظات وأن الرفاق أصابهم شلل شامل. فجأة تناهى إلى اسماعنا ازيز انقضاض الطائرات، ثم عصف الصواريخ المنهالة علينا، تحمل لنا نذر الخراب والدمار والموت. أنها هدايا الفكر القومي العروبي للمعارضين. الفاشية السياسية في واحدة من أبشع تجلياتها وأكثرها قتامة وعارا واذلالا وخزيا للجنس البشري. هدايا القائد وكلابه المسعورة منقوعة بحقد وكره دفينين لا قرار لهما. هدايا تبشر بنزيف الدم. الدم الاحمر القاني الذي سينهمر بعد لحظات. تبشر بالرائحة المقيتة لشواء اللحم البشري، وقبل هذا وذاك تبشر بملامح الموت الأسود القادم بعد لحظات، الثقيل كالرصاص، المرعب والفتاك بالانفس القلقة على مصائرها  وحيواتها.

الرفاق يتناثرون، مثل قطط صغيرة مذعورة فقدت امهاتها في لحظة غضب وطيش. يتراكضون الى كل الزوايا والانحاء. رأيت الطفلين مشمش ونداء ممسكين بيد بعضهما ويهربان باتجاه موضع قريب. 

ثم ساد صمت مفجع، صمت بنكهة البارود العقيمة، صمت مر وكريه. رائحة الدخان المتصاعد من حاويات الموت مازالت تزكم أنفي، رغم انقضاء أكثر من ثلاثة عقود.

استعر النقاش والخلاف فيما إذا كانت الضربة هذه كيمياوية ام غير كيمياوية. انتصر الرأي الثاني لساعات عديدة.

بعد العشاء عدنا إلى غرفتنا أنا ورفيقتي سمر... لكن في الثانية بعد منتصف الليل ايقضنا صوت الراحل عايد بنبرته الحادة:

 - رفيق ابو نسرين رفيقة سمر كعدوا.. تره انضربنا كيمياوي... 

صعدنا مباشرة إلى ساحة فصيل الاسناد. كانت الساحة تعج بالرفاق. البعض بانت عليهم الاصابات بعد ساعات وجيزة. الرفيق ثابت حبيب العاني، كان يئن من وجع شديد بسبب الاختناق وصعوبة التنفس. إضافة إلى أنه كان يعاني من مشكلة في القلب. 

حتى انبلاج الفجر...جاء الأمر للجميع بالصعود إلى فصيل  الدوشكا، إلى مير بدري....

هناك ابتدا فصل جديد من المعاناة المريرة. فصل جديد من تراجيديا بشرية لا سابق لها في مرارتها وبشاعتها ولا انسانيتها.

لربما كان المدعو علي كيماوي ثملا طوال تلك الليلة وفخورا بجريمته البشعة إلى أبعد الحدود ومنتشيا إلى أقصى ما يمكنه الانتشاء في خيمته وهو يصغي إلى اغاني الغجر البذيئة ويشاركهم رقصاتهم الإباحية الخليعة ولم يكن حينها بمقدوره أن يرى العالم بطريقة أخرى الاّ عبر مؤخرة رئيسه....