الأنفال جريمة ومأساة

منذ بداية عام 1988 والدلائل تشير الى انّ الحرب بين العراق وايران شارفت على نهايتها بعد أن أدت ما أُريد لها من أهداف. وفي 8/ 8/ 1988 توقفت فعلا، وبدأ سكان المناطق التي تقع خارج سيطرة الجيش العراقي يستعدون لإستقبال أياما صعبة ومظلمة، وكانوا بفطرتهم على يقين بأنّ السلطة ستستهدفهم، وشاركتهم في هذا الهاجس بعض الأحزاب الكردستانية ولكن بنوع من الحذر. الذي أريد تأكيده انّ المؤشرات وحدس القرويين يقول انّ الجيش سيتوجه الى كردستان لحسم المعركة، وفي الوقت الذي كان القلق يساور البسطاء من الناس، كان التفاؤل بسقوط النظام هو السائد لدى الكثير من الشيوعيين، حتى انّ أحد الرفاق راح يصرح  بأن الشطر الاول من شعار الحزب (ايقاف الحرب واسقاط الدكتاتورية) قد تحقق.النظام هو السائد لدى الكثير من الشيوعيين، حتى انّ أحد الرفاق راح يصرح  بأن الشطر الاول من شعار الحزب (ايقاف الحرب واسقاط الدكتاتورية) قد تحقق.

في 11/ 8/ 1988 كُلفت بالعبور من سوريا الى كردستان مع الرفيقين أبو داود الأيزيدي وسلام المانيا، والأدلاء أبو عدنان وسليمان وتوما وأبو وليد وهم أصدقاء للحزب الشيوعي السوري. وبالرغم من التواجد الكثيف لقوات السلطة التي لم تتوقع عبورنا في هذا الوقت بالذات، وبالرغم من كثرة الربايا والأسلاك الشائكة في الطريق الذي نسلكه لأول مرة، الاّ أنّ معرفة الدليل توما بالمنطقة وحنكته جعلتنا نعبر الحدود ونجتاز المناطق الخطرة بسلام. وتعتبر هذه العبرة الرهيبة هي آخر نشاط لمفرزة الطريق قبل الهجوم بالأسلحة الكيمياوية وعمليات الأنفال. وبالرغم من تحذير بعض الرفاق لي من عبور الحدود، لكني حسمت موقفي، وكانت نيتي التوجه نحو الداخل. 

عندما وصلنا الى المناطق المحررة لم نجد القرى كما كانت سابقا عامرة بسكانها، وانما شاهدنا مئات العوائل هائمة على وجهها ومتجهة صوب الحدود العراقية التركية. كانت قرى مناطق الدوسكي التابعة لمحافظة دهوك شبه فارغة، وعندما مررنا بقرى ((دولا وبيتاس وارشت ويك مالا وكوسا... وغيرها)) لم نر اي أثر للناس. الكل غادر مع ما يمكن حمله من غذاء وأغطية ومال. كان الأهالي الذين اعتدنا سابقا أن نحصل منهم على مساعدة في الغذاء والمبيت متأكدين بأنّ الذي سيحدث خطير وخطير جدا، فتركوا قراهم وحيواناتهم ودواجنهم ورحلوا. 

اتجهنا بمساعدة تراكتور الى قرية واريل ومنها الى كاني بلاف في منطقة برواري بالا التابعة الى ناحية كاني ماسي في دهوك، فإلتقينا بالرفيق أبو عادل السياسي المستشار السياسي للقاطع مع مجموعة من الرفاق الذين حضروا مجلس عزاء أُقيم على روح الشهيدة المناضلة والدة الرفيق احمد بامرني (أبو شهاب) وأخوه فتاح بامرني التي استشهدت نتيجة القصف الكيمياوي على احدى قرى بامرني. واصلنا المسير نحو مقر الفوج الثالث بالقرب من قرية بليزان في جبل متين، فوجدنا أنّ أرتال الدبابات تتجه من دون توقف حتى أثناء الليل صوب كاني ماسي ودير لوك وغيرهما من مناطق التحشيد العسكري. 

على ضوء هذه التطورات، تقرر تشكيل مفرزة من الرفاق ((أبو وسن، أبو عراق، أبو عليوي، المرحوم أبو فهد، أبو كريم الحيمر، جلال، أبو ميسون، علاء الصغير، وعذرا للذين لم أتذكرهم....))، للتوجه الى سوريا مع بريد حزبي ضخم، وكان على المفرزة أن تجتاز الطريق الواصل بين مجمع بيكوفا وكاني ماسي عن طريق قرية (تشيش) للوصول الى المنطقة المحرمة. وبينما كنا نسير بحذر شديد تحسبا لأي طارئ، واذا بنا نلتقي قرب الشارع المذكور بآلاف النساء والشيوخ والأطفال والشباب أيضا الذين يسيرون بنفس الإتجاه. ولحسن الحظ كانت هناك مجموعة بطلة من رفاقنا الأنصار (أظن كان الرفيق أبو عثمان على رأسها) أمنوا الشارع القريب من مجمع بيكوفا بالتنسيق مع بعض ربايا الجحوش المتعاونين مع البيشمركة، فتم عبور الآلاف من الناس في تلك الليلة ومن ضمنهم نحن.

كان تكتيك السلطة في تلك المرحلة (مرحلة الأنفال الرابعة والأخيرة في بهدينان) يتمثل بقصف قرى منتقاة، أي انها تقصف قرية ما في برواري بالا وبعد ساعات تقصف قرية في الدوسكي، وهكذا في مناطق سرسنك والعمادية وزاخو، وبنفس الطريقة تعاملت عند مهاجمة مقرات البيشمركة، فهي ضربت مقرنا في زيوه حيث استشهد 3 رفاق أبطال (سبق وأن ضربت الطائرات مقرنا في زيوه في 5/6/1987 واستشهد لنا رفيقان) من دون أن تضرب مقرات الأحزاب المجاورة. هذا التكتيك خلق حالة من الارباك والرعب بين صفوف الأحزاب والأهالي على حد سواء، حيث أوحت السلطة بأنّ الجميع مستهدف وفي أي وقت تريد، فأصبح كل واحد يفكر بمصيره ومصير عائلته بما في ذلك البيشمركة الذين ماعاد بالنسبة لهم الدفاع عن المقرات أمرا مهما بقدر أهمية حماية أطفالهم وعوائلهم. بالاضافة الى ذلك، فأنّ التنسيق بين الاحزاب كان ضعيفا، بل أستطيع أن أطلق على تلك الفترة بـ(اللاتنسيق)، ففي الوقت الذي يتقرر فيه الصمود والإنتشار على شكل مجموعات صغيرة، نجد البعض وقد أخلى المقرات وترك الجبهة التي يحرسونها من دون إشعار الآخرين، علما انّ المقرات متجاورة وتعتمد في حمايتها على جهود ومراقبة الجميع. ولا بد من الإشارة الى انّ المقرات الصغيرة للأحزاب الاسلامية مثل الدعوة والمجلس الاعلى أُغلقت أبوابها وهرب أصحابها الى ايران.

كانت حالة الناس مأساوية ورعبهم شديد، خاصة وانهم على يقين بأنّ السلطة لن تتردد بقصفهم بالاسلحة الكيمياوية، بالإضافة الى دور القيادات الحزبية الكردستانية التي كانت تجهل الأحداث وتخطأ في التوقعات، وهذا ينطبق أيضا على قيادتنا التي لم تكن بمستوى المهمة الملقاة على عاتقها في ذلك الحين. 

أجرى المكتب العسكري المركزي عدة لقاءات واجتماعات انتهت في تموز 1988 وأُتخذ فيها جملة من القرارات، من بينها: تكليف لبيد عباوي بقيادة عمليات قاطع بهدينان، فما أن عاد أبو رنا الى القاطع حتى سارع الى الاجتماع بمكتب محلية الموصل ومحلية دهوك التي كانت مستقلة في تلك الفترة واطلعهم على القرارات والتعيينات الجديدة. كما عُقد اجتماع آخر بأصحاب العوائل، وتم تبليغهم بالقرار الذي أُتخذ في شباط ولم يُطرح الاّ في تموز، وهو إبعاد العوائل (5 كم) عن المقرات تفاديا لمخاطر الهجوم الشامل. لكن هذه القرارات قوبلت بالرفض من قبل الرفاق وخاصة في ما يتعلق بتعيين رفاق عرب ورفاق ليس من أبناء المنطقة لقيادة العمل، كما رأت محلية نينوى انّ إبعاد العوائل ليس حلا جذريا وفيه قصر نظر طالما انّ المنطقة بأكملها معرضة للهجوم الشامل. لكن لا مجال للتراجع وقرارات (م. ع.) يجب تنفيذها.

في هذه الأثناء تشكلت هيئة لقيادة الفوج تتكون من الرفاق: (م. هشام آمر الفوج، توفيق معاون آمر الفوج، وبقيادة أبو رنا). وبالرغم من اعتراض البعض على هذه التعيينات، الاّ ان التطورات السريعة من تموز حتى منتصف آب حيث الحرب وضعت اوزارها لم تسمح بتنفيذ هذه القرارات.

من الأمور المهمة جدا في تقدير أغلب الأنصار، هو انّ المكتب السياسي للحزب ارتكب خطأ جسيما عندما منح لجنة اقليم كردستان مهمة قيادة العمل الأنصاري، كما ارتكب خطأ جسيما آخر عندما جرد القادة التاريخيين مثل الرفاق ((توما توماس، أبو سيروان، أبو نصير، أبو عايد...)) من مهمة قيادة الكفاح المسلح ومنحهم اجازات مفتوحة، وأصبحت قرارات المكتب العسكري الذي يتألف من الرفاق (رحيم عجينة، وأبو عامل، وأبو فاروق) ذات طابع حزبي وسياسي وليس قرارات عسكرية. لكن بالرغم من تلك الأخطاء، فأنّ الظروف والأحداث الدراماتيكية المتسارعة فرضت واقعا صعبا وقاسيا على الجميع. 

وفي الختام لابد لي أن أنحني اجلالا لأرواح الشهداء وضحايا الأنفال الأبرياء، ولابد أيضا أن أحيي الأنصار الأبطال أصحاب المبادرات الفردية والشجاعة والذين استطاعوا أن ينقذوا العدد الأكبر من رفاقهم وأهل المنطقة.