واقعة بشتئاشان و عبور جبل قنديل

إستل  الرفيق أبو إقبال " حكمة حسين" ورقة مهمة من دفتر الذكريات العتيق ليبين حقيقة وقائع يوم لاينسى، هو يوم عبور جبل قنديل في 1 آيار من عام 1983 أثناء واقعة بشتئاشان في إلتفاتة رائعة لدور رفاق الحزب البسطاء الذين بقوا كعادتهم بعيدين عن الأضواء .

ولقد كان عليّ بإسم عائلتي أن أتقدم بالشكر للرفيق " أبو إقبال" على مساهمته في إلقاء الضوء على صفحة غير مضاءة وعلى أدوار ناس الحزب البسطاء الذين كانوا على إستعداد لتحمل أكبر قدر من التضحية، وبرهنوا طيلة حياتهم عمليا على إخلاصهم اللامحدود لمبادئ العدالة الإجتماعية التي بشر بها الحزب الشيوعي في العراق.

أمّا فيما يتعلق بعملية عبور جبل قنديل ، يؤكد والدي الراحل " سيد باقي " على الدور الأساسي للكلبة "آنو" في إنقاذ المجاميع التي تلت مجموعتكم، حيث أنّ هذه الكلبة الوفية التي كانت ترافقه أثناء عبور جبل قنديل، وبعد أن وصلت مجموعتكم الى المكان المطلوب قد عادت مرارا الى نقطة الإنطلاق لتقود مجاميع من الرفاق الذين لايعرفون الطريق إليكم. موضوع الكلبة الوفية " آنو" ودورها في قيادة الرفاق لعبور قنديل ثم قصة إعتقالها من قبل الحرس الثوري الايراني وتفريقها عن " سيد باقي" يصلح لأن يكون موضوعا لفيلم!. وأسأل في النهاية لو لم ينتبه الرفيق أبو إقبال الى تسجيل هذا الحدث المهم هل كان سيبقي مجهولا؟ ألا يفكر الحزب بجمع مايكتب هنا وهناك عن مناضليه؟ هناك المئات من القصص والوقائع التي تشكل نسيجا فريدا من نوعه يميز العراق عن بقية بلدان المنطقة . 

 

في ذكرى بشت آشان

حكمة إقبال/ أبو إقبال

سيد باقي ، لتنعم روحك بهدوء الرقدة الأخيرة، كنتَ مناضلا بطلا، أنقذت رفاقك .

مرّ على حكايتي هذه تسعة وثلاثون عاماً، أتذكرها كل عام في موعدها، وفي غير موعدها، وأسأل نفسي، كم من الذين عايشوها يعرفون تفاصيلها؟، ولكني متأكد انّ الرفيق الكبير سيد باقي كان يتذكرها جيدا، وبالطبع آخرون غيره .

بعد أن احتفلنا في ذكرى عيد العمال العالمي ظهيرة الأول من آيار، إتضح انّ الوضع العسكري لغير صالحنا بعد هجوم قوات الاتحاد الوطني على مقراتنا الأمامية، وتبينت الوجهة بالانسحاب دون أن يعلن أحد المسؤولين العسكريين هذه الكلمة جهارا. بدأنا الاستعدادات للانسحاب بصمت، وقضيت مع الشهيد ضرغام والشهيد أبو سمير تلك الليلة في حرق وثائق وورقيات المكتب السياسي والمكتب العسكري في تنور فصيل المكتب العسكري، وتبلغت بالخروج مع مفرزة خاصة فجر يوم 2 آيار، وفعلا خرجت المفرزة فجر ذاك اليوم من خلف مقر فصيل الاقليم صعودا بإتجاه قمة جبل قنديل، للإنتقال الى الجهة الأخرى من الجبل .

المفرزة الخاصة ضمت عدداً من قيادة الحزب والكادر المتقدم، من غير العاملين في المجال العسكري. تكونت المفرزة من أعضاء اللجنة المركزية، الفقيد ثابت حبيب العاني، الفقيد مهدي عبد الكريم، الفقيد عبد الوهاب طاهر، الفقيد سليمان شيخ محمد (أبو سيروان)، الفقيد فاتح رسول (أبو آسوس)، الفقيد أنور طه (أبو عادل الشايب) عضو لجنة المنطقة الجنوبية، الفقيد علي محمد جاسم (أبو أثير) عضو لجنة المنطقة الوسطى، بالاضافة الى الرفيقين عضوي المكتب السياسي الفقيد عبد الرزاق الصافي وباقر ابراهيم، والرفاق أعضاء الاقليم أبو هيوا، مام قادر وسيد باقي والشاعر الفقيد أحمد دلزار، وجميعهم في أعمار من 55 عاما فما فوق حينذاك، إضافة الى ثلاثة رفاق من الشباب في العشرينيات من أعمارهم هم الرفيق شمال، الرفيق شيروان وكاتب هذه السطور. كان هناك أيضا الفقيدة الرفيقة أم خولة زوجة الرفيق باقر ابراهيم ودليل للمفرزة من سكان قرية بشت ئاشان .

بعد مسيرة ساعتين أو أكثر وصلنا الى المناطق التي لازال يغطيها الثلج حتى قمة جبل قنديل، هنا تغير الموقف، فقد رفض الدليل مواصلة المسيرة قائلا ومكررا (كاكا هذا جبل قنديل، لا يمكن عبوره في هذا الوقت، ستموتون جميعا وأنا معكم، وأنا لا أريد أن أموت فقد تركت عائلتي في القرية)، كرر هذه الجملة مرات عديدة وجرت نقاشات وأسئلة وأجوبة عديدة، وإنتهى الأمر الى قرار مواصلة المسيرة دون تراجع وحتى بدون الدليل، كانوا يعلمون إن لا مجال للعودة والأمور تتجه نحو الانسحاب، وربما هي مسألة وقت ومدى القدرة على صد الهجوم .

ظهرت قضية أخرى، طرحها الفقيدان فاتح رسول وأحمد دلزار، انّ مرافقة أم خولة للمفرزة يؤخر مسيرها وعليها العودة مع الدليل، وهنا أسجل انّ الرفيق أبو خولة لم ينبس ببنت شفة، فلن تكون حياة زوجته ورفيقة دربه بأهم من وصول المفرزة الى مكان آمن في الجهة الثانية من الجبل. وفعلا عادت أم خولة مع الدليل وقرر مام قادر العودة أيضا لأنه لا يقوى على هذه المسيرة الطويلة .

هنا جاء دور الرفيق سيد باقي، الذي تطوّع، بعد أن سمع وصفاً للطريق من قبل الدليل، لقيادة المفرزة. ولكن عن أي طريق نتحدث؟ إنها ثلوج على مدار النظر، وفي كل الاتجاهات، كان الدليل يؤشر بيديه، من هنا الى اليسار، ومن هناك الى اليمين وفي القمة ستجدون مقبرة، ومن هناك تنحدرون نحو الجهة الاخرى .

وهكذا بدأنا نصعد سفح جبل قنديل الأبيض، كلما وصلنا الى قمة تظهر لنا قمة أخرى أعلى منها، كنّا نتبادل نحن الشباب المسير في مقدمة المفرزة لنفتح الطريق للبقية، بمعنى الضغط على الثلج بأقدامنا وهذا يسهل لمن بعدنا السير على آثار أقدامنا، كان الثلج يصل الى الركبة، وأحيانا أكثر من ذلك، وعندما نتوقف للإستراحة تكون إستراحتنا وقوفا بين الثلوج التي تغطي هذا الجبل الشاهق. وفي أحد الأماكن إعترض أبو آسوس واحمد دلزار على الاتجاه الذي قرره سيد باقي، وبعد نقاش نزلا في هوة من السفح، وعادا أدراجهما نادمين على خطأهما، وواصلت المفرزة المسير، بهذه الحالة حتى إنتصف النهار، حينها وصلنا المقبرة المقصودة، ولكن، إنها ثلوج في كل الاتجاهات، كانت الشمس ساطعة مما يزعج العين لشدة انعكاس الضوء على الثلج .

الوصول الى القمة، والمقبرة المقصودة بعد ست ساعات من المسير، خلق حالة من الإطمئنان بيننا، دون أن يعلن أحدنا عن ذلك، لأننا أصبحنا بعيدين عن الخطر والمتبقي من الطريق هو النزول الى الجهة الأخرى، والنزول عادة أسهل، خاصة انّ النزول سيخفف من مستوى الثلج المتراكم. حالة الإطمئنان ذكّرتنا بأننا لم نأكل طيلة هذه الساعات الست، وذكرتنا بسؤال: أين هي حماية المفرزة وتموينها؟ فعند خروجنا علمنا انّ هناك تكملة للمفرزة من رفاق لحمايتها وعدد من الحيوانات لركوبها اضافة الى تموين لها. وحمّل الفقيد فاتح رسول المسؤلية عن ذلك لفصيل المكتب العسكري وليس فصيل الإقليم الذي كان معنيا، كما علمنا سابقا. كنت أحمل في حقيبة على ظهري ثلاثة أرغفة من الخبز وأعتقد علبة لحم وعلبة جبن. الفقيد مهدي عبد الكريم كان يحمل كيسا من الكرزات. الفقيد أبو مخلص كان يحمل علبتي سردين، ولا اتذكر ما كان عند البعض الاخر. تقاسمنا ما لدينا وبدأنا رحلة النزول. الفقيد أبو عادل غيّر جواربه المبلولة وشعر بالدفء والفرح لأنه تمكن من ذلك .

النزول كان سهلاً وهو وادي ضيق قياساً لصعودنا، وبدأ الجميع ينزل بخطوات ليست سريعة وتباعدت المسافات بيننا، وكل منا يقول في دواخله، لقد أنقذنا الرفيق سيد باقي، ومن بعيد لاحظت انّ الفقيد ثابت حبيب العاني يسير ويحمل حذاءه بيديه، أسرعت إليه ووجدته يقول انّ حذاءه أفلت من قدمه ولا يستطيع بسبب الثلج ارتدائه من جديد، ساعدته في ذلك، وظل يتذكر تلك المساعدة كلما إلتقيته لاحقا. وفي حدود الرابعة بعد الظهر وصلنا الى الارض اليابسة ورأينا سواد حجارة سفح قنديل من جهته الثانية. ولحسن الحظ وجدنا كهفاً صغيراً يرتفع بضعة أمتار عن أرض الوادي، وبالطبع تقرر مبيتنا هنا حتى صباح اليوم التالي .

بعد هذه المسيرة الشاقة والخطرة والوصول الى جهة الأمان وبدون ثلوج تذكر بعضنا الشاي، اتضح أني الوحيد الذي يحمل مطارة ماء معدنية وكوب معدني، ولا أتذكر من كان يحمل الشاي والسكر. اقمنا موقدا من النار أمام الكهف وبدأت عملية ملئ المطارة بالماء من خرير الثلوج الذائبة، وغلّيها ووضع الشاي في المطارة وبعد ذلك يشرب الرفاق واحداً تلو الآخر، وهذه العملية تستغرق وقتا ليس بالقصير. هنا تركتهم لأنام في قعر الكهف متلفلفا بالجمداني الذي لا يحمي من البرد ولكنه يشعرني أني مغطى، وهذا الشعور يساعدني على النوم.

وقبل طلوع الفجر شاهدنا مصابيح ضوء عديدة تنزل من الجبل باتجاهنا، ساورنا القلق، وتأبطنا بنادقنا نحن الشباب الثلاثة وصعدنا قليلا باتجاههم، وبعد صراخنا بكلمة قف ومن أنتم إتضح أنهم رفاقنا من مقر بشتئاشان جاءوا متتبعين آثار أقدامنا بعد أن تقرر الإنسحاب الكامل في الرابعة بعد الظهر. لا أستطيع وصف حالة الإنكسار والألم فقد خرج الجميع فقط بملابسهم وبسلاحهم الشخصي، ودمروا بأيديهم اذاعة الحزب التي بنوها قبل بضعة أشهر وكل تجهيزات الطبابة والادارة والتموين وقاعات السكن، والأهم من ذلك كله بالطبع فقدوا رفاق لهم استشهدوا أمام أعين بعضهم، وكان مصير المتبقين مجهولا، وكان التساؤل الكبير لماذا حدث ذلك؟.

وبعد مسيرة نهار طويل وصلنا الى قرية كبيرة كانت مقرا للحزب الديمقراطي الكردستاني، وبدأنا نبحث عن الآخرين واتضح انّ مفرزة من سبعين رفيقا ورفيقة ومعهم الرفاق كريم أحمد وأحمد باني خيلاني وقادر رشيد كانوا قد وصلوا الى الطريق الذي سلكناه ولكنهم اختاروا طريقا آخر، أوقعهم لاحقا في كمين لقوات الاتحاد الوطني الكردستاني استشهد فيه أكثر من ثلاثين رفيقا وتم أسر الباقين، وأطلق سراح الرفاق الثلاثة أعلاه بعد بضعة أيام بعد أن وقّع كريم أحمد اتفاقية وقف إطلاق النار أو استسلام، وهو نفسه الذي وقّع في شباط من العام نفسه اتفاقية التحالف الاستراتيجي بين الحزبين .

كل الناجين من بشت ئاشان سلكوا الطريق الذي حفرناه بإقدامنا قبلهم في النهار، والفضل في ذلك يعود الى الرفيق سيد باقي، الذي يرقد بسلام بعد أن ترك وراءه تاريخ نضالي طويل .