((اشوت)) والطحين المفقود

واحدة من أشد مشاكل قاعدة بهدينان ومنذ تأسيسها في الرابع من شهر اكتوبر 1979 كان النقص في المواد الغذائية وطرق إمدادها، لأنّ النظام عمل منطقة معزولة خالية من القرى والسكان على طول الحدود العراقية التركية وبعمق يصل أحيانا الى 30 كم. آلاف القرى تم تدميرها وترحيل سكانها قسرا الى مجمعات سكنية تشبه السجون على أطراف زاخو ودهوك وأربيل والموصل والباقي تم ترحيلهم الى المدن الجنوبية. كما قام بتدمير الحقول وقطع الاشجار المثمرة وطمر عيون الماء وردم الآبار بالإسمنت ويقال تم تسميمها.

في البداية كنا نتزود بالمؤن من بيشمركة البارتي، ولكن مع توسع القاعدة وإلتحاق المزيد من الرفاق في بداية عام 1980 بات لزاما علينا أن نجد طريقنا الخاص في تأمين الغذء واحتياجات الرفاق الخاصة من ملابس وأحذية وغير ذلك. فلجأنا الى المهربين الأكراد في الجانب التركي على الرغم من أنهم كانوا استغلاليين ويفرضون علينا أسعارا مضاعفة، كما كان تعاونهم معنا موسميا بسبب انّ السلطات التركية كانت هي الأخرى تفرض حصارا تموينيا على القرى الحدودية. 

بعد وصول مفرزتنا (مفرزة الطريق) الى (كَلي كوماته) في أواخر عام 1980 مع مجموعة من الرفاق وعدد من البغال المحملة، تم إستدعائنا أنا والرفيق أبو عبود الى مقر قيادة قاطع بهدينان، فإلتقينا بالرفيق الراحل القائد الأنصاري توما توماس/ أبو جوزيف، الذي شرح لنا الصعوبات التي يمر بها المقر من حيث نقص المؤن الضرورية، مؤكدا على انّ الأمر لا يحتمل التأجيل، وطلب منّا التحرك في اليوم التالي وبشكل عاجل الى قرية اشوت الحدودية والتي تبعد 8 ساعات عن مقرنا، لكنّ الرفيق أبو جوزيف نصحنا بالذهاب الى مقر حدك المجاور أولا، وذلك للحصول على المعلومات الكافية عن قرية اشوت وموقعها وأسعار البضائع، إضافة الى معلومات عن المهرب حيدر كورتو (حيدر القصير). وبالرغم من أنّ مفرزة الطريق كان عليها أن تعود الى عملها بعد إستراحة لمدة ثلاثة أيام، لكنّ الرفيق أبو جوزيف أكد لنا أهمية هذه المهمة ويمكننا الإلتحاق بالمفرزة بعد إنجازها.

إستلمت من الرفيق أبو جوزيف مبلغا كبيرا من المال 1200 دينار عراقي كعربون للصفقة ثم يُسدد المبلغ المتبقي بعد وصول المؤونة، وطلب منا الرفيق بذل كل الجهود لتأمين الحاجات وعدم الرجوع بدونها. ذهبنا الى مقر حدك في بهدينان وتحدثنا مع فؤاد ميراني آمر القاعدة بمساعدة الرفيق أبو يعكوب وحصلنا على كل المعلومات اللازمة، وبالصدفة كانت لديهم مفرزة صغيرة من ثلاثة أشخاص رافقتنا حتى منتصف الطريق الأمر الذي سهل علينا مهمتنا بشكل كبير. خرجنا في صباح اليوم التالي بحدود الساعة السابعة صباحا بصحبة مفرزة حدك متجهين شمالا وكأننا ذاهبين الى هيركي، وبعد حوالي خمس ساعات من المشي، جلسنا للإستراحة وتناول الطعام، ثم إفترقنا عنهم بعد أن حددوا لنا إتجاه القرية التي تقع على الجهة الثانية من الجبل ونصحونا بدخولها أثناء الظلام وذلك بسبب وجود نقطة للقره قول (مركز للدرك) في مدخل القرية. 

تحركنا بإتجاه القرية وإنتظرنا على قمة تل لحين حلول الظلام، ومن ثم نزلنا بإتجاه البيوت، فحاصرتنا الكلاب الشرسة، وبألكاد استطعنا بواسطة العصي (كوجان) أن نحمي أنفسنا. خرجت امرأة من أحد البيوت وأبعدت الكلاب عنّا وسألت: من نكون؟،  فأخبرتها بأننا بيشمركة من المقر القريب من قريتهم ونريد الذهاب الى بيت حيدر كورتو، فرحبت بنا وأخبرتنا أنّ البيت يقع على الطرف الآخر من القرية. 

وصلنا بيت حيدر وأخبرتنا زوجته بأنه في بيت المختار، وأرسلت معنا أحد أبنائها ليرشدنا الى البيت. وصلنا بيت المختار الذي كان يعج بالرجال ويتوسطهم درويش يمارس التصوف بحركات وعبارات دينية ورجال القرية يرددون من بعده. جلسنا في مؤخرة الحشد لأنهم كانوا منهمكين في سماع وتقليد الواعظ الصوفي وهو يردد " الله حي " ويهز رأسه يمينا ويسارا. بعد الإنتهاء من الطقوس، لمحنا المختار، فنهض وسلّم علينا ودعانا للجلوس على يمينه كنوع من الإحترام. حاولت أن أشرح له من نحن وسبب مجيئنا ولكنه رفض وقال نتعشى أولا ومن ثم نفهم الأمر.

جلبوا الطعام للضيوف على شكل صواني فيها رز وقطع من اللحم، فتجمع الرجال كل خمسة على صينية. شاركنا أنا وأبو عبود الصينية مع المختار والصوفي وشخص آخر، ولكن سرعان ما نسفنا أنا وأبو عبود الصينية، فأضطر المختار الى طلب أخرى بعد أن لاحظ مدى شراهتنا وجوعنا، وكيف لا ونحن لم نتذوق اللحم والرز منذ أشهر (مهروش وطاح بكروش)!.

أخبرنا المختار عن سبب مجيئنا وهو الحصول على الأرزاق واللقاء تحديدا بـالمهرب حيدر كورتو. عرفنا المختار بـحيدر وأخبره عن سبب مجيئنا، فرحب بنا حيدر وطلب منا مرافقته الى بيته. مختار القرية طلب منا أيضا كنوع من الاحترام أن نبيت ليلتنا عنده، فشكرناه على حسن الضيافة وإعتذرنا بسبب إنشغالنا وضرورة رجوعنا للمقر في اليوم التالي. ذهبنا بمعية حيدر الى بيته، وناقشنا طلباتنا معه، لكنه طلب منا أسعارا عالية. أخبرناه اننا من بيشمركة الحزب الشيوعي وهذه الصفقة ستكون بداية لصفقات أكبر، كما اننا نحمل توصية من فؤاد ميراني مسؤول قاطع بهدينان للبارتي، فحصلنا على نفس الأسعار التي يبيع بها الى حدك. اتفقنا على 100 شوال طحين 20 شوال رز و20 تنكة دهن و10 شوالات سكر وفاصولياء وعدس وسلمناه العربون 1200 دينار عراقي واتفقنا على أن يبدأ وصول البضاعة تدريجيا اعتبارا من الاسبوع القادم، هذا وأخبرنا حيدر من أن عليه أن يحضر المؤونة من أماكن مختلفة مثل قضاء بيت الشباب وحكاري واولودرة والجزيرة حتى لا يُكتشف أمره من قبل الجندرمة التي كانت تملك سيطرات على الطرق.

بتنا ليلتنا في بيت حيدر ونهضنا مبكرا في صباح اليوم التالي، وفي الحقيقة لم ننم أكثر من أربع أو خمس ساعات. حصلنا على بعض الخبز والجبن واللبن وقليلا من السكر والشاي ورفضنا عرضا من المهرب حيدر لمرافقتنا الى خارج القرية متحججين بمعرفتنا بالطريق وياليتنا قبلنا بالعرض. انطلقنا في جنح الظلام محاولين معرفة الطريق المؤدي الى المقر ولكن دون جدوى. نباح الكلاب ومهاجمتهم لنا صعب من مهمتنا، كما أنّ كبر القرية نسبيا جعل من الصعب علينا في الظلام تحديد الإتجاه خاصة ونحن نزورها لأول مرة. بتنا نتخبط داخل القرية الكبيرة حتى بزوغ الفجر، فأزداد قلقنا وخوفنا من أن تنتبه لنا سيطرة القره قول. جلسنا تحت شجرة كبيرة محفورة من الداخل وتسع لأربعة أشخاص تقريبا وفيها مصطبة معمولة من الخشب للجلوس عليها. هذه الشجرة كانت ملاذنا لساعتين تقريبا وكانت تحمينا مؤقتا من عيون الأتراك والفضوليين. 

شعرنا بأننا لا يمكننا البقاء في هذا المكان دون أن يُكتشف أمرنا من قبل الرعاة وأهل القرية، ولهذا ذهبت الى أقرب بيت طالبا للمساعدة. طرقت الباب وفتحه رجل سرعان ما تعرف عليّ وقال: انت من بيشمركة الحزب الشيوعي وكنت في بيت المختار يوم أمس، فقلت نعم وطلبت منه أن يرشدنا الى طريق الخروج من القرية، لكنه أصرّ على أن نفطر معه أولا، فناديت على الرفيق أبو عبود وتناولنا الفطور ((بيض وجبن ولبن وخبز حار مع الشاي والجوز والعسل (أنعل أبو العازمكم)!!.

أحضر الرجل بغلتان ووضع عليها أدوات تقطيع الحطب وسار امامنا بمسافة 50 مترا تقريبا بعد أن اتفقنا اننا لا نعرف بعضنا البعض اذا ما اكتشف القره قول أمرنا. مررنا بنقطة القره قول التي كانت تقع عند مدخل القرية من دون أية مشكلة، حيث كان رجال الدرك التركي يغطون في نوم عميق كما أخبرنا صاحبنا. 

سارعنا الخطى بإتجاه المقر لأننا كنّا متأخرين بحدود الساعتين، فوصلنا ليلا الى الجهة المقابلة لمقرنا، ولكن بسبب سوء الأحوال الجوية وهطول المطر الممزوج بالثلج وهبوب عاصفة ورياح قوية تعذر على رفاقنا في المقر من سحبنا الى الجرف الآخر بواسطة العبّارة خوفا من أن تجرفنا أمواج نهر الخابور. بتنا ليلتنا تحت المطر وعلى الجانب التركي بعد أن تراجعنا بحدود الكيلومتر تقريبا حتى نحتمي بظلال الأشجار وأشعلنا النار للتدفئة لحين بزوغ الفجر. هدأت العاصفة واستطاع الرفاق مساعدتنا الى الجانب الآخر، وفورا ذهبنا الى مقر قيادة القاطع لابلاغ الرفاق أبو جوزيف وأبو يوسف بنجاح مهمتنا. شكرنا الرفيق أبو جوزيف وأثنى على جهودنا وحصلنا على استراحة ثلاثة أيام معفيين من الواجبات والخدمة الرفاقية.