"جايجي الجريدة" الذي أصبح صحفياً !

يوم.. لا ينسى!

اصطحبني الشاعر عريان السيد خلف إلى مطبعة "الرواد"، وأنا مثقل بهموم تدبير سبيل لمعيشة عائلتـي (ثمانية أفراد) بعد إصابة معيلها/ والدي بشلل هز كيان العائلة ومستقبلها، عرفني على احمد الجبوري (أبو ازدهار) الذي عرض علي العمـل كـ "جايجي" في مقر جريدة "طريق الشعب" الواقع في شارع السعدون. التحقت بعملي في يوم لا ينسى 6 آذار 1974، أذهلتني بشاشة الوجوه ورقة التعامل والخلق الرفيع والاستعدادات الجارية للاحتفاء بعيد المرأة وفي يوم العيد ناولتني سهام الظاهر باقة ورد لأهديها الى أمي الغالية. 

اول نص

ذات يوم صيفي من عام 1976.. وكنت قد كلفت بمسؤولية متابعة شؤون شغيلة مقر الجريدة، دعاني مدير الادارة نوزاد نوري ليسلمني علب دخان من نوعية جديدة انتجتها شركة التبوغ العراقية تحت اسم "أريدو" وطلب مني توزيعها على الشغيلة كهدية من الشركة للعاملين في الجريدة. حاولت التملص من تنفيذ هذا الامر الاداري ولكن نوزاد نوري فتح عينيه الواسعتين وقال لي بصوته الجهوري المحبب: (روح وزعها لاهسة آكلك انت والجكاير). ولمن لايعرف هذه الشخصية الظريفة اقول له: كان نوزاد نوري صاحب اضخم جسم لرفيق رأيته في الحزب الشيوعي العراقي خلال عقد السبعينات من القرن المنصرم.. انه لطيف المعشر وذو احساس مرهف ارق من ورق الورد ان شئتم! فحزمت امري وتوكلت على الله بتوزيع علب السكائر اياها على رفاقي الشغيلة (خالة ام جاسم "ركنة بندر" المكلفة بتنظيف مكاتب المحررين وبناية الجريدة وتوزيع طعام الغداء على العاملين فيها والذي كان يردنا من مقر اللجنة المركزية للحزب جاهزاً، وعلي عبدالله او علي شريفة كما يحلو لاصدقائه في مدينة "الثورة" تسميته نسبة الى اسم امه، وجمال عيسى ابن العائلة الشيوعية المعروفة في ساحة 55 بمدينة "الثورة" ايضاً) استلموا المقسوم وسط ذهولهم من هذه االهدية غير المناسبة يومذاك مع حملة الجريدة الدعائية بدعوة قراءها الى ترك التدخين! عندها تحفزت للكتابة الى النشرة الحائطية، التي كانت تصدر عن الدورة الصحفية المعقودة انذاك في مقر الجريدة لمندوبي المكاتب الصحفية الحزبية في كل محافظات العراق، وناولتها لمندوب محافظة الانبار دون غيره ـنسيت اسمه للاسفـ لكونه اتضح من خلال حديث التعارف بيننا بانه يعرف والدي "علي اشرف..هكذا كان يلقبوه اهالي الحبانية لمواقفه المشرفة بمساعدة الفقراء منهم والدفاع عن مصالحهم" وسرني هذا الثناء امام الاخرين وجعلني اشعر بالفخر وصلة القرابة الرفاقية مع هذا المندوب، الذي شجعني على الكتابة دون خوف من احد وان اكون على سر ابي. وفي اليوم التالي تفاجأت ان نص محتويات الورقة التي ناولتها للمندوب منشور في النشرة الحائطية كما هو وبخط جميل تحت عنوان "اصحيح ان نعلم الاخرين ولا نتعلم!؟" ومذيلة بتوقيع "ابن الحزب" بناءاً على رغبتي المتخوفة من رد فعل نوزاد نوري...

مفاجآت سارة

غير اني تفاجأت اكثر، بعد يومين، حين طلب مني القائد الشيوعي حميد بخش "ابو زكي" ان نجلس بحديقة الجريدة لبعض الوقت لبحث امر خاص.. سرت معه واوصالي ترتعش وافكاري تدور حول ما يمكن ان يطرحه علي وتصورت انهم قرروا انهاء خدماتي جراء هذه الفعلة و"طولة اللسان". وكان ابو زكي قد تعرف على عائلتي عندما زارني في المرة الاولى في المستشفى الجمهوري بمدينة "الثورة" بصحبة وفد من الجريدة يتكون من الصحفية فاطمة المحسن والصحفي عبد المنعم الاعسم والفنان التشكيلي حميد عبد الحسين حين تم استئصال الزائدة الدودية.. وفي المرة الثانية زاربيتنا في اليوم الاربعين على وفاة والدي باعتباره صاحب المطبعة التي اعمل بها، حيث لم تكن عائلتي تعلم بانني اعمل في جريدة "طريق الشعب" حرصاً مني على عدم كشف ارتباطي باي شكل مع الحزب الشيوعي، وذلك تلافياً للمتابعات الامنية من قبل منظمة حزب البعث في منطقتنا والمشاكل العائلية مع اقربائي المنتسبين عنوة او رغبة الى حزب السلطة .. وقدم ابو زكي واجب العزاء وظرفاً يحتوي 50 ديناراً كنا بامس الحاجة اليها، لربما هذا كان راتبه او مساعدة من الحزب.. لا ادري!

وفي الزاوية البعيدة من الحديقة، جلس هو ووقفت انا احتراماً له غير انه زجرني وقال:"اكعد هاي شبيك.. شلون بروليتاري مرعبل انت" فجلست امامه ليتفقد احوال عائلتي ويمتدح شجاعة اختي الكبيرة "شكرية" بخروجها الى ساحات العمل في "شركة الصناعات الخفيفة" وضحكنا على عبارته بانها اصبحت "نجمة تلفزيونية" اشارة الى المقابلة التي اجريت معها من قبل التلفزيون العراقي بعد حصولها على لقب "بطلة الانتاج".. واستفسر عن دراستي المسائية في متوسطة "البتاوين" واهتماماتي الادبية واخر قراءاتي. وفي ختام الجلسة، اخبرني ان هيئة التحرير قررت ان اتدرب بعد فترة الغداء على العمل الصحفي في قسم "حياة العمال والفلاحين" الذي كان يرأسه عبد السلام الناصري فيما كان الشاعر مخلص خليل سكرتيراً للقسم وذلك اعتباراً من اليوم ان احببت! شعور غريب انتابني ونطقت متلعثماً "آني؟" فاجاب فوراً "اي انت.. ليش منو احسن منك؟" قام من مقعده وقال:" يالله كافي حجي.. راوينة شطارتك بالعمل الصحفي..وانريد منك تهتم بدراستك ايضاً" .

يصعب علي تحديد: من هو معلمي الاول في الصحافة؟ فقد اكتسبت المعرفة والحرفة الصحفية، اقولها بتواضع، من رفاق حزبيين وغير حزبيين وهم الاكثر.. ولن انسى ذلك الصباح البهي في قسم المنوعات الذي اثيرت فيه "الشكوك" حول من كتب لي مقالتي بصدد مسرحية للاطفال اخرجها ثامر الزيدي ودعاني اليها مشكوراً. وكان الحوار يدور امامي وانا احمل للمحررين صينية الشاي:

مصطفى عبود يخاطب بهدوئه الملائكي ياسين النصير وصادق الصائغ: حضروا نفسكم للتقاعد وقسومي راح يكمل المشوار.. فلا هم تقاعدوا والحمد لله ولا انا اكملت المشوار للاسف!

عدنان منشد يوضح لحميد الخاقاني، سكرتير القسم الثقافي، بانه اجرى بعض التعديلات لاخطاء املائية.. ليس الا! مؤيد نعمة يقول لزميله في رسوم الكاركتير نبيل يعقوب: شفت يابة؟ احنة حتى الجايجي مالنة يلعب لعب! عفيفة لعيبي اهدتني "حامض حلواية"!

وبعدها انهالت علي بطاقات الدعوة لمشاهدة المسرحيات والافلام السينمائية وحفلات الفرقة الوطنية السمفونية، التي ارجو ان يكون ابراهيم الحريري قد غفر لي هفوتي حين حضرت اول حفلة موسيقية بمعيته واخذت اصفق مع كل حركة موسيقية تصوراً مني ان هكذا مطلوب للتعبير عن الاعجاب على طريقة مشاهدة المسرحيات.. وتعلمت منه ايتكيت الاستماع للموسيقى الكلاسيكية وتذوقها روحياً. وكان علي في فترة ما بعد الظهر وحتى ذهابي الى المتوسطة ان اتدرب على يد سمير سالم داوود حيناً واحياناً كثيرة على يد عبد السادة السراج في اعادة صياغة بريد العمال، الذي ترده رسائل غير قليلة من المكاتب الصحفية في المحافظات.. واستمرت الحالة حتى تمكنت من ناصية اختيار الرسائل واعادة صياغتها للنشر حسب سياسة الجريدة.

وفي 18/5/1978 جاءني فالح عبد الجبار، سكرتير قسم الشؤون العربية والدولية، ليبلغني قرار هيئة التحرير انتقالي نهائياً للعمل بالدوام المسائي في الصحفة الاولى بصفة "منصت" على اجهزة "التيكر" و"التلكس" التي كانت تزودنا باخبار وكالة الانباء العراقية "واع" ووكالة "تاس" السوفيتية ووكالة الصحافة الفرنسية... والتواجد في القسم الفني (المونتاج والتصميم) تحت التدريب وهناك تعرفت على ثلة من الشباب المرحين (اولاد العم حسن العتابي: جمال وسامي (اعدم على يد السلطة البعثية الفاشية) وصفاء، عبد الله رجب، ليث الحمداني، معتصم عبد الكريم (استشهد بتاريخ 24/3/1980 في معركة قزلر بين الانصار الشيوعيين وقوات نظام المقبور صدام حسين الدكتاتوري)، رزوقي، انتشال هادي واخته ازهار هادي، ثائرة فخري بطرس (استشهدت اثناء القصف الجوي الاسرائيلي على منطقة "الفاكهاني" السكنية ببيروت /لبنان عام 1981)....وآخرين يصعب علي تذكرهم). كما تعرفت عن قرب على العاملين في الصفحة الاولى: عبد الله عطية الذي دربني على اجهزة "التيكر" و"التلكس" ولؤي غائب الذي علمني كيفية فرز الاخبار وعبد المنعم الاعسم، سكرتير الصفحة الاولى، الذي تعلمت منه ايضاً قوة العزيمة وروح النكتة في احلك الظروف.. وفي الصفحة الرياضية تعرفت على طه رشيد وابو ظافر كما تعرفت عن قرب على العاملين في قسم المحليات: الانسان الرقيق اسماعيل خليل (ابو هند)، الذي أختطفتهُ جلاوزة الفاشية من أمام مقر عمله في صحيفة "طريق الشعب" واستشهد في العاشر من تموز 1980، والشاعر الشعبي جمعة الحلفي، الذي قادني حزبياً لغاية "ما طشش عويله الطششانه" كما كان يردد دوماً وفاضل الربيعي، الذي استضافني في بيته الدمشقي مع عائلته الكريمة لغاية سفري الى لبنان اواخر عام 1980، وعامر خليل.. وفي قسم التصحيح تعرفت على العاملين فيه: الشاعر الشعبي ذياب كزار (ابو سرحان) والشاعر الشعبي عريان السيد خلف، الذي له الفضل الكبير في دخولي عالم "طريق الشعب" الواسع والجميل، والقاص عبد الله صخي، واخوه عبد الجبار صخي، وشيخهم (ابو اسيل). وفي قسم الطباعة تعرفت على كوريا رياح وزوجها هادي صالح وسعدون وصباح.. وتعرفت على مدير الادارة ابو شروق ومامور البدالة المرح ابو سرجون وزميلته سلامة وعامل الشاي ابو احمد... وعشرات غيرهم ممن تفانوا في اعلاء راية الحزب وشعاره العتيد "وطن حر وشعب سعيد".

لكل الذين ورد ذكرهم.. والذين لم يرد ذكرهم سهواً . لكل الذين غادرونا نحو عالم المجد المخلد.. لكل الذين علموني حرفاً وصاغوا حرفاً في "طريق الشعب"، احني هامتي حباً واحتراماً وتبجيلا.