العبور

ليلة التاسع من أيلول سنة 1983 إجتزنا الحدود وأرواحنا منغمسة بترقب وتوجس لا يقلل من حدة تأثيرهما سوى سكون شامل ومطلق وسماء اخترقتها ملايين النجوم الصغيرة باشعاعها الذهبي المبهر وضوء خافت لقمر شاحب وخجول. نحن الآن تحت رحمة سوط المجهول، ولا نعرف إلى أين نسير ولا في أي إتجاه. الفضاء والارض يتراميان أمامنا كشيئين غامضين أقرب إلى لغز محير. لا شيء يقع في نطاق إرادتنا الآن، حتى فكرة الرجوع باتت مستحيلة في غياهب هذا الظلام المتفشي ومفازات هذه الأرض الصلدة الغريبة. بدأنا نقترب من الطريق العام الذي لا بد لنا من إجتيازه. الطريق الذي تتنشر على أطرافه مواقع للجندرمة التركية وتراقبه تلك الجندرمة عن كثب وعلى مدار الساعة.

على نحو مباغت إنبثق من العدم  شعاع حاد قوي ساطع من بروجكتر دائري كبير في الفضاء المعتم للمكان. جاء الأمر من الدليل بالانبطاح وعدم الحركة. فانبطح الجميع تنفيذا للامر. وأنا منبطح مثلي مثل الآخرين  ومتواري خلف شجيرات شوكية ضئيلة الحجم، بتُّ أسمع أنفاسي اللاهثة المتقطعة، وضربات القلب الواجفة المتسارعة. إنبلجت في قحف رأسي عشرات الأفكار السريعة. ما الذي أفعله هنا الآن في يوم عيد ميلادي في مكان غريب موحش يشبه صحراء مقفرة لا يقربها إنس أو جان؟. أنا أقرب إلى الموت من الولادة والحياة في هذه اللحظات الداكنة اللزجة والمرهقة. ورغم أنني ضمن مجموعة كبيرة إلا أن احساسا قاتما بالوحدة داهمني كغول مفترس، احساس كان أقرب إلى العدم منه إلى الصيرورة والوجود. رعشات كهربائية تنغز في شرايين الجسد واوردته كأبر دقيقة، والفاصل بين الموت والحياة يتضائل مداه إلى حد ينعدم فيه التمييز بينهما إلى حد بعيد.

دقائق ثقيلة شبه ازلية يتخللها مذاق يضرب الأفواه بمرارة طعم الموت. ها هي مدرعة للجيش التركي تقف وسط الطريق العام، ومن البروجكتر المثبت على أحد حافاتها رأينا جندرمة تركي يدير هذا البروجكتر، كما لاحت لنا سبطانة ضخمة لسلاح ثقيل موجهة باتجاهنا. إنطفأ البروجكتر بعد لحظات وجيزة وعلى حين غرة استدارت المدرعة وغادرت المكان. هل شاهدنا الجندرمة الأتراك ولكنهم غضوا النظر وقرروا عدم الاصطدام بنا والدخول معنا في معركة خوفا على حياتهم؟!، لحد الآن لا افهم كيف تسنى لهم إلا يكتشفوا أحدا من هذا الجمع الكبير من الرفاق الذين انتشرت أجسادهم في ذلك المكان المنعزل الموحش شبه المكشوف.

بقينا مستلقين على الأرض الوعرة الصلدة متخفين بين الأعشاب او الشجيرات الشوكية المنتشرة بكثرة هناك. الدقائق تمر بطيئة كحركة سلحفاة، ويبدو للمرء وكأن الحياة توقفت تماما لولا نبضات القلب القلقة المتصاعدة في تلك اللحظات العصيبة. ماذا لو قرر ذلك الجندي الجندرمة الذي يقف خلف ذلك السلاح (اعتقد أنه رشاش أمريكي الصنع يطلق عليه سلاح آل 500) تمشيط المنطقة؟، ما الذي كان سيحدث لو سدد ذلك الجندي نار طلقاته القاتلة باتجاهنا، شهداء وجرحى ومشردون يهيمون على وجوههم في برية لا تعرفهم ولا يعرفونها!؟، ماذا لو أُصيب الدليل نفسه!؟. بعد أكثر من عشر دقائق، جاء الأمر من دليل المفرزة بعبور الشارع. كان الشارع، على قدر ما اتذكر الآن، مرتفعا عن الوادي الذي كنا نختبئ فيه، وكان علينا أن نجتاز الشارع على شكل مجاميع صغيرة وبسرعة فائقة. إجتزت الشارع مع ثلاثة أو أربعة رفاق لا اتذكر العدد بالضبط، ثم إنحدرنا إلى الجانب الثاني وهذا يعني الوصول إلى بر الأمان نوعا ما.

في دمشق توطدت علاقتي بأحد الرفاق بسرعة إلى الحد الذي بات كلانا يشعر وكأننا نعرف بعضنا منذ زمن طويل. لكن ذلك الرفيق منذ وطأت قدماه أرض الشام بانت عليه بوادر أزمة نفسية، وأخذ الحزن يطغي عليه ويأكل روحه وجسده معا. أسرّ لي في جلسة شرب ثنائية في أحد بارات دمشق: أنّ له إبنة في عمر المراهقة تركها هناك وحيدة مع امها وأن إرهاصات فقدها تسبب له آلاما مبرحة جمة لا تطاق وتمزق نياط قلبه الهش إلى حد أن عيناه كانتا تترقرقان بالدموع بمنتهى السهولة كل مرة يأتي على سيرة إبنته الوحيدة تلك. وفي كل خطوة إضافية نخطوها باتجاه الوطن كنت ألاحظ ان وضعه النفسي ينحدر نحو الأسوأ ويتدهور أكثر فأكثر وعلى نحو متسارع. في إحدى الاستراحات انتحيت به جانبا، وكنت متعاطفا معه أشد التعاطف، وقلت له دون لف ودوران :

-   رفيق انت مو كلت أنت عندك علاقة قوية جدا بالرفيق القيادي الفلاني وهو مسؤول كبير في القاطع اللي رح نروح له. من نوصل فاتحه بالموضوع بلكت يرتبلك أمر رجوعك إلى الخارج.

أجابني بنبرة صوت مرهقة وحزينة جدا :

-    رفيق أبو نسرين آني دا أفكر بنفس الشيء، خل نوصل سلامات اولا والله كريم....

حينما وصلنا إلى مقر قاطع بهدينان الجديد، زيوة، بعد أكثر من أسبوعين مشيا على أقدامنا المتورمة المدماة، اكتشفنا أن هذا الرفيق القيادي كان قد رحل إلى منطقة لولان. على هذا الأساس طلب ذلك الرفيق أن يتم ترحيله إلى منطقة لولان وذلك ما تم بالفعل. ومن هناك تم إعادة تسفيره إلى البلد الذي أتى منه بعد فترة لم تزد عن الشهرين أو الثلاثة أشهر على ما أتذكر.

ما زلت أكن مشاعر ود خاصة لذلك الرفيق واكن له الكثير من التقدير والاحترام لصراحته رغم اننا لم نلتق ثانية بعد افتراقنا في قاطع بهدينان قبل ستة وثلاثين عاما.