حكايات (12 )

13-11-2022

لكني كنت منتظرا.. بلهفة وقلق ما هو الموضوع او المشكلة التي يريد ان يحدثني بها ! قال سامي ,إذا رغبت بالخروج من البيت فاخذ رفيق اخر معك

سحبت نفسا عميقا, شعرت بالراحة النفسية ليست كما كنت اظن كانت نصيحة محق تماما حينها . لم اجب بشيء ذهبت الى داخل البيت وخبأت علبة العسل في مكان ما ,التي كانت بيدي، ومن حسن الصدفة لم يسألني عنها ؟ 

لم اعطي لنفسي الوقت الكافي في التفكير كثيرا من الذي سوف اختار؟ من بين أكثر عشرين نصير (بيشمركة)   يعيشون في البيت. كنا  قد عشنا ظروف صعبة تختلف عما نعيش هنا في هذا البيت.

ولكل واحد منا له أفكاره وأسراره الخاصة ووجهة نظرة فيما حدث ويحدث في البيت. ( كان يعتقد البعض ان تجربة الانصار( البيشمركة )كانت تجربة رائعة اعطت زخما معنويا كبيرا لوجود الحزب الشيوعي في داخل العراق واثباتا لوجوده بالرغم كل الظروف والتضحيات. والبعض الاخر كان يعتقد انها تجربة غير مجدية ( فاشلة ) لم تقدر ظروف توازن القوة مع السلطة  الدكتاتورية معولة على استمرارية  الحرب فترة اطول ! والبعض الاخر يجد محاولة الهروب الى الامام أفضل تجنبا لاي موقف مع طرف معين , ربما يعتقدون في كل الاحوال ان الجميع مناضلين كانوا لديهم حلم كبير بأسقاط الدكتاتورية لإيجاد البديل الديمقراطي !! ومستعدين للتضحية بحياتهم لتحقيق هذا الهدف ...) فكرت في من سوف اختار ؟ لكي اخرج من البيت ..الجميع هنا رفاق مناضلين رائعين . الأسماء كثيرة من ضمنهم (خالد، رزكار ,سامي، عسكر، شاكر،جاسم، طه ,سربست) وأعمارهم متفاوتة ولابد ان اختار ما يناسب عمري حينها. 

          تعلمنا بسبب ظروفنا الاجتماعية في العراق كنا نحرص على ان نكتم على بعض اسرارنا شاءنا ام ابينا , عندما كنا في بيوتنا مع اهلنا . وهذا كان من الواجب علينا, ان  لا نبوح سرا عن ما يحدث في بيوتنا.

وزادت على ذألك عند دخولي للحزب ,حيث كان اللقاء سريا سواء  في البيوت او خارجه, وهذا لا يسمح بالبوح به

في  هذا البيت الكبير ربما فيه  الكثير من بعض التفاصيل الخاصة التي اعتبرها جزء  من اسراري لا أستطيع البوح بها. وهذه سوف تبقى معي الى حين موتي، لأنها سوف تبقى تغذى اسرار الكون من خلال الأرض التي ادفن فيها الى أوراق الشجر واوراق الزنبق التي ربما تذكر الأحبة بما كنا نحب ونعشق ونحلم عندما يأتون لزيارتنا. (فشلت محاولاتي بإيجاد صديق لي في داخل الجامعة أتمن اليه  في ما اريد اتحدث به , في أحد المرات  عن طريق الصدفة التقيت بصديق كانت لنا صداقة قديمة عابرة عند دخولنا الجامعة وهو في  السنة الرابعة والاخيرة(كما اظن ) في قسم الفندقة والسياحة اسمه حميد المختار *. بعد فترة تطورت العلاقة , حيث كانت لدينا مشتركات في حب الادب وقرأه القصص والروايات .

كنا نلتقي في مقهى صغير خلف شارع الجمهورية بمسافة قريبة , وكأننا نتحاشى الاخرين...! استمرت العلاقة بيننا  لفترة اسبوعين . بعد تخرجي من الجامعة حينها لم تكن الفرحة مميزة حيث ذهبت الى الاستعلامات , واستلمت الشهادة بظرف مغلق, كان  بسبب غيابي سنة عن الدراسة حينها كنت قد دخلت سراديب النجف !؟ بعدها ذهبت الى الخدمة الالزامية بداية(1982).

كنت مضطرا لاختيار رفيق لكي أستطيع الخروج من البيت ,من بين الموجودين وقع اختياري على رفيق اسمه عسكر , كان وسيم وشخصية محبوبة تقريبا من الجميع يمتلك روح مرحة . لم تكن لنا علاقة مميزة لأنه كان في فصيل المقر وانا كنت في السرية الخامسة. يمتلك الكثير من الصفات الجميلة. ما في قلبه وعقلة يكون على لسانه!

بعد يومين من بقائي في البيت ,تحدثت مع الرفيق عسكر إذا كان لديه استعداد ان يخرج معي والذهاب الى المدينة والسوق بالذات ,كان رد ايجابيا.. في اليوم التالي ذهبنا سوية الى المدينة والسوق ايضا ,بالرغم نحن لا نعرف لغة المدينة , كان السوق مكتظ بالباعة ,

كانت المرأة ذو الوجه والملامح الغجرية واقفة وعينيها تنظر في كل الاتجاهات كأنها تنتظر الغرباء والتائهين لتصطادهم وتبيع لهم ما لديها من علب العسل الزجاجية.    رجعنا الى البيت متأخرين، وهذا كان غير مناسب، بالرغم كان البعض ينام خارج البيت بسبب امتلاكهم علاقة جميلة مع نساء من المدينة.

في أحد الايام كنت واقفا مع بعض الرفاق بانتظار العشاء دخل رزكار البيت وقام كالعادة بالتحية على الجميع لاحظ البعض وانا منهم بانه حامل كيس فيه يبدو شيء ما! الفضول جعل البعض يسأل ما هو الشيء الموجود في الكيس؟ فتح رزكار الكيس معلنا المفاجأة. أعلن بصوت فيه من الفرح والدعابة المسلية التي جعلتنا نضحك، اشتريت لكم علبة عسل!! هنا ضحكت مع نفسي وتذكرت انني خبأت علبة العسل الزجاجية التي لم افتحها واذق طعمها، والتي لم اتذكر اين خبأتها!؟

كان هنا الجميع بانتظار دوره في الذهاب الى سوريا، كما يشاع، منذ بداية وجودنا في البيت......يتبع                            

____________________________

القاص والروائي حميد المختار