في الذكرى الاولى لرحيل لطيف حسن .. ذكريات من وحي شوشان العليا

في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي وخلال وجودنا في صفوف الحركة الانصارية في فصيل الاعلام ابلغنا الرفيق عبد الرزاق الصافي عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي ومسؤول الاعلام المركزي للحزب بأن نتهيأ أنا والرفيق لطيف حسن للذهاب والعمل في اذاعة الحزب الاشتراكي الكردستاني في شوشان العليا.

نحط الرفيق لطيف حسن وأنا ضيوفاً على الحزب الاشتراكي، هو بصفة محرر، وانا بصفة مذيع، وفي احايين اعد المواد الاذاعية ايضاً. مضى ما يقارب العام في هذه الاذاعة التي كان مسؤولها المباشر السيد سعد عبد لله القيادي في الحزب الاشتراكي والذي اصبح فيما بعد وزيرا للزراعة في الاقليم ثم استشهد لاحقا بسيارة مفخخة حيث أطلق اسمه على احدى القاعات المشهورة في اربيل.

وخلال هذا العام الذي جمعنا سوية. كنا نقرأ ونتحاور ونتبادل الكثير من الخصوصيات. حدثني عن مشاركاته المسرحية ببغداد في اطار فرق مسرح الفن الحديث يوم مثل دور ”أنور“ في مسرحية ”مسألة رشف“ لكاتبها عبد الجبار ولي ومن اخراج الفنان المبدع بدري حسون فريد، وقد قدمت في الكويت في النصف الاول من اذار عام 1967 وبغياب مخرجها. وعن تمثيله لدور (خلدون) في مسرحية (صورة جديدة) للكاتب يوسف العاني واخراج الفنان القدير سامي عبد الحميد والتي قدمت من قبل فرقة المسرح الفني الحديث وتحديدا في 21 كانون الاول 1967.

حدثني عن مسرح السجون ودور الشيوعيين في انعاش مثل هذا المسرح في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي وكيف ان مسرحيتي (المفتش العام) لغوغول و (افول القمر) لجون شتاينبك قدمت في السجون قبل تقديمها في المسارح الكلاسيكية.

ومن ارض الوطن اسمع منه الكثير عن الفنان شهاب القصاب والفنان الكوميدي البارع جعفر لقلق زادة. حدثني عن اعتقاله عام 1963 في ملعب الادارة المحلية في المنصور الى جانب الفنان يوسف العاني وجمهرة من المثقفين اليساريين وما مروا به من حفلات تعذيب بشعة ويومية على ايدي الحرس القومي والبعث المجرم. وقد جسد الفنان يوسف العاني في مسرحيته الشعبية (اويلاخ يابه) بعضا من تلك الملاحم البطولية والتحديات، ونشرت المسرحية قبل اعوام في كتاب يتضمن سيرة وتجربة العاني وتحت عنوان (فنان الشعب).

نختلف احيانا، فهو ممن لا يهتم كثيراً بمظهره الخارجي وملبسه الكردي الشروال، فامزح واياه في لحظة واتساءل: انت دمث الاخلاق، مربوع القامة، ألم يخبرك احد بان ثمة شبه في ملامح وجهك مع الهنود والافغان رغم انك من اصول كردية!؟. يبتسم ويرد قائلا وبالعامية: هاي شلك بيها؟.!

هو من مواليد 1945 ومن مدينة كلار. ذات ليلة اخبرني ان الحزب أرسله في النصف الاول من سبعينيات القرن الماضي الى دورة حزبية في المانيا لتطوير كفاءته الفكرية والسياسية. في بغداد وخلال فترة الجبهة الوطنية تراه متفرغاً للعمل الحزبي في خط المثقفين، يتنقل ما بين الفرق المسرحية الاهلية، ((الفن الحديث، المسرح الشعبي، فرقة مسرح اليوم)) يتابع الرفاق ويحمل اليهم الادبيات ويتفقد أوضاعهم.

يضطر لمغادرة العراق في مطلع عام 1979 الى بلغاريا هرباً من بطش السلطة الدموية بعد وصول الجبهة الوطنية الى طريق مسدود. يلتحق بصفوف الحركة الانصارية، وتجمعنا الايام في منطقة ناوزتك عام 1981 في جبل شاه جيو حيث مرسلات إذاعة صوت الشعب العراقي تبث من هناك. ومن ابرز الوجوه الاعلامية التي عملت في الاعلام والاذاعة: عواد ناصر، كاظم الموسوي، مهدي عبد الكريم، حمه رشيد، الراحل دلزار، رفيق صابر، هاشم كوجاين، محمد رنجاو وأبو دلشاد وعذرا للاخرين. ولورود معلومات عن إمكانية قيام النظام الدكتاتوري بالهجوم على منطقة ناوزك، تقرر نقل الاذاعة الى بشت اشان في خريف عام 1981، وتوقف عن البث الى حين وصول المكتب السياسي والاعلام المركزي. وخلال احداث بشت أشان تعرض النصير لطيف حسن للاسر من قبل قوات اوك في الاول من ايار 1983.

خلال وجوده في الحركة الانصارية ألقى العديد من المحاضرات عن تاريخ المسرح العراقي وبداياته، كما ساهم في اعداد النصوص المسرحية  منها (الغجر يصعدون الى السماء) لبوشكين والتي اخرجها الفنان سلام الصكر.

عام 1988 يتوجه عابراً الحدود الى أفغانستان ومنها الى الاتحاد السوفيتي ثم الى دمشق ويتعرف على شريكة حياته فيها، ثم يستقر في الدنمارك.  يتفرغ للكتابة عن الانصار، نطالع له كراساً بعنوان الصحافة الدفترية  للانصار الشيوعيين بين عامي 1980 – 1988.

وفي مكالمة مع الفنان علي رفيق الذي تربطه علاقة حميمة مع الراحل لطيف حسن، اخبرني بان لابي واثق ابنة اسمها سارة ولها خمسة وعشرين ربيعا وحاصلة على الماجستير هندسة، وان النصيرة استيرا التي كانت تعمل في اعلام الحزب كانت على مقربة منه عندما غادرنا الى العالم الاخر.

لكم هو محزن رحيلك يا رفيقي. لكم هو محزن ان تموت بعيداً عن الوطن. ايها الاعلامي والفنان المثابر والدؤوب والذي ظلّ وفيا لمثله ومبادئه دون ان يساوم او يهادن. صبراً جميلا للعزيزة – سارة – ولكل محبيك.