في الذكرى السنوية الأولى لرحيله .. لطيف حسن الشيوعي المسرحي الصامت – الدؤوب

في أوائل ستينيات القرن الماضي تولع الشاب لطيف حسن بالمسرح حيث فتحت ثورة ١٤ تموز عهدا جديدا للإبداع فتأسست مصلحة السينما والمسرح التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد وكان باكورة إنجازاتها الموسم المسرحي العراقي الأول (والأخير) عام ١٩٦١فدعت الفرق المسرحية لتقدم كل فرقة عرضا مسرحيا وبتمويل حكومي، وكان الشاب لطيف قد إنضم حينها الى فرقة المسرح الحديث التي كانت تستعد للمشاركة في ذلك الموسم بمسرحية (الخال فانيا) للروسي تشيخوف يخرجها عبد الواحد طه ، ولطيف آنذاك كان أصغر أعضاء الفرقة عمرا ( ١٦ عاما) وأختاره المخرج لأن يكون مساعدا لمدير المسرح ومنفذا للإنارة المسرحية (عرضت المسرحية في قاعة الشعب، فقيرة التجهيزات التقنية، كان أحد مشاهد المسرحية يعتمد على الإضاءة، التي عليها ان تحدث تأثيرا سايكولوجيا ، فتتغير شدتها تدريجيا من الظلام الى السطوع التام ، محاكاة للشمس، لتنفيذ ذلك أبتكرت عملية بدائية بتمرير اسلاك كهربائية بوسط وعاء فيه ماء، نفذها لطيف ببراعة ووسط خوف زملائه لخطورة احتمالات إصابته بالصعق الكهربائي) ، إنهما مهمتان تنطويان على أهمية كبرى في تنفيذ مثل هذه المسرحية الصعبة ، فكانت فترة التحضير والإعداد والتدريبات بمثابة دروس في العمل المسرحي ، تعلم منها لطيف حسن الكثير وزادت من شغفه بعالم المسرح الساحر ، وزادت من التصاقه به بعد ان عرف طبيعة الدور الذي يلعبه المسرح في عملية التنوير المعرفي وخطوات التغيير التقدمي في المجتمع ،(إعطني خبزا ومسرحا أعطيك شعبا مثقفا).. فأختار لطيف حسن ، بوقت متواز الإنضمام للحزب الشيوعي العراقي ، ومن هنا بدأ إنتماؤه وخياره المسرحي والشيوعي ، يرسم مجريات حياته التي كرس نشاطه فيها ، على الصعيدين، بجهد متواصل ودون كلل .. فهو الى جانب مشاركاته في أعمال فرقته المسرحية ، التمثيل ( مثلَّ في العمل التلفزيوني "واحد اثنين ثلاثة" ، والعمل المسرحي "مسألة شرف" مثلا) وكثير من الأعمال خلف الكواليس ( الديكور ، الإنارة ، الإكسسوار، المؤثرات ....الخ) لكنه انصرف أيضا للكتابة الصحفية في مجال التغطيات الصحفية لأعمال فرقته ثم التحول للكتابة النقدية للعروض المسرحية وفيما بعد الى البحث في تاريخ الحركة المسرحية العراقية وجذورها ، وقد ترك العديد من المقالات التي نشر أجزاء منها على (الشبكة العنكبوتية - الأنترنت ) وفي مواقع الكترونية متعددة ( سلسلة مقالاته العديدة المعنونة "فصول من تاريخ الحركة المسرحية" وغيرها الكثير من الأمثلة كسؤاله المضني لماذا لم يعرف العراقيون القدماء المسرح؟!) وهذه الكتابات التي دأب على تدوينها لطيف حسن على مدى سنوات حياته ، كانت مشاريع لعدة كتب (لم ينجزها لصعوبات مادية، فهي لم تحتج سوى دفعها للمطبعة) ، وحالّ دون تنفيذها أيضا ، عدم إستقراره الحياتي نتيجة الأحداث التي عصفت بالوطن ، التي أثرت على نتاج لطيف الإبداعي كغيره من المبدعين العراقيين ، الذين كابدوا وعاشوا مأساة شعبهم سواء في الوطن أم في منفاهم القسري والطويل .

ولد لطيف في الأول من آيار ١٩٤٥ وأنهى دراسته الثانوية ولأنه كان مسؤولا عن عائلته ، لم يلتحق بالجامعة وتعين في مؤسسة الطيران المدني، وأعتقل ابان الإنقلاب الفاشي عام ١٩٦٣،وإستانف العمل حين أعيد تأسيس الفرق المسرحية عام ١٩٦٥ بعد ان أغلقتها سلطات الإنقلاب .. وعاد أيضا لممارسة العمل الحزبي السري فساهم مع رفاقه في إعادة تنظيمات المثقفين .. وفي عام ١٩٦٨ شكلوا نواتات أولى من الفنانين مساهمة منهم في إعادة تأسيس اتحاد الشبيبة الديمقراطي العراقي وتكللت جهودهم بتشكيل وفد سري شارك في المهرجان التاسع للشبيبة والطلبة العالمي الذي عقد صيف عام ١٩٦٨ في العاصمة البلغارية صوفيا  ..وعاد وشارك مع الوفد الشبابي العراقي الموحد (زمن الجبهة) عام ١٩٧٣ في المهرجان العاشر الذي أقيم في برلين عاصمة المانيا الديمقراطية .. وفي الفترة ١٩٦٨-١٩٧٤ ساهم بالعمل الجاد في إستتباب التنظيم الحزبي والشبابي الديمقراطي في المجال الثقافي في بغداد عموما وخاصة في الوسط الفني ( مسرح ، تشكيل، موسيقى ، سينما) .. مما حدا بالحزب لمنحه زمالة حزبية لدراسة العلوم الاجتماعية في المانيا الديمقراطية ، إذ ترك وظيفته ، وتفرغ بعد عودته للوطن للعمل الحزبي ..لكنه أبى ان يستلم مساعدة مادية من الحزب ، فعمل مراسلا في فرع شركة السياحة العالمية (توماس كوك) ولم يستمر طويلا ، إذ إضطر الى إختيار المنفى القسري في مواجهة الهجمة الشرسة التي شنها النظام الدكتاتوري الفاشي عام ١٩٧٨ضد الشيوعيين والقوى الديمقراطية فسافر الى بلغاريا ثم الى اليمن الديمقراطية ومنها التحق بفصائل الإنصار حين أقر الحزب الكفاح المسلح أسلوبا رئيسيا في النضال وذلك عام ١٩٨٠ وكان من بين اوائل الملتحقين في منطقة نوزنك وساهم مع الإنصار في أول إذاعة سرية للحزب في كوردستان عام ١٩٨١فكان من أسرة تحريرها في منطقة بيتوش الجبلية ذات الظروف القاسية والتي اطلق عليها الأنصار "وادي العقارب" حيث ذكر لي لطيف :" كنت اثناء الحراسة أراقب من حولي في الظلام الدامس خوفا من تسلل عدو .. وأتحسس ساقي لئلا ان تكون تسلقت العقارب " .. تنقل لطيف مع الإذاعة "صوت الشعب العراقي " التي كان الأنصار يغيرون مكانها بين الحين والآخر ، طلبا لآمان استمرارها من غارات العدو، حيث استوطنت خاصرات جبال في بشت ئاشان ، ولولان ، وخواكورك ، فكان ضمن هيئة تحريرها ، وحتى انه أعيرت خدماته الكتابية الى  إذاعة حزب حليف "الإشتراكي الكوردستاني" .. لم يقتصر لطيف على هذا العمل فقد كان دائب النشاط يكتب لصحافة المنظمات الديمقراطية ( السرية ) وساهم في نشاطات فرع الآنصار لرابطة "ركص فدع" ( الكتاب والصحفيين والفنانين الديمقراطيين العراقيين ) التي تأسست في خارج الوطن وبلغ عدد أعضائها اكثر من ٥٠٠ مبدع توزعوا على منافي الشتات المختلفة وأصدرت في الجبل مجلة ( ثقافة الأنصار) ..وكان يتحدث في أمسيات تخصص لإحياء يوم المسرح العالمي في السابع والعشرين من آذار وطيلة الأعوام الطويلة التي بقاها في الجبل .. ومسّرح قصيدة للشاعر الروسي تحت عنوان "ضجيج الغجر" قدمت ضمن عروض المسرح الأنصاري .. وعكف لسنوات في جمع المجلات الدفترية التي كان الأنصار في الفصائل والسرايا والأفواج في القواطع الأنصارية المختلفة يكتبونها .. وعمل على توثيقها وتصوير أغلفتها وقام بفهًّرسة مواد كل عدد منها ، وتثبيت جرد بها بعناوينها واجناسها الإبداعية ومن هم كتابها ، وأغلب تلك المجلات تكتب بخط اليد ، او بالآلة الكاتبة ، وكل عدد منها يصدر بنسخة واحدة او نسختين يتداولها الأنصار في مقراتهم او مفارزهم وهي تجربة فريدة ، طبعها لطيف حسن أبو واثق بكتاب عنونه " المجلات الدفترية : صحافة فقدناها للأبد" .. عُرف عن لطيف حسن (أبو واثق) نصيرا ملتزما ، يعمل بصمت ، يؤدي واجباته بجد وإخلاص ، حتى تلك التي لا تسمح به طاقته البدنية ، وقد عانى من مصاعب الحركة ، وتعرض للأسر في الهجوم الغادر الذي شنه الاتحاد الوطني على الشيوعيين في بشت ئاشان .. وبعد هجوم النظام على إقليم كوردستان (الإنفال والقصف الكيمياوي) عام ١٩٨٨ إضطر لطيف حسن ، مع العديد من رفاقه الأنصار الى مغادرة الوطن ، عبر إيران ، ودخل أفغانستان ، بعد مسيرة على الاقدام، صعبة وشاقة .. وبعد إعتقال .. وصل الى بلغاريا فدخل ثانية الى مدرسة حزبية ، ثم سافر الى سوريا وهناك تزوج من فتاة سورية (المهندسة سلمى مير علي ).. هاجر معها لاجئا الى الدنمارك وأنجبا ابنتهما سارة .. لكن سرعان ما توفيت زوجته .. فتولى لوحده تربية ابنته التي أكملت دراستها العليا .. ووافاه الأجل في ٦ كانون الثاني ٢٠٢١ بعد معاناة من عدة أمراض .. للطيف حسن (النصير أبو واثق) الذكر الطيب أبدا وسيبقى في ذاكرة ووجدان كل من عرفه .