مدينة القامشلي في ذاكرة الحزب الشيوعي العراقي ـ11ـ

تتمة الحلقة ـ 10 ـ ... لنرى مَنْ أوقعَ بمنْ؟

  يقول الرفيق سعيد: المنفذ الذي يسلكه صبري يقع مباشرة على المثلث الحدودي (العراقي ـ التركي ـ السوري) وعند مصب نهر خابور في نهر دجلة. وهو يعمل بمفرده في هذا المنفذ بدون مساعدة الأخرين أو مساعدين له، وهذا عامل إيجابي بالنسبة لنا؛ يساعدنا على تضيق دائرة المعلومات عن عملنا وحصرها في إطار مسؤولي المحطة فقط. ودون انتشارها وتسربها إلى أوساط أخرى؛ ولم تكن إمكانية هذا المنفذ يتحمل عبور أكثر من عشرة أشخاصٍ في أحسن الحالات؛ نظراً لكثافة الربايا العسكرية العراقية. لم نكن نتجرأ في ارسال الملتحقين الجدد من الرفاق من خلاله لعدم اطمئنآننا الكامل للدليل من جهة، ومن جهة ثانية لافتقارنا للمعلومات اللوجستية عن التغيرات العسكرية التي طرأت وتطرأ في المنطقة بين فينة وأخرى، لذا اعتمدنا على المقاتلين من رفاق مفرزة الطريق. أنا أستعيد ذهنية تلك الفترة التي كانت مليئة بالمخاوف من المكائد والدسائس التي كانت تحاك ضد الحزب. كان لابدَّ من إيجاد معالجات وتدابير أمنية لها للحيلولة دون الوقوع في مصيدةٍ قد تنصب لنا ونعلق بها في حال إذا كان وراء لجوء هذا الدليل للمحطة مآرِب معادية لنا. أرسلنا أول مجموعة معه من رفاق مفرزة الطريق وهم من المقاتلين الجيدين ومن دون الرفاق الملتحقين الجدد (للأسف لم أعثر على الأوراق التي توجد فيها المعلومات عن هذه المجموعة، وأتطلع إلى مساهمات الرفاق الذين كانوا في قوامها لرفد هذا الاستذكار بمعلوماتهم). قررنا إرسال رفيقين إضافيين من المقاتلين العاملين في محطة القامشلي مع الدليل في الرحلة الأولى؛ على أن يرجعا معه بعد إيصال المجموعة إلى المكان المتفق عليه. وأعطينا التوجيهات للرفيقين بمرافقة الدليل(صبري) بإيصال الرفاق إلى (جبل بخير) والعودة معه في نفس الليلة؛ والحذر من أي حركة تبدر منه والانقضاض عليه في حالة ظهور بوادر الخيانة منه. وأوضحنا لـ(صبري) بأن الرفيقين يرافقانه أثناء العودة لحمايته؛ كان ضمن ما كان لدينا من الظنون ولو ضعيفة من أن يلجأ بعد إيصال الرفاق إلى الجبل وفي طريق العودة محاولة إرسال إشارة ما إلى الربايا العراقية للوشاية بوجود الرفاق في كهوف جبل (بي خير). وكان هذا أجراءً احترازياً وبالرغم من وجود عائلته في سورية ومن المستبعد الأقدام على هكذا عمل؛ لكنه في كل الأحوال إجراء وقائي لابد منه.

ويستطرد الرفيق سعيد في حديثه ويقول: استمر عمله معنا عدة أشهر وجرى بنجاح وأحيط بسرية تامة. وبذلنا ما كان بوسعنا في البداية لتجنب أعلام المخابرات السورية بتلك العمليات للتستر على الدليل؛ لا سيما هو معروف لهم؛ عندما كان يعمل مع (مكتب شؤون العراق). ولتلافي الأحراج مع عنصر المخابرات (احمد بدران) الذي بدأ بمرافقتنا بعد أن عرفوا بالصدفة عبور مجاميع من المثلث الحدودي، عندئذ كنا نترك احمد بدران في وادي (چم شرف) الذي يبعد بعض الشيء عن نقطة العبور ونوصي الدليل بانتظارنا عند الماء كي لا يشخصه (أحمد بدران). كنا قد خططنا لأمور أكبر وأوسع مع (صبري) بعد أن تسلل الاطمئنان شيئاً فشيئاً عن وضعه إلى قلوبنا. وأستقر وضعه الاقتصادي والنفسي نسبياً بعد مده بالعطاءات المالية.

  بعد عدة عمليات التي تكللت بالنجاح، غمرتنا الغبطة والنشوة من أننا رمينا لـ(صبري) بطوق النجاة لإنقاذه من الوضع المادي والمعاشي المزرى الذي كان يعيشه هو وعائلته بعد تركه العمل مع (مكتب شؤون العراق)، وفي الوقت نفسه كسبنا دليلاً ذا إمكانيات كنا نتوق ونبذل المساعي لإيجاده ومعه هذا المنفذ الجيد والقريب ...الخ. إلا أن طوق النجاة الذي رميناه اليه أخطأ مساره بعد تعرّضه لرياحٍ هوجاء من عناصر لأحد الأطراف في المعارضة العراقية (...) حرفته عن مساره إلى هدفه، وكاد يودي بحياته.

  يقول الرفيق سعيد: بعد أشهر من العمل معنا وبإرسال المفارز الصغيرة، يظهر (عناصر) من ذلك الطرف، من خلال مراقبته لوضع (صبري) والتحسن الذي طرأ على وضعه المادي، بدأ بالتقصَّي والتحرَّي عن المصدر الذي يمد (صبري) بالمساعدات المالية. لقد اوصيناه مراراً منذ بداية عمله معنا بتحاشي زملائه السابقين في العمل، عدم البوح بعمله في الحدود؛ لأن الكل يعرف بان هناك حزبين ناشطين في الحدود وهما الشيوعي العراقي والديمقراطي الكوردستاني، وبما أن الديمقراطي لديه ادلاء خاصون به من أهالي منطقة زاخو وهو ليس بحاجة إلى (صبري)؛ فلابّد انه يعمل لصالح الحزب الشيوعي العراقي؛ ولم تكن نجاحات محطة القامشلي في إرسال المفارز والسلاح إلى كوردستان حيث مقرات الحزب موضع ارتياح تلك العناصر؛ فبدأت بالنبش عن علاقة (صبري) بمحطة القامشلي للحزب الشيوعي العراقي.

 يضيف الرفيق سعيد: أدركتُ من خلال بعض المعلومات والهمسات بأن هناك شيْ يحاك ضد (صبري). طلبتُ منه تقليص تحركاته والحفاظ على سرية عمله معنا، وتحولت اللقاءات بيننا سرية وفي بيت الرفيق الشيوعي السوري عبد الأحد (أبو سليم). وجمدنا عمله فترة، إلا أن إجراءاتنا كلها ذهبت سُدى. فما لبث أن أكتشف هؤلاء عمله معنا. ولم يتوانوا لحظة للإيقاع به؛ وبوشاية كيدية اعتقل (صبري) من قبل المخابرات السورية بتهمة العلاقة مع المخابرات العراقية وهي تهمة آنذاك تعني الموت.

 لغزٌ ظل يشغل بالنا؛ هل كانت الوشاية الكيدية المستهدف بها هو (صبري)؟ أم الحزب الشيوعي العراقي بوضع العصى في عجلة عمل محطته في القامشلي؟ أم الأثنان معاً؟! 

  تدخلنا لدى المخابرات لكن دون جدوى، وصادف عودة الرفيق جلال الدباغ إلى القامشلي وتدخل هو الأخر بدوره لدى المخابرات، لا فائدة كانت ترجى من كل محاولاتنا، وبما أن التهمة كانت خطيرة، لم نستطع رفعها إلى مستوى القيادات خارج مدينة القامشلي ومحافظة الحسكة. وعززت تلك التهمة الزعم بان (صبري) حاول الهرب أثناء التحقيق.

 وللأمانة أقول إن السيد (أبومدين) لم يفتح موضوع (صبري) معنا يوماً من الأيام وبقيت العلاقة واستمرت بين (مكتب شؤون العراق) ومحطة القامشلي للحزب الشيوعي طبيعية، واستمرت على نفس الوتيرة حتى بعد التغيرات التي طرأت على قيادة حزب البعث (الجناح السوري) وازاحة المرحوم (جبار الكبيسي) من أمانة سر قيادة القطر والسيد (ابومدين) وأخرين. واستلام الدكتور فاضل الأنصاري أمانة سر قيادة القطر والدكتور (حامد السوادي) مسؤولية فرع القامشلي لـ(مكتب شؤون العراق).

 يستمر الرفيق سعيد في سرد ذكرياته: تم تغيب المسكين (صبري). عرفنا من خلال علاقاتنا الخاصة بأنه رُحِلَ إلى دمشق؛ وشائعات أخرى من البعض بانه أعترف بجرمه، لكن الأخرين ينفون صحة التهمة التي أُلبسـتْ عليه. في كل الأحوال أصبح ضمن المفقودين، ساعدنا عائلته فترة.  بعد قضائه بضعة سنوات في السجون السورية بلا محاكمة.

يقول الرفيق سعيد: بعد مغادرتي لمدينة القامشلي؛ أطلق سراحه عام 1989، ولم أَلتقِ به.