أوكرانيا، إعادة الإعمار والمستقبل

فيتالي دودين*
ترجمة: حازم كويي

في أوائل يوليو، التقى مسؤولون غربيون وأوكرانيون رفيعوا المستوى في سويسرا. كان الهدف منه مؤتمر إعادة الإعمار في لوغانو،من أجل أن يتفاوض ممثلو رجال الأعمال والحكومة على الاستثمارات والإصلاحات السياسية اللازمة.
لم تتسبب حرب روسيا ضد أوكرانيا في مقتل آلاف الأشخاص وتشريدهم فحسب، بل تمثل أيضاً تحدياً كبيراً للاقتصاد الأوكراني. حتى لو كان على رجال الأعمال التعامل مع تدمير الممتلكات والبنية التحتية، يدفع العمال فيها الثمن الأعلى.
يُعزى 80 في المائة من الوفيات في أماكن العمل التي تم الإبلاغ عنها منذ 24 فبراير إلى الجيش الروسي. ووفقاً للأرقام الرسمية، يموت شخص واحد في العمل كل يوم في أوكرانيا، بما في ذلك موظفوا السكك الحديدية وقطاع الصحة والمؤسسات العامة الأخرى.
من المتوقع أن ينخفض ​​الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 50 في المائة هذا العام بسبب الغزو الروسي. ودُمرت مئات الشركات وفقد 30 في المائة من الوظائف نتيجة لذلك. وحسب تقرير الفاينانشيال تايمز، فإن معدل البطالة في أوكرانيا سيصل إلى 25٪ بحلول نهاية العام، وهو رقم قياسي في أوروبا.
حتى الآن، الأمر متروك للشركات الأوكرانية في كيفية التعامل مع هذه التحديات التي سببها الغزو الروسي. خففت الوكالات الحكومية من مراقبتها لسوق العمل. في غضون ذلك، تعمل القوى في البرلمان والحكومة لدفع إصلاحات جذرية من شأنها حرمان العمال من حقوقهم.
مع أستمرار كفاح الملايين من أجل النجاة بطريقة ما من التباطؤ الاقتصادي في أوكرانيا، تلوح في الأفق، ماذا سيحدث عندما تنتهي الحرب. تشكُل ميزان القوى الاقتصادي المستقبلي وأزدهار البلاد من خلال القرارات المتخذة.
التغييرات الديموغرافية القادمة.
كما هو متوقع، أدت الحرب إلى خفض تكاليف العمالة في أوكرانيا. مقارنة بفترة ما قبل الحرب، أنخفضت الأجور بمعدل عشرة بالمائة في حزيران. في قطاعات مثل صناعة الأمن أو استخراج المواد الخام أو غيرها من الأعمال البدنية الشاقة، أنخفضت عروض الأجور للوظائف المعلن عنها حديثاً إلى النصف تقريباً.
يتزايد الانطباع بأن العاملين يشعرون بالآثار السلبية للأزمة على سوق العمل أكثر من رواد الأعمال. مباشرة بعد الغزو الروسي، كان الأوكرانيون على أستعداد لمواجهة أي صعوبات يمكن أن يتخيلوها. ولكن منذ تحول مَد الحرب لصالح روسيا، لا يرى الجميع أن التفضيل الحالي للعمل على حساب العمال أمر عادل.
ينعكس هذا التفضيل في القرار البرلماني لشهرمارس، والذي تمَ بموجبه تعليق أجزاء أساسية من قانون العمل لرجال الأعمال الأوكرانيين. والأهم من ذلك، أنه يسمح للإدارة بتعليق عقود العمل، في هذه الحالة، لا يتلقى الموظفون رواتبهم، لكنهم لا يزالون يعتبرون موظفين. أصبح الآلاف من موظفي الشركات الخاصة عاطلين عن العمل دون أي مبرر رسمي أو تسجيل. أعتباراً من 1 أبريل 2022، تقدم حوالي خمسة ملايين شخص بطلبات للحصول على مدفوعات إجمالية مقابل الدخل المفقود، ولكن في نهاية حزيران، كان عدد العاطلين المسجلين 308000 فقط، أي حوالي واحد إلى ستة عشر، مع هذا، أصبحت أوكرانيا أكثر جنة لأصحاب المشاريع المشكوك فيهم، الذين يوظفون أشخاصاً بدون عقد. منذ الغزو الروسي، أوقفت الدولة جميع عمليات تفتيش العمل ولم تعد تتحقق مما إذا كانت الأجور تُدفع بالفعل. إن ديون الأجور هذه مشكلة معروفة للعمال الأوكرانيين. الآلاف من الموظفين في الشركات الخاصة عاطلون فعلياً عن العمل منذ شهور، دون أي مبرر رسمي.
في الوقت نفسه، يتعين على أوكرانيا التعامل مع حقيقة، أن حوالي ستة ملايين شخص، معظمهم من النساء، قد غادروا البلاد. وقد وصل البعض، إن لم يكن كلهم، إلى دول أوروبية حيث الأجور أعلى، وقوانين مُلتزمة، والإسكان ميسور التكلفة، ورعاية الأطفال مُتاحة. من غير المحتمل أن تعود الأمهات الشابات من هناك، حتى إلى المدن الهادئة بشكل معقول.
حالياً، تحظر الأحكام العرفية على الرجال الذين تقل أعمارهم عن 60 عاماً من مغادرة البلاد. ولكن عندما ينتهي الأمر، كما يتوقع علماء الاجتماع، قد تواجه أوكرانيا موجة جديدة من الهجرة. هذه المرة من قبل رجال يريدون العمل في الخارج أو البقاء مع عائلاتهم، أو ببساطة الهروب من الصراع المستمر. لمنع هذه التغييرات الديموغرافية الهائلة من أن تصبح دائمة، ستحتاج أوكرانيا أيضاً إلى تغيير سياساتها الاجتماعية والاقتصادية لتشجيع الناس على البقاء في البلاد.
إعادة الإعمار أم الواقع المرير.
إن استعادة البنية التحتية، وتعزيز الإنتاج الصناعي، وتلبية الاحتياجات البشرية هي مهام يمكن معالجتها في السياق الاجتماعي والإنساني الأكبر لإعادة الإعمار. هناك أمثلة دولية لأفضل الممارسات لمثل هذا النهج، بما في ذلك أمثلة من منظمة العمل الدولية. ومع ذلك، فمن غير المرجح أن تأخذ إعادة إعمار أوكرانيا في الاعتبار رغبات السكان ومصالحهم طويلة الأجل.
حتى الآن، أتبعت خطط إعادة الإعمار بشكل أساسي التقاليد النيوليبرالية. تعتمد هذه الخطة، التي صاغها مسؤولون في الحكومة الأوكرانية وكبار الخبراء وجمعيات الأعمال، بشكل كبيرعلى تحرير القيود. هذه المبادئ تشكل بلا شك أساس اقتراح "خطة مارشال" للشركاء الأوروبيين.
في غضون ذلك، بدأت الحكومة الأوكرانية نفسها بالفعل في تنفيذ تدابير فردية. على سبيل المثال، بعد التدمير الروسي للصناعة واسعة النطاق، كان الهدف هو تحفيز الاقتصاد مرة أخرى من خلال تشجيع الأعمال التجارية الصغيرة. في النهاية، تتلخص مقترحات الحكومة للاسترداد في قروض الأعمال الصغيرة والتدريب على تكنولوجيا المعلومات. إجراءات قد يكون لها ما يبررها في زمن السلم. ولكن في الوقت الحاضر، تحول البنية التحتية المدمرة والقوة الشرائية المنخفضة وعدم الاستقرار العام دون المزيد من التوسع في الأعمال التجارية الصغيرة. الخطة، التي قدمت في لوغانو في يوليو، تتبع إلى حد كبير الاقتراح الذي قدمته بالفعل في أبريل مجموعة من الاقتصاديين الدوليين تحت اسم "مخطط لإعادة إعمار أوكرانيا". انها توفر:

1. إدخال عقود عمل أكثر مرونة وتفكيك أنظمة العمل التي تقف في طريق السياسات الاقتصادية الليبرالية.
2. تقديم دعم حكومي لجذب الشركات الأجنبية.
3.الخصخصة على نطاق واسع، بما في ذلك أكبر البنوك الأوكرانية.
4. تفضيل قطاع التصدير في الإقراض.
5. إصلاح البنية التحتية من خلال الأشغال العامة التي تتطلب مهارات متدنية وكثيفة العمالة.
6. إنشاء وكالة تكنوقراطية لتوزيع المساعدات الدولية.
هنا يتمثل الخطر الأكبر في أنه نتيجة للخصخصة وتقليص حجم القطاع العام، ستفقد الوظائف الآمنة وسيتم إنشاء علاقات عمل أكثر هشاشة بدلاً من ذلك. بالإضافة إلى ذلك، تهدد مشاريع البنية التحتية بملأ خزائن الشركات الأجنبية، ولا يزال الاقتصاد الأوكراني عالقاً في دوره الاستخراجي في الغالب بدلاً من تطوير صناعات مبتكرة جديدة. إن تجاهل المنظمات العمالية في عملية إعادة الإعمار لا يؤدي إلا إلى تفاقم المشاكل القائمة للتوظيف غير النظامي والبطالة وعدم المساواة.
النُهج البديلة.
في النهاية، يجب ألا يتعلق الأمر بإستعادة الرأسمالية المحيطية في بلدنا، ولكن بدلاً من ذلك، يجب أن يتعلق الأمر بترسيخ عناصر النشاط الاقتصادي الاجتماعي والتضامني. هذا يشمل:
1.قاعدة أقتصادية مستدامة. يجب أن يكون بناء البنية التحتية ومرافق التصنيع التي تخلق وظائف آمنة على نطاق واسع لها الأولوية، وكذلك تحسين المستوى التكنولوجي للاقتصاد والتركيز على الطلب المحلي بدلاً من الصادرات. يجب أن تكون الدولة القادرة على توفير الموارداللازمة،وأن تكون هي المستثمر الرئيسي.
2.تعزيز ثقة الجمهور. من أجل أستخدام الأموال بشكل صحيح، يجب إشراك المجتمع الأوكراني بأكمله في عملية صنع القرار. تعتمد مشاريع وأستثمارات البنية التحتية على دعم النقابات.
3.علاقات عمل آمنة. يجب إلغاء الأحكام العرفية التي تسمح لرجال الأعمال الأوكرانيين بالتهرب من إلتزاماتهم التعاقدية الفردية والجماعية. يجب منح مفتشي العمل الموارد والصلاحيات اللازمة لتفقد ظروف العمل. يجب أن تكون مشاريع الأشغال العامة الكبيرة مصحوبة بمزيد من إجراءات التدريب التي تعمل على تحسين الآفاق المهنية للعمال. يجب أن يكون هناك إعانات للشركات الأوكرانية التي توظف الأشخاص المستضعفين بشكل خاص، أو تدفع أجوراً أعلى من المتوسط ​​أو تشرك النقابات في عمليات صنع القرار الخاصة بهم.

أثبتت الشركات الخاصة أنها غير مسؤولة للغاية خلال الأزمة. تحتاج أوكرانيا ما بعد الحرب إلى مجتمع شامل. يتم ضمان ذلك من خلال تطوير الشركات، سواء كانت مملوكة للدولة أو في أيدي التعاونيات، التي لا تحقق أرباحها على حساب المجتمع والبيئة.
إن التعامل مع الدمار الهائل وصناعة إعادة البناء يقدم لأوكرانيا مهمة هائلة ليست بحاجة الى السياسات النيوليبرالية. وبدلاً من ذلك، فإن المطلوب هو أستراتيجية تعتمد على تدخل الدولة وبرامج خلق فرص العمل. وهذا بدوره يتطلب سياسة إعادة التوزيع من خلال الضرائب ومصادرة الثروة الفائضة من فاحشي الثراء في أوكرانيا. سيكون هذا هو التطبيق العملي لعملية إزالة الأوليغارشية التي طال إنتظارها والتي أختفت على ما يبدو من الأجندة السياسية منذ بداية الحرب.
على المدى القصير، أضعفت الحرب العدوانية الروسية قوة العمال في أوكرانيا. ولكن على المدى الطويل، يمكن تعزيز الحركة العمالية وتحسين ظروف العمل.على الرغم من كل هذا التشاؤم، لا يزال المجتمع يؤمن بإعادة البناء أكثرعدلاً.

 

فيتالي دودين* :هو أحد مؤسسي وقائد الحركة الشعبية الأوكرانية "الحركة الاجتماعية" ، التي تشكلت في أعقاب إحتجاجات الميدان الأوروبي في عام 2015. وترى نفسها كحركة جماعية ديمقراطية منفتحة من اليساريين المناهضين للستالينية.