غضَبٌ مُعاتِبٌ

غضَبٌ مُعاتِبٌ

ومِن حكاوى الرحيل  – الحكاية العاشرة 

 

صديقةٌ عزيزة في البعيد،  كتبت قبل قليلٍ تسألني، بشيءٍ منَ الغضب المُعاتب، عمَّا يُمكن للحب أنْ يفعلَ بِها وأنْ يُقدِّم لها؟!

وهنا، أكتبُ لها في العلن، كما طلَبَتْ تعميماً للفائدة: الحب الحقيقي يا سيدتي لا أشباه الحب، رُؤية جديدة للحياة الساعية نحو الكمال، مع إنسان يرى وجودَك منْ أهم الأشياء في حياته، وأنتِ ترينَه بالمثلِ قيمةً ومثلا أعلى.

وأنت تسعين، لتحقيق صدقِ توقعات شريكك فيك ومنك،  يمنحك الحب طاقةً مُتجدِّدة خضراء، ويَملؤك حماسا مُستداما، لتكتشفي دون أن تَدرينَ، أفضلَ ما في ثناياكِ ودهاليزك وفضاءاتك من نبلٍ أنيق. يسمو بك وأنت تُحلِّقينَ مُخلصة  في معارجه. تُسعِدينَ دون أن تنتظري مُقابِلا. تفيضُ منكِ إرادة الخير، المُتجرِّدَة من شوائبِ التمركز حول أنانياتِ الذات الشكَّاكةِ أو الَّلوامة ضيقة الصدر.

 بالحب الحق، تكونين محظوظة إن اكتملتِ بالآخر. فهناك من يظلون تائهين في الحياة غير مكتملين. الشريكُ الصادق يا سيدتي، مرآةٌ صحيحةٌ لا مُقعَّرَة ولا مُحدَّبة، نرى فيها حقيقتنا وحقائقنا بلا مَكيَجة، وبلا كثير من الأقنعة.

بالحب الحقيقي نتحرر من التبعية، وبالإرادة الحرة نتشارك بمتع الانتظار،  والترقب واللهفة والقلق والحيرة والخوف،  نتعرف على جماليات البذل والتخلي، والتنازل والتفهم والتسامح.

الحب الحقيقي يا سيدتي، إسترداد للأنفاس،  وتجميع لقوة تمكننا من لَمْلمة بقايانا، والابداع في ترميمها. بالمحصلة، إنه تمكينٌ لإرادة أهله، لِيلِدوا أنفسهم من جديد، وإعادة تشكيل رؤاهم،  والإبداع  في انتقاء طرقهم وأدواتهم.

سيدتي، أما زِلتِ تسألينَ، عما يمكنُ للحبِّ أنْ يفعلَ بك، أسألك بالتأكيد وفي البال الحب الصحيح، لا الأشباه ولا الأوهام ؟

بالمناسبة،  صديقتي هذه مهندسة متميزة في علوم الطاقة،  سياسية برلمانية مخضرمة،  سيدة أعمال ناجحة، تدير شبكة من المصالح المختلفة عابرة الحدود. وهي تمسك بتلابيبِ الستين، اغتربت إبنتها الوحيدة،  ووحيدُها لحبِّه لفلسطين الثورة،  قابعٌ في زنزانة عربية ظالمة، ومنذ سنين عجاف، باتت منفصلةً واقعيّا عن زوجها السياسي السَّلَفِيُّ بِلا طلاقٍ رسمي. تُشغِلُ نفسَها بالسفر المتصل، تَلَهِيا عمَا هي فيه من بعثرةٍ وضياعٍ،  وقلقِ إنتظارِ جودو.

 

الاردن – 11/2/2021