باب الشيخ حافلة بالتاريخ...ج10

حياتنا، ان طالت أم قصرت، لا تقاس بالسنين والأيام، ولكنها تقاس بما خلفت ورائها من تجارب فينا، وآثار ومأثر طيبة ، و قد لا تبدو عظيمة إبان حياتنا، ولكنها لا تلبث حتي تبين واضحة بعد ان يمضي بنا العمر، كالمصباح المضيء لا يعرف قدره، حتى ينطفئ سراجه، وترى ضيائه. هنا نتأسف لاننا لم نحسب فيه حساب ، والحقيقة هي مرتبطة بدوافع الأهداف وبمفهوم الانتاج والحياة وهي بحد ذاتها رحلة لاكتساب المعرفة والاستفادة منها.

 الماضي صفحة لا تُمزَق بمرورالزمن مهما ادعينا ذلك، أو حاولنا التظاهر به، والذاكرة لا تنسى، ولا يمكن محو ما مر عليها من أحداث لانها راسخة في طيات خلايا الدماغ وتقلبها الهواجس والانعطافات ، قد ننشغل بالحاضر أو يأخذنا المستقبل بعيدًا، لكننا ورغم الهِوة العظيمة بين ما نحن عليه الآن وما كنا فيه في الماضي، نسترجع أحداث وتخيلها واقعًا معيشًا؛ إذ الماضي هو الحاضر وهو المستقبل أيضًا ولا يلزم الاثنين ليكون الأول حقيقة إلا بمرور الوقت وتعاقب السنون والشهور والأيام.

على امتداد السنوات التي أعقبت تأسيس الدولة العراقية  ارتبط المجتمع بالدولة، فمع تأكيد الانتماء للدولة وصعود الوطنية العراقية، تصاعدت أيضاً المطالب بمزيد من الانفتاح في النظام السياسي ، فعبر اتساع المدن من جراء الهجرات من الريف و زيادة عدد الموظفين وتخرج شبان كثيرين من المدارس والجامعات وبروز القطاع الخاص، فتشكلت وكبرت طبقة وسطى نشطة وطموحاتها كانت تواقة للتعبير عن نفسها سياسياً  وأن تتواجد في العمل الوطني وتمثيل قيمه في النظام السياسي ومؤسساته. بالمقابل أمام الوعي الجماهيري فقد سعت الجهات الخارجية التي كانت تسيطر على رجال الدولة فاخذت تدفع نحو تقويض دور الجيش العراقي لأنه في الحقيقة كان منظمة عسكرية ذات عقيدة وطنية يتملكه الحس الوطني عند أفراده  والانتماء للقضايا المصيرية ، وذلك بسبب بنيته التأسيسية، حيث تأسس من مجموعة من الشخصيات الوطنية المعروفة بانتمائها والذي هو تنبيه الإنجليز لها و إلى حالة السخط والغليان بين صفوف الشعب والجيش بشكل خاص بعد الضربة الموجعة اثر احتلال العراق إبان الحرب العالمية الثانية في ثورة العشرين الكبرى و إسقاط الثورة الشعبية التحررية التي قام بها رشيد عالي الكيلاني عام 1941، و تنبهوا إلى ذلك وأجبروا الحكومة بضرورة تقليص وحدات الجيش العراقي، وتسريح أعداد كبيرة من ضباطه ومراتبه ونقل الضباط الآخرين إلى وحدات نائية، وإشغال أفراده بالتدريبات، طوال فصول العام. بدأت خلايا سرية من الضباط في العمل بين صفوف الجيش، ومحاولة التكتل لإنشاء تنظيم سري للضباط وعمل هذا التنظيم بصورة سرية تامة للإعداد للثورة وعلى تغيير واقع الحال ، فكانت ثورة 14 تموز عام 1958 التي سعت منذ البداية الى القيام بإصلاحات اجتماعية تامة بغية إصالح الواقع االجتماعي السيئ ممن وارثو من الحكم الملكي ، فكان إعلان الحكم الجمهوري والتغيير الجذري في فلسفة النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتحول من نظام رجعي قائم على التبعية  للأجنبي إلى نظام وطني تقدمي وأسهم الشعب في خلقه  بعد الثورة.. وألغت الأبعاد الطائفية والعرقية من ممارسات الدولة الرسمية، ووضعت الأسس لإلغاء التمييز الطائفي في العراق، تلك السياسية التي مورست خلال الحكم العثماني واستمر عليها العهد الملكي وعملت الحكومة ما في وسعها من أجل نشر التعليم والثقافة بين أبناء الشعب، والنهوض بالمجتمع العراقي من خلال تحسين الاقتصاد وتوفير فرص العمل و سن قوانين الضمان االجتماعي ، كما سعت ايضاً إلى تطوير الوضع الصحي عن طريق بناء المستشفيات والمستوصفات، كما قامت بربط الريف بالمدينة عن طريق فتح طرق المواصلات البرية والسكك الحديدية في أغلب محافظات القطر، كما تم إيصال القوة الكهربائية والمائية إلى  الكثير من الارياف والقرى، كما أصدرت قانون الاحوال الشخصية و ّ تم التحول الجديد لبناء العلاقات الاجتماعية والعائلية على أسس متطورة ومتينة ضمنت فيها حقوق المرأة وأنشأت العديد من مشاريع الإسكان في المدن العراقية من أجل تغيير الواقع الاجتماعي الذي كان يعيشه أغلب أبناء الريف وأطراف المدن ، واننا ننظر الى إنجازات الثورة التي حققتها بالارتباط إلى ما تم من تحولات كبيرة في المجتمع العراقي وبقيت تأثيراتها رغم الانقلابات والتغييرات في نظام الحكم  قائمة حتى اليوم . يتبع

 

عبد الخالق الفلاح