في مسألة التشوه الذي اصاب المجتمع العراقي، لابد من التذكير بالتركة الثقيلة للدكتاتورية الصدامية وسياستها القمعية الشاملة وحروبها الرعناء وما رافق ذلك من قتل وتهجير وحصار اقتصادي ظالم، بالاضافة الى الحملة الايمانية والعمل بقانون دعاوى العشائر والتأسيس للزبائنية الانتهازية، كل ذلك ساهم في ايجاد بيئة تآكلت فيها الكثير من العادات والقيم الاجتماعية والاخلاقية الاصيلة.

أما بعد عام 2003، فقد فتح الاحتلال الامريكي ابواب العراق على مصراعيها، محوّلا ثقافته وكنوز حضارته وتاريخه الى ميادين للنهب والتشويه والتزوير، وذلك من خلال النظام المحاصصاتي الذي فرضه على بلادنا، والذي بدوره سخّر مؤسساته وايديولجياته وطبقة من الأفاقين والدجالين والمرتزقة وصنّاع الوهم لتضليل الناس وتزييف وعيهم عبر نشر الخرافة والتجهيل الممنهج وكل ما يغذي مصالح الطبقة الطفيلية الحاكمة.

يجب ان لا ننسى، كيف سمح الاحتلال بانتشار الفوضى وجعل مؤسسات الدولة مستباحة من قبل العصابات والجهلة الغوغاء، وكيف تمت تصفية الكثير من العلماء والمفكرين والمثقفين، وتهجير الاف الكوادر العلمية والمهنية الى خارج الوطن، بالإضافة الى نهب الاثار وسرقة الارشيف العراقي وحرق آلاف الوثائق التاريخية النادرة، تطبيقا لتصريحات وزير الخارجية الامريكي الاسبق جيمس بيكر 1991: "سنعيد العراق الى عصر ما قبل الصناعة"!.

وكما استغل حزب البعث مؤسسات العراق التعليمية لحشو عقول الطلبة بايديولوجيته المشوهة، يواصل نظام المحاصصة اليوم النهج ذاته، بتسخير البنى التحتية التعليمية والثقافية والاعلامية لنشر التطرف واضعاف الهوية الوطنية وتغذية الانتماءات الفرعية، ومحاربة الثقافة التنويرية وتخريب الذائقة الفنية والموسيقية، وإلغاء دور الصناعة السينمائية والانتاج المسرحي، مما فاقم المشكلات الاجتماعية من امية وفقر وبطالة ومصادرة حقوق الناس، لا سيما حقوق المرأة العراقية التي تتعرض اليوم الى حملة  اضطهاد غير مسبوقة من خلال تشريع زواج القاصرات، وسلب الحضانة من الام، وعدم معالجة ظاهرة الطلاق المتفشية، واشاعة السلطة الذكورية، خدمة لنظام المحاصصة والفساد ودعما لسلطة الاوليغارشية الطفيلية الفصائلية التي تحكم العراق.

انّّ امام القوى الوطنية ومنظمات المجتمع المدني والجمعيات والنخب الثقافية، تحدٍٍ كبير يتمثل في التصدي للمفاهيم المتخلفة التي تعيق نمو وتقدم المجتمع وتزرع الفرقة بين أبنائه. وذلك من خلال ترسيخ وعي تنويري يقوم على مبادئ المواطنة والمشاركة الفاعلة، واحترام التنوع الفكري والثقافي، وتعزيز ثقافة الحوار والتسامح. بما يسهم في نبذ التعصب والانغلاق، وترسيخ قيم السلام والتعايش المشترك بين أبناء البلد الواحد.

النصير الشيوعي العدد 43 السنة الرابعة شباط 2026