يمثل اللقاء الحواري الذي جمع قوى وشخصيات شيوعية ويسارية وديمقراطية خطوة ايجابية في اتجاه استعادة المبادرة وبناء فضاء مشترك لقوى اليسار العراقي، في وقت تتفاقم فيه الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتسع فيه معاناة الفئات الكادحة والمحرومة. غير ان اهمية هذه الخطوة لا تكمن في انعقاد اللقاء بحد ذاته، وانما في القدرة على تحويله الى مسار منظم وشفاف يفضي الى نتائج ملموسة.

ان جمع شمل اليسار العراقي لا يمكن ان يقوم على الرغبة وحدها، بل يتطلب، قبل كل شيء، الاتفاق على برنامج سياسي واجتماعي واضح يحدد الأولويات والأهداف المشتركة، ويجيب عن الأسئلة الأساسية المتعلقة بطبيعة المشروع اليساري، وشكل العمل المشترك، وآليات التأثير في الحياة السياسية والاجتماعية. فوضوح البرنامج هو الضمانة الأولى لاستمرار أي اطار نضالي.

ولا يقل عن ذلك اهمية ان يتسع الحوار ليشمل مختلف القوى والشخصيات اليسارية والديمقراطية، والنقابات ومنظمات المجتمع المدني، وان يجري هذا الحوار في اجواء من الشفافية والوضوح، بعيدا عن الانغلاق او التفاهمات الخفية. ومن الضروري ايضا ان تمتلك اللجنة المنظمة عنوانا واضحا ووسائل اتصال معلنة، بما يتيح لكل الراغبين في المساهمة متابعة اعمالها والتواصل معها، ويعزز الثقة بهذا المسار.

كما ان نجاح المبادرة يتطلب وضع جدول عمل محدد زمنيا وتنظيميا، يتضمن مواعيد اللقاءات المقبلة، وآليات اتخاذ القرار، والمهام الموكلة الى اللجان المختلفة، بما يحول دون بقاء الحوار في اطار الأمنيات العامة.

لقد اثبتت تجارب يسارية عديدة في العالم، مثل تجربة الجبهة الواسعة في الأوروغواي، وتجربة تحالف سيريزا في اليونان في بداياته، وتجارب اليسار في المانيا واسبانيا، ان نجاح العمل الوحدوي لم يكن نتيجة الشعارات وحدها، بل ثمرة برامج واضحة، وهياكل تنظيمية معلنة، وحوار مفتوح، وآليات ديمقراطية لادارة الاختلاف. وهذه دروس تستحق التأمل اذا اريد لهذه المبادرة أن تكون بداية فعلية لاستعادة دور اليسار العراقي في الدفاع عن مصالح الناس وقضاياهم.