التحقت بصفوف انصار الحزب الشيوعي العراقي، على أمل، وحسب خطة الحزب، أن يكون جهدي منصبا للعمل في التنظيم الحزبي داخل الوطن. الشروع في تنفيذ هذه المهمة، تطلب ان ابقى في كردستان لمدة تجاوزت الثلاث سنوات.

في عام 1983 تهيأت الظروف لذلك، فنزلت الى الداخل، لكن قرار العمل هناك لم يكن سهلا، انما تجلت صعوبته في ايام الحرب التي اشتعلت بين العراق وايران، وممارساته الدكتاتورية، وملاحقة اجهزته الامنية للشيوعيين. ومع ذلك، كان القرار صائبا، فالعمل في الداخل له ايجابيات كثيرة، اهمها التعرف على الواقع بشكل مباشر، خاصة في ظروف الحرب، واعادة الصلة بالناس، ومعرفة مدى استعدادهم للعمل مع الحزب والقوى الوطنية ضد الحرب والدكتاتورية، كما ان ايجاد ركائز حزبية قوية في الداخل، لابد وان تمنح الانصار المقاتلين دافعا معنويا خلال تصديهم لنظام البعث الفاشي.

عندما نزلت الى الداخل، كانت الظروف صعبة جدا، اذ لم تكن هناك بيوت حزبية ثابتة، كما في السابق، لذلك تنقلت من بيت الى آخر، لكنني في النهاية اضطررت للعمل في واحد من محلات النجف، نبيع فيه الدجاج والمشروبات الغازية، وفي احد اطرافه، نقوم بذبح الدجاج وتنظيفه، ثم عرضه للبيع.

في هذا المكان، ابيت لخمسة ايام او ستة، واغيب عنه يوما او يومين، لكي ابين للناس أن وضعي طبيعي. من الطريف ان ساد اعتقادا  لدى الناس، (باني من عناصر مخابرات النظام!)، فشابا وسيما يعتني بملابسه واناقته، خاصة في ظروف الحرب، ويترك مدينته، ويأتي الى النجف ليعمل فيها، وينام في محل عمله، ما هو الا ضربا من الجنون والمجازفة، لذلك كان الجميع على قناعة باني مرسل من القصر الجمهوري لاراقب الناس، حتى ان بعض المواطنين اعطوني لقبا هو (الحاج)، وينادونني به، وبدوري كنت اعمق لديهم هذا الشعور، لكي أتجنب ما هو أسوأ.

في واحدة من المفارقات!، جاء احد ضباط موقع الانضباط العسكري لمدينة النجف، الذي يقع مقابل محل عملي. جرى بيننا حديث، ثم سألني: لماذا لا اذهب الى اهلي؟، فكان جوابي بأني مُسرح من الجيش لأسباب....، لكنه عبّر عن عدم قناعته وقال: معقولة انت متسرح؟، حسنا، وما علاقتنا نحن بوضعك (كان يظن اني من ازلام السلطة، كما اشيع!)؟، وراح يشتم رأس النظام!!.

لابد لي في هذه المقالة القصيرة، ان اتذكر احد رفاقنا في الداخل، اسمه عبد الزهرة، رفيق رائع جدا. لم يخرج من الوطن. بقي يواصل العمل، ويقدم خدماته لكثير من الرفاق الذين عادوا الى العمل في الداخل، خاصة من ابناء مدينتي السماوة. في احد الايام جاء لي رفيق من السماوة، كان معي في الكونفرنس الـ 69 لاتحاد الطلبة. قال لي ان عبد الزهرة ارسلني اليك، ويطلب صندوقين من المشروبات الغازية. كان يخاطبني: "يا معلم"، بأعتباري من الجالية المصرية، فالتفتُّ الى احد العاملين معي، وقلت باللهجة المصرية: "يا جمعة ادي للمعلم اتنين صندوء كازوزة"!. اخذ حاجته وذهب، ولم يتعرف عليّ!.

بعد سقوط النظام عام 2003، ذهبت الى السماوة، والتقيت بالشخص ذاته، سألته: - هل تتذكر ذلك، حيث طلبت من صاحب المحل في النجف، ان يسلمك ما اوصاك به عبد  الزهرة؟

- اتذكر طبعا

- وهل تعرفت على صاحب المحل؟

- لا، ابدا

- أنا، هو المعلم المصري!

- هل يعقل هذا؟، لوكنت اعرف لوشيت بك، وتقدمت درجة حزبية بالبعث!... هههه

لم تكن ظروف عملنا الحزبي في النجف سهلة، لكن الرفاق الذين بقوا هناك، يمنحونك القوة والعزيمة والصبر على تحمل الصعاب. مررنا بحالات صعبة، اضطرتنا ان نبحث عن سرداب نلجأ إليه عند الضرورة، لكننا رغم ذلك، استطعنا ان نعمل شيئا، وننقل اخبار الناس في الداخل الى رفاقنا الانصار. استطعنا اثناء المؤتمر الرابع عام 1985، ان نوصل المعلومات الى قيادة الحزب، ونقلنا الى الداخل وثائق المؤتمر وتقارير اللجنة المركزية التي اطلع عليها الكثير من الناس. في تلك الفترة، تمكنت من الدخول الى السماوة، وساهمت في العمل التنظيمي، مما عزز من سمعة الشيوعيين (بانهم يعودون للعمل، بعد كل هجمة تستهدفهم، وانهم يقتحمون الصعاب، ولا يبالون بالموت).

كانت تجربة مهمة على الصعيد الشخصي. اغنتني كثيرا، وصقلتني فكريا وسياسيا، وازددت ادراكا وفهما، للواقع الاجتماعي والسياسي الذي تعيشه الناس.

النصير الشيوعي العدد 41 السنة الرابعة كانون الاول 2025