عندما كنت منشغلا بعرض بعض قطع الحلي في محل الصياغة الذي اعمل فيه، سمعت صوت امرأة مسنة تتحدث بالكوردية، ورغم اني لا اجيدها بشكل مضبوط، إلاّ ان حبي لهذه اللغة، بالاضافة الى فضولي، دفعني الى الحديث معها. فرحت المرأة التي ارتسمت على وجهها كل علامات الطيبة وسألتني، "من اي مدينة اكون! وكيف تعلمت اللغة الكردية". أخبرتها اني من بغداد، وترعرعت على ضفاف دجلة، وتنقلت بين الكرخ والرصافة، إلا اني ومع اشتداد القمع ضد القوى والأحزاب الوطنية، اضطررت الى تغيير مكاني، وجئت الى كردستان لالتحق بصفوف البيشمركة (انصار الحزب الشيوعي العراقي). بقيت في الجبل حوالي عشر سنوات، لهذا اعرف الكثير من مناطق السليمانية مثل: شهرزور، قره داغ، دربندي خان، و بازيان، ودوكان والعديد من القرى الاخرى.
اصغت لي باهتمام شديد، عيناها تلمع كشابة تستمع الى قصة مؤثرة، ثم قالت: "أنا ايضا شيوعية"!. سألتني ان كنت اعرف (يوسف عرب). في تلك اللحظة قفزت لذاكرتي تلك الفترة التي عشتها مع الشهيد البطل يوسف عرب الذي أُسّر في معركة (سوليميش) في 25- 09- 1983 بعد ان نفذ عتاده، واعدم في اليوم التالي في معسكر (عنب) قرب حلبجة. كان بطلا حقيقيا، لعب دورا كبيرا في تكبيد العدو خسائر جسيمة. كنت معه في نفس السرية، وقاتلنا جنبا الى جنب في ذات المعركة التي أُسّر فيها. كان انموذجا رائعا للإنسان المناضل والشيوعي المقدام.
- اخبريني يا خالة، كيف تعرفتِ على الشهيد يوسف عرب؟
لم تجب على سؤالي، بل سألتي سؤالا اخرا، ((كانت شغوفة بتلك اللحظات، وكأنها تعيشها الان!))، هل تعرف ياسين حاجي محمد؟. انه بطل اخر، استشهد بنفس المعركة بقذيفة دبابة، اطلق عليها الشهيد صاروخ (ر.ب.ج 7)، لكن قذيفة الدبابة سبقته ومزقت جسده. نقلنا جثمانه الى قرية "ته به كل"، ثم جاء والده ووالدته، وحملوا جثمانه الطاهر الى السليمانية، بعد ان قبّلونا واحدا واحداً، وقالا: "انتم جميعا اولادنا، وكل واحد منكم هو ياسين".
بعد صمت قصير، كنت انتظر بلهفة سماع حكاية المرأة الطيبة مع الشهيدين، قالت: "انها كانت تذهب مع ام ياسين الى المقبرة لزيارة ابنها، لكنها تقوم بزيارة قبر يوسف عرب اولا. تعتني به وتقلع الاعشاب وتضع الزهور ثم تسقيها. بعد ذلك تنتقل الى قبر ابنها، وتعمل الشئ ذاته". الشهيدان يتجاوران في المقبرة مثلما عاشا وكافحا سوية في تلك السرية ضد نظام البعث الدموي. أضافت المرأة: " حين سألت أم ياسين الكوردية الشهمة، لماذا لا تبدأ بقبر ابنها؟، قالت: "انّ يوسف غريب هنا، لا احد من اهله يعرف مكانه، فمن الواجب ان ابدأ به. انا ام له في غربته. لي ولدان شهيدان، هما: ياسين و يوسف"*.
سألتها: كيف حدث ذلك؟ أكان الامر صدفة؟، قالت: "لا، بعد اعدام الشهيد يوسف، ارسلوا جثمانه الى الطب العدلي في السليمانية، وبقي هناك عدة أيام من دون ان يستلمه احد، كما لم يجرأ أي احد على المطالبة به. جلاوزة النظام الصدامي ظالمون جدا، ولديهم الاستعداد لاقتراف ابشع الجرائم بحق عوائل واقارب الانصار. عندما علم حاجي محمد (أبو ياسين) بالأمر، ذهب الى الطب العدلي، معرضا نفسه للخطر، رشا العاملين هناك بمبالغ كبيرة حتى استطاع استلام جثمان يوسف. وبسرّية تامة، وارى جثمانه الثرى قرب رفيقه وصديقه ياسين". لقد بنى (ابو ياسين) الضريحين، وعمل لهما سياجا، وعلّق لوحة كتب عليها: "هنا يرقد الشهيدان الشابان ياسين حاجي محمد ويوسف عرب".
لم اتمالك نفسي، أخذت بيد المرأة العجوز، قبلتها وقلت: "انكم شعبٌ حر ، يا خالتي.
*الشهيد يوسف عرب (كــاظم ورار) من اهالي السماوة، والشهيد ياسين من أهالي السليمانية.