في أواسط عام  1978، عندما اشتدّت الأزمة السياسية في البلاد، سافرت وبتكليف من الحزب الى موسكو لغرض الدراسة الحزبية. وفي تموز 1979، غادرتها الى دمشق التي فيها تدربت على السلاح مع مجموعة رفاق في معسكر للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في منطقة معلولة. بعد التدريب، توجهنا إلى تركيا عبر معبر (نصيبين). ومن هناك، وبمساعدة رفاق حزب (كوك)، بدأنا مسيرة شاقة في طرق وعرة امتدت لعدة ايام. وصلنا في أواخر تشرين الثاني 1979 إلى (گلي كوماتة) في بهدينان، وساهمت مع رفاقي في تأسيس القاعدة الأولى للانصار. بعد أقل من شهرين، اكتمل بناء الغرفة الأولى (المقر)، وكان اكتمالها أشبه بإشارة نجاة مؤقتة في بحر من القسوة. لم تكن غرفة بالمعنى الحقيقي، بل مساحة احتمت بها أجسادنا المنهكة، مأوى صاغته الحاجة قبل الأيدي، غرفة ولدت من رحم المعاناة.

يتسرب المطر من زوايا سقفها المتواضع، قطرة اثر قطرة، كأنه يذكرنا بلا انقطاع بهشاشتها. اما الثلج، الذي كنا نزيحه كل مساء او كل صباح، فلم يكن مجرد ظاهرة طبيعية قاسية، بل امتحانا يومياً للصبر، ووجها اخرا لمعاناة تتبدل أشكالها ولا تغيب. اُقيمت الغرفة بمحاذاة نهرٍ يبدو صامتًا، لكنه في الحقيقة حاسمُ الدلالة؛ نهرٌ لا يجري بالماء وحده، بل يرسم حدًا فاصلاً بين العراق وتركيا.

الشتاء في ذلك العام لا يعرف المهادنة ولا الرحمة، تساقطت ثلوجه بغزارة حتى بدت الجبال من حولنا وكأنها تختفي تحت عباءة بيضاء ثقيلة. لف البرد المكان، وتسلل الى العظام، وغدت الأنفاس ثقيلة ومتكسرة في الصدور.

في أحد الأيام، وأثناء خدمتي الرفاقية، بعد أن تناول الرفاق وجبتهم، بقيت وحدي عند النهر أغسل الصحون والأواني. كان الماء شديد البرودة، قاومت ارتجاف جسدي وحاولت حماية أصابعي من لسعته. خيم الصمت على المكان، ولم يسمع سوى صوت الأواني وصوت ارتعاشي المكتوم. لكن آمراً غريبا حدث، فكلما انتهيت من غسل مجموعة من الصحون ووضعتها جانبآ، ظهرت أخرى. راح عدد الأواني يزداد على نحوٍ غير مفهوم. ازدادت برودة أصابعي، واشتد ارتجاف جسدي، ولم أعد أفهم من أين تأتي كل هذه الأواني، ولا متى استخدمت، ولا لماذا لا تنتهي.

عندها فقط، وبمزيج من الضجر والاستغراب، التفت إلى الخلف، فرأيت الرفيق الفقيد أبا سامان (للاسف لا اتذكر اسمه الحقيقي)، واقفًا غير بعيد، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة طفولية صافية. كان بخفة ظل واضحة، يحرض الرفاق على جلب اي إناء يعثرون عليه، ليصنعوا لي مقلبا بسيطًا في قلب ذلك الشتاء القاسي. كان المشهد كله مشبعا بروح الرفقة، بتلك القدرة العجيبة على تحويل التعب إلى ضحك، والقسوة إلى لحظة إنسانية خالصة.

ضحكت معهم، رغم البرد ورغم الألم الذي كان ينهش أصابعي. ضحكة خرجت دافئة على غير المتوقع، كسرت قسوة اللحظة، وبددت شيئأ من ثقلها. في تلك الاثناء ادركت أن الدفء لا يأتي دائمآ من النار أو الأغطية الثقيلة، بل من مقلب عابر، ومن رفاق يعرفون كيف ينتزعون الضحكة من قلب العاصفة، ويحولون أقسى الأيام إلى ذكرى لاتنسى.

النصير الشيوعي العدد 44 السنة الرابعة آذار 2026