كنا أربعة رفاق، مازن ، ابو جاسم، أسعد، وأنا. خرجنا من معارك كردستان ولم نمت، واليوم نجتمع في مخيم (ماردين) التركي على اثر ما طالنا من ظلم. بعد معاناة حصلنا على خيمة تقينا رعب الشتاء. في الشهرين الأولين سارت الأمور على نحو مقبول، حتى جاء ذلك اليوم المشؤوم 27 / 12 / 1988، حيث ادلهمت الدنيا وتركتنا للسماء الجليدية. على ضوء الشمعة الباهت كنا نقضي أمسيتنا، حائرين منكسي الرؤوس، لا نعرف ماذا نفعل في تلك الليلة ذات الأجواء الشتائية التي تعصف بها ريح ثلجية تحاول قلع خيمتنا!.
بعد الثامنة مساءً، صارت العاصفة تهددنا على نحو لا لبس فيه، مما اضطرنا ان نخرج محاولين تثبيت احد الأعمدة، لكن الظلام والبرد وسوء المزاج أثبط عزيمتنا. وجوهنا المكدرة كانت تأمل شيئا وحيدا، هو قضاء هذه الليلة بأقل الخسائر والمواجع، الاّ انّ المخاوف كانت لنا بالمرصاد. بدأنا نشعر ان الريح تهددنا وتريد أسقاط الخيمة على رؤسنا، ثم نكون مجبرين على عدم النوم إذا ساءت الظروف. قررت مع أسعد ان نخرج ونواجه الموقف، لكن محاولتنا بتثبيت الحبال بالعمود بائت بالفشل، وعرفنا حينها ان المشكلة اكبر من توقعاتنا. ما ان شعرنا ان أطراف أصابعنا قد تجمدت بسبب البرد القارص والثلج ، حتى قررنا العودة الى داخل الخيمة.
في تلك الأثناء، هجع باقي أفراد الخيمة، متجاهلين ما ستؤول اليه الساعات القادمة. رأيت الشمعة قد شارفت على الانتهاء. اندسسنا كل في فراشه على الأرض الباردة، بعدها تحولت الخيمة إلى قبر كبير تهدده عاصفة هوجاء. قال مازن: "اني لا استطيع النوم، أخاف ان ينخلع انبوب المدفئة ويقتلنا الدخان".
كان الزمن ثقيلا ً بطيئًا، لا اعرف كيف تمكنا من النوم ثلاث ساعات. بعد عدة إغفاءات متقطعة، سمعت صوت ابو جاسم يردد: "انهضوا، سقطت الخيمة"!.
رد اسعد باقتضاب: علينا ان ننام الآن، والصباح رباح..
لا اعرف كيف تجاوزنا تلك الليلة التي عصفت بها كتلة هوائية متجمدة. خلدنا الى النوم واسنانا تصطك. تدثرنا بكل ما نملك من اغطية، مخافة ان نصاب بالإنفلونزا المنتشرة في المخيم.
استيقظنا صباحا، رفعت البطانية عن رأسي، رأيت حزمة ضوء ساطع تتسلل الى داخل الخيمة، تساءلنا: هل من المعقول ان الشمس اشرقت بعد تلك الليلة الظلماء!.
ما ان خرجنا لإعادة نصب الخيمة، حتى رأينا الثلج الناصع يغطي الشارع الممتد حتى ساحة كرة القدم. ويغطي كذلك الخيم التي تجاوزت 2000 خيمة. تعاضدنا، واصلنا العمل المضني لأعادة الأمور الى نصابها، وحالما نشعر بالبرد حتى ندس ايادينا في جيوبنا لنتدفأ قليلا. استمرت جهودنا على هذا المنوال حتى الرابعة عصرا ً، بلا أي وجبة أفطار او غداء. شعرنا بان الجوع قد امتص طاقتنا، لكننا انجزنا المهمة على اكمل وجه.
دخلنا الخيمة، وكافأنا انفسنا بوجبة برغل مع مرقة المعجون. كانت أشهى وجبة أكل، لأنها اقترنت بالبهجة الغامرة. قلت وأنا أبتسم بخجل: "كم الإنسان ضعيف أمام جبروت الطبيعة"!.