يقولون ان التاريخ وحده الذي يضحك لأنه يدرك ما لم يتوقعه احد. وها انا اقلب في صفحات الزمن الغابر عبر ما يقارب اربعة عقود من التسلط الدكتاتوري الفاشي التي حفرت في ذاكرة العراقيين قصص تفوق الخيال في تصورها لهول احداثها والصمود الاعجازي لأبطالها مما اشعر بغصة ودموع الألم تحرقني كما احترق وطني بنيران من اراد ان يبني وجاهته على مذلته.

كان للشيوعيين النصيب الاوفر من هذه القصص، لدعوتهم الى بناء وطن حر يحتل مكانة تليق به بين الأمم المتقدمة لثقله الاقتصادي والسياسي، ودوره التاريخي والحضاري في المنطقة والعالم، وشعب سعيد ينعم بخيراته على اساس المواطنة الصالحة دون تمييز.

ومن بين ألاف القصص التي لو قدر للمنتجين السينمائيين ان يمنتجوها لملأت شاشات العرض السينمائي بأفلام تفوق برعبها افلام (هتشكوك) لواقعيتها وما تتضمنه من مشاهد مثيرة، ومنها قصة السيدة (ام ظفار).

(ام ظفار) مشكلتها انها تزوجت من الشيوعي والنصير ضمن قوات انصار الحزب الشيوعي العراقي (ابو ظفار) وهو ابن الشيوعي الراحل الخالد هادي صالح متروك. اعتنق المبادئ الشيوعية كغيره من الشباب الذين آمنوا بأنها الطريق الامثل لبناء عراق ديمقراطي موحد، مع ادراكهم لحجم المخاطر والصعوبات التي تعترض طريقهم.

بعد مسيرة شاقة في مواجهة ازلام السلطة الدكتاتورية وصمود بطولي تحت سياط الجلادين، حيث تعرض الحزب لاشرس هجمه بين عامي 1979 و1980، اضطر بعض الشباب الى مغادرة الوطن مكرها الى بلدان المنافي، لا هربا من مصير اختاره بأرادته، بل بحثا عن اساليب جديدة للنضال من اجل خلاص الوطن والشعب من اوضاع البؤس والشقاء وانعدام الحريات والتحكم بمصائر الناس.

من هنا تبدأ قصة الزوجة (ام ظفار) وكل زوجات الشيوعيين الذين عاشوا المنافي وانقطعت اخبارهم عن ذويهم لأسباب امنية، او أسباب تتعلق بظروف وأساليب النضال الجديد، أو لأن بعضهم  استشهد اثناء محاولات اجتيازهم لمخاطر امتلأت بها طرق المغادرة، او نتيجة التصفية الجسدية من قبل مخابرات النظام بأساليب لا يمكن وصفها إلا بالخسة والجبن، قامت على الغدر، ويترفع عنها أي سياسي شريف.

(أم ظفار) ولدت ونشأت في كنف عائلة متواضعة بسيطة تحترم القيم والتقاليد الأنسانية وتلتزم بالأخلاق والمثل العليا، وهذا ليس غريبا على طبيعة المجتمع العراقي المعروف بأصالته والمتميز بهذه الصفات، غير ان هذه التركيبة الأجتماعية والمنظومة الأخلاقية، بدأت تتعرض الى التفكك والأنهيار من جراء سياسة النظام الرامية الى اضعاف وحدة العراقيين وتماسكهم ولم يكن اثرها مقتصرا على العائلة العراقية، بل امتد الى المدرسة والجامعة والتلفزيون والمسرح وكل مرافق الحياة، حتى الحدائق العامة والمتنزهات الترفيهية لم تسلم من عبثهم وسلوكهم اللأخلاقي، وما زاد بالطين بلة تداعيات الحصار الأقتصادي والحروب العبثية. ما يمر به العراق الأن ما هو الا تحصيل حاصل لممارسات تلك العقود الغابرة، وسنظل نحصد اثارها اذا لم يتعض السياسيون من عبر ودروس التاريخ ويتحرروا من عقلية الماضي.

(ام ظفار) وهي الأنسانة الرقيقة، كانت تحلم كبقية بنات جيلها ان تسعد بزواجها وان تقيم اسرة هادئة مستقرة في ظل حماية مجتمع تحبه ويحبها، غير ان الظروف وضعتها امام تحديات صعبة وقاسية لم تكن بالحسبان ولم تكن مهيئة لها ولم يدر بخلدها وبقية العراقيين ان تنحدر مجموعة ومع الأسف نسميهم عراقيين الى هذا المستوى من الأنحطاط والرذيلة ويتعاملوا مع المرأة العراقية التي قدستها كل الشرائع بأساليب مبتذلة ورخيصة تتنافى مع كل ما يدعون من احترام وصون لكرامة الأنسان.

فرضت عليها تلك التحديات خيارًا قاسيًا: إما أن تنحدر إلى مستنقع رذائلهم وتنساق إلى أخلاقهم الدنيئة، فتغدو أداةً لتنفيذ مآربهم ووسيلة ضغطٍ على زوجها، وإما أن تصون مبادئها. غير أنّ القيم التي آمنت بها، والأخلاق الرفيعة المتجذّرة في ذاتها، أبت أن تخضع لنواياهم الخبيثة؛ فآثرت أن تموت حرّةً كريمة على أن تحيا في ذلّ العبودية، إيمانًا منها بأن الخلود الحقيقي إنما يكون بالذِّكر الحسن، وهو ما يرجوه كل مناضلٍ وإنسانٍ شريف، حتى لا يكون التاريخ شاهدًا عليها بالهوان.

تقول، بعد إصرارها على المقاومة والصمود: "عليَّ أن أتحسب لكل الاحتمالات. وبالفعل، تكررت مرات استدعائي إلى دوائرهم الأمنية، لسبب أو بلا سبب، حتى وجدت نفسي محاصرة أينما كنت: في البيت، وفي مكان عملي، وحتى حين أكون عند أهلي. وبدأت أشعر أنّ الأمكنة أخذت تضيق بي، وأنّ خطواتي صارت محسوبة، ووكلاءهم لا يفترون عن مراقبتي؛ فغدت كلّ أحلامي ورغباتي وأمنياتي ترتطم بجدار السجن الذي تغلغل في داخلي".

كان فؤادها يعتصر ألمًا كلما تطلّعت إلى وجهي طفليها، وقد ارتسمت عليهما مسحةُ حزنٍ ونظراتُ شفقةٍ عليها، تخفي وراءها سيلًا جارفًا من الأسئلة وعلامات الاستفهام. كانت نظراتهما تجمع بين التعاطف والمواساة لأمهما، وبين حرمانٍ قاسٍ من أن ينطقا بكلمة «بابا»، خوفًا من الجلادين الذين سرقوا منهما طفولتهما وأحلامهما. فالطفلةُ الصغيرةُ غادرها والدها بعد أن احتفلوا بعيد ميلادها الأول، أمّا الطفل الثاني فلم يتجاوز الرابعة من عمره، ولم تكتحل أعينهما برؤية والدهما إلا بعد ستة عشر عامًا من الفراق القسري.

وكثيرا ما استدعي الطفل للتحقيق منفردا عن امه، وقد فوت عليهم الفرصة لأنتزاع اي معلومة منه ربما لأحساسه الفطري وشعوره بمعاناة والدته، وأن هؤلاء الناس غرباء عنه مما اكسب والدته زخم جديد من القوة والتحدي.

ومن بين الأساليب الأخرى، كما ترويها (أم ظفار) بمرارة شديدة، أنها كانت تُستدعى منذ ساعات الصباح الأولى، وتُقاد إلى شرفة تُشرف من خلف زجاجها على ساحة تتوسط مبنى مديرية الأمن. هناك كان ينتشر عدد كبير من المعتقلين من شتى الاتجاهات السياسية، مبعثرين في أوضاع بائسة، يرتدون ملابس رثة ومهلهلة. من ملامح وجوههم ولحاهم الطويلة كان واضحا أنهم لم يستحمّوا منذ زمن طويل، وبعضهم بدت عليه علامات الجنون من تصرفاته، فيما انزوى آخرون في زوايا الساحة خوفا من السياط التي قد تنهال على ظهورهم. وبين الحين والآخر كان الحرس يطلقون عيارات نارية، وكأن هذا المشهد تقليد يومي للتسلية بهذه الكائنات البشرية في مكان يفتقر إلى أدنى معاني الإنسانية. وكان يمر أمامي من حين لآخر، عبر الممرات والسلالم، موكب آخر من المعتقلين معصوبي الأعين، مقيدي الأيدي، بينما كانت السياط والهراوات تلهب ظهورهم.

أمام هذا الموقف، وغيره من المواقف التي تعجز الكلمات عن وصفها، ويخجل اللسان عن البوح بها، وترتجف الأبدان لمشاهدتها، كنت أحاول أن أستجمع قواي لأحافظ على توازني حتى لا أنهار أو ينالوا مني. فقد كنت ألحظ نظراتهم تراقبني وتهديداتهم تتردد في أذني، فأدّعي تجاهل ما يدور حولي. ولولا هذا الصمود وعدالة قضيتي لما انتصرت على جلّادي. وقد علّمتني هذه التجربة، على قسوتها، والتي لا تزال كوابيسها تؤرقني وتثقل صدري، أن أعيد صياغة كلماتي عشر مرات قبل أن أنطق بها.

أن معاناة زوجات الشيوعيين تستحق منا اكثر من وقفة نتأمل فيها صمودهن البطولي وسمو اخلاقهن واحترامهن لرباط الزوجية المقدس للأستفادة من دروسها ومعانيها وليتعرف عليها ابناء شعبنا ومنهم الأجيال الجديدة الشابة التي تشكل تاريخا مشرفا في نضال المرأة العراقية.

فلهن منا كل الأحترام والتقدير والى مزبلة التاريخ من اراد النيل منهن.

النصير الشيوعي العدد 45 السنة الرابعة نيسان 2026