كان القرار الذي اتخذناه نتاج تداخل عوامل عديدة، في مقدمتها الالتزام بقرار الحزب بالالتحاق بقوات الأنصار، الى جانب عنصر الشجاعة الذي امتزج بقدر غير قليل من القلق والرهبة من عالم جديد تماما، عالم أطاح بايقاع الحياة المألوفة وبالأحلام الوردية، ووضعنا امام مسؤولية كبيرة لم تكن نتائجها محسوبة بدقة. ومع ذلك، كان القرار حاضرا وحاسما، وكانت الرحلة التي لا بد منها.

لا أريد هنا الخوض في موضوع الحدود ومفرزة الطريق، إذ سيكون لذلك فصل مستقل لاحقا، وانما سيكون حديثنا عن الوصول الى (مواقع بشتاشان)، تلك القرية الصغيرة التي تستقر في وادٍ عميق تحتضنه سلسلة جبال قنديل الشامخة. لم تكن هذه القرية من الأماكن المعروفة أو التي نالت شهرة تُذكر، إلا بعد أن دخلتها قوات الأنصار الشيوعيين، حيث أُنشئت على أطرافها الفصائل المقاتلة، التي أعادت الدفء والحياة الى قرية منسية تقع في أقصى شمال العراق، وتغفو بهدوء في عمق الوادي، الذي يخترقه نهر صغير ينبع من أعالي جبال قنديل وقممه المكللة بالثلوج.

لم يكن ما جرى بالأمر السهل، لان القاعدة في طور الانشاء والتوسع، وكان وصول دفعات جديدة من الأنصار الشباب عاملا مهما في تسريع هذه العملية وتعزيزها، سواء في البناء أو في تشكيل الفصائل. جاءت التشكيلة العسكرية منسجمة مع حجم التواجد العددي للأنصار، حيث تشكل المكتب العسكري من مجموعة من القياديين، على رأسهم رفيقنا الراحل أبو عامل كقائد عام لقوات الأنصار، الى جانب عدد من أعضاء المكتب العسكري، إضافة الى المسؤول السياسي والمسؤول الاداري، وكان يرافقهم فصيل خاص عُرف باسم فصيل المكتب العسكري.

تلا ذلك تشكيل الفوج الثالث، الذي ضمّ ثلاث سرايا عسكرية، كل سرية تقود فصيلين أو أكثر من فصائل الأنصار. ومن بين هذه التشكيلات فصيل الفوج، الذي يقوده عسكريا الرفيق أبو عبود، وسرية أخرى تمركزت في مقر فصيل المدفعية آمرها العسكري الرفيق الراحل ملازم قصي، ومستشارها السياسي الرفيق أبو ايار، والإداري الرفيق أبو ولاء. كما ضمت التشكيلات فصيل الإذاعة، وفصيل عُرف باسم فصيل "بدربك حبيب"، إضافة الى فصيل آخر أُطلق عليه "فصيل الكويت" نظرا لعدم توفر مصدر مياه خاص به.

الى جانب هذه التشكيلات، هناك مكتب وفصيل الاقليم الذي يتمتع باستقلال إداري وسياسي، مع بقائه خاضعا من الناحية العسكرية للمكتب العسكري. هكذا تبلورت ملامح التشكيلة التي عُرفت لاحقا باسم قوات الأنصار في (بشتاشان).

فور وصولي الى موقعنا في (بشتاشان)، تم تكليفي بمهمة آمر فصيل المدفعية، وهو فصيل يتموضع في موقع مكشوف نسبيا من الناحية العسكرية، إذ بُني على هضبة مسطحة تشرف من جهة على مباني المكتب العسكري، ومن جهة أخرى على مقر الفوج الثالث. تراوح عدد رفاق الفصيل بين ثلاثين وخمسة وثلاثين رفيقا، تبعا لظروف الالتحاق والتحرك والتنقل. وتميز هذا الفصيل عن غيره بوجود عشر رفيقات مقاتلات، عُرفن بالشجاعة والحضور اللافت، ومن بينهن الرفيقات أم زينب، عشتار، تانيا، ظافرة، الدكتورة ساهرة، ليلى، وعايدة، إضافة الى أخريات من رفيقاتنا الرائعات. أما الرفاق، فكانوا خليطا من الشجعان، يمثلون أطياف المجتمع، منهم الفنان التشكيلي، والمثقف، والعامل، والفلاح، وقد شكلوا جميعا لوحة حية تعكس ملامح الوطن، وهم ينسجون معا درب النضال من أجل اسقاط النظام الدكتاتوري.

سار العمل داخل الفصيل بانسيابية وفق جدول منظم يتلاءم مع متطلبات الحياة الأنصارية العسكرية، رغم ما كان يرافقها من صعوبات قاسية فرضتها طبيعة الحياة في الجبال، والبرد الشديد. وفي ربيع عام 1983، وتحديدا في مطلع شهر نيسان، أبلغني الرفيق ملازم قصي، آمر السرية، بأمر سري للغاية، طلب فيه إفراغ الغرفة المخصصة للرفيقات ونقلهن الى الغرفة الخاصة بالرفاق، مع وضع حاجز يفصل بينهما، مؤكدا أن هذا الاجراء مؤقت. ولما استفسرت عن السبب، أوضح أنهم بحاجة الى هذه الغرفة لتخزين 21 صندوقا تحتوي على صواريخ من نوع (غراد). ونظرا لأهمية الموضوع، تم تنفيذ الأمر فورا، حيث أُخليت الغرفة وانتقلت الرفيقات للعيش مع بقية رفاق الفصيل. وبالفعل، بعد يومين وصلت حمولة الصناديق، وتم تخزينها داخل إحدى غرف الفصيل. لكن لم تمضِ فترة طويلة حتى بدأت عملية قصف منظم استهدفت محيط الفصيل، وبحسب التوقعات، كان الهدف هو فصيل المدفعية، وبالتحديد الغرفة التي خُزنت فيها الصواريخ. سقطت قذيفتا هاون قرب الجناح الأيسر، حيث كانت الصناديق مخزنة، وهنا تم التحرك بسرعة، وتحت وابل القصف صدرت الأوامر باخلاء مخزون الصواريخ ونشره في أماكن محصنة على سفح الجبل المحيط بالفصيل. وبفضل سرعة التنفيذ والانضباط الصارم، تمكنا من إفراغ الحمولة وتجنب خسائر كبيرة. وقد اتضح لاحقا أن أحد الملتحقين الأكراد ويدعى شورش كان يتجسس لصالح (أوك)، وظهر لاحقا ان له دورا في أحداث بشتاشان.

كان شهر نيسان 1983 حافلا بالأحداث والتوترات، إذ بدأت قوات (اوك) بتجميع قواها منتصف الشهر، وتصاعدت المواجهات بدءا من معارك سهل أربيل التي شكّلت إشارة لانطلاق التحضيرات لهجوم بشتاشان. في هذا السياق، نُفّذ كمين قرب فصيل بولي أوقف قوة من نحو 60 مقاتلا بقيادة الملازم فؤاد، قبل السماح لها بالمرور بعد مفاوضات استمرت أكثر من ساعة.

شاركت شخصيا في بعض الكمائن التي نصبت لمراقبة تحركاتهم. كما تم تشكيل مفرزة استطلاعية باتجاه منطقة (كاني ساوين)، ولم تُظهر الجولة أي مؤشرات على تحضيرات عسكرية، ما خلق شعورا زائفا بالاطمئنان، تبيّن لاحقا أنه جزءا من فخ مُحكم.

في ليلة 30 نيسان، كلفني ملازم قصي بتشكيل مفرزة من 6 رفاق والتحرك نحو (أشقولكة) والالتحاق بانصارها، ليرتفع عددنا الى 21 مقاتلا. ومن هناك، انطلقنا ليلا الى (كاني ساوين)، التي أصبحت ساحة المعركة الحاسمة. وصلنا فجر الأول من أيار الى موقع التجمع، حيث كانت التقديرات تشير الى أن عدد قوات الخصم لا يتجاوز 100 مقاتل، لكن تبيّن لاحقا أنهم تجاوزوا 500 مقاتل مجهزين بأسلحة حديثة. في المقابل، كانت قواتنا تقارب 30 من الأنصار، إضافة الى نحو 60 مقاتلا من الحزب الاشتراكي الكوردستاني بقيادة سيد كاكا.

عند وصولنا الى موقع (كاني ساوين)، الذي هو عبارة عن مجموعة ربايا ومواقع قتالية مهجورة تعود للجيش العراقي، وتحيط بها سلسلة جبال عالية، أصبح بالامكان تشخيص خطأ استراتيجي واضح، إذ كان من المفترض، من وجهة نظر عسكرية، السيطرة على القمم المحيطة لتأمين الموقع وردع أي هجوم محتمل. إلا أن قوات (أوك) سبقتنا الى ذلك، حيث تمكنت في ليلة الثلاثين من نيسان من السيطرة على تلك المرتفعات، وبحلول الأول من أيار كانت قد أحكمت قبضتها على أهم المواقع، الأمر الذي أدى عسكريا الى كشف موقع (كاني ساوين)، كونه منطقة سهلية مفتوحة.

في تمام الساعة الثامنة والنصف من صباح الاول من ايار، بدأ هجوم كاسح، حيث باشرت تلك القوات باطلاق النار بشكل منظم من ثلاثة اتجاهات: الأول باتجاه الوادي، حيث تمركز رفيقنا مام رسول مع مجموعة من الأنصار، والثاني باتجاه مواقعنا الأساسية في (كاني ساوين)، حيث كنا نتموضع في مواقع سابقة للجيش، والثالث باتجاه مواقع الحزب الاشتراكي الواقعة الى يمين مواقعنا.

توزعت مجموعة الأنصار على موقعين قتاليين، الأول بقيادة الرفيق مام رسول، والثاني بقيادة الرفيق أبو خالد من المكتب العسكري. كانت النيران كثيفة، وحركتنا مقيدة، كما أن قدرتنا القتالية كانت محدودة أيضا. ونتيجة لذلك، حاولت مجموعة من قوات الحزب الاشتراكي الصعود الى القمة التي تسيطر عليها قوات (أوك)، إلا أن المحاولة باءت بالفشل، وقدم الحزب الاشتراكي عددا من الشهداء. أما نحن، فقد قدمنا أول شهدائنا، الرفيق مام رسول، الذي قاتل واقفا بشجاعة نادرة.

وبفعل كثافة النيران، اضطرت مجموعة الشهيد مام رسول الى الانسحاب عبر الطريق السفلي، وهناك قدمنا شهيدا ثانيا. ومع استمرار الضغط، تراجعت قواتنا، وانسحبت حضيرة بشدر، ولم يتبقَ سوى سبعة رفاق في الموقع. ومع حلول الظلام، خيم الصمت على الجبهة، وتوقف صوت الرصاص، وتمكنا من إعادة تجميع قوتنا. عقد الرفيق أبو خالد لقاء مع سيد كاكا، قائد مجموعة الحزب الاشتراكي، أعقبه اجتماع أُبلغنا فيه بأننا أصبحنا معزولين، وأن الخيار متروك لنا بين البقاء أو الانسحاب.

كان ردنا موحدا: البقاء والمقاومة، إذ كنا ندرك أن خلفنا عشرات الرفاق، وقيادة المكتب العسكري، فضلا عن العديد من الرفيقات والرفاق والعوائل والأطفال، لذلك قررنا مواصلة القتال. غير أن المفاجأة الكبرى تمثلت في انسحاب قوات الحزب الاشتراكي من مواقعها، الأمر الذي تركنا في مواقع مكشوفة تماما، دون قدرة على الصمود.

أمام هذا الواقع الصعب، لم يكن أمامنا خيار سوى اتخاذ قرار الانسحاب باتجاه مواقعنا في فصيل (أشقولكه)، حفاظا على ما تبقى من القوة، واستعدادا لجولات أخرى من الكفاح.

النصير الشيوعي العدد 46 السنة الرابعة آيار 2026