منذ صدور "النصير الشيوعي" كصحيفة إلكترونية قبل نحو خمس سنوات، كرّست مساحة واسعة لتوثيق تجربة الحركة الأنصارية في كردستان. ولا شك أن هذا الجهد يمتلك قيمة مهمة في حفظ جانب من ذاكرة الحركة الشيوعية العراقية، خصوصا في بلد تعرض تاريخه السياسي إلى كثير من التهميش والتشويه والطمس، وفي ظل إمكانات محدودة وظروف ليست سهلة.

لكن مع تراكم هذا الجهد التوثيقي، يبرز سؤال مشروع:

هل يمكن أن تتوسع تجربة الصحيفة لتصبح، إلى جانب دورها التوثيقي الحالي، مساحة لإنتاج المعرفة والنقاش الفكري حول تلك التجربة وتحولاتها؟

يلاحظ المتابع للمواد المنشورة حضورا واسعا للذكريات الشخصية واستعادة تفاصيل الحياة الأنصارية اليومية، من التنقل بين القواطع، ووصف الجبال والمقرات، إلى حكايات اللقاءات والعلاقات الإنسانية بين الرفاق. وهذه الكتابات تمتلك بلا شك قيمة إنسانية وتوثيقية مهمة، لأنها تحفظ جانبا من تجربة مليئة بالتضحيات والمعاناة.

غير أن أهمية التوثيق لا تلغي الحاجة إلى مساحات أخرى مكملة له، تفتح الباب أمام القراءة النقدية والتحليل الفكري والسياسي للتجربة.

فأين الدراسات التي تتناول تجربة الحركة الأنصارية من زاوية نقدية ومعرفية؟

وما النجاحات التي حققتها، وما الإخفاقات التي واجهتها؟

وكيف كانت علاقتها بالمجتمع العراقي والكردستاني؟

وما تأثير التحولات الإقليمية والدولية آنذاك على مسارها؟

وكيف يمكن فهم الظروف الفكرية والسياسية التي دفعت أعدادا كبيرة من الشيوعيين إلى حمل السلاح، ثم العوامل التي قادت التجربة لاحقًا إلى نهايتها؟

إن طرح هذه الأسئلة لا ينتقص من التجربة، بل يمنحها عمقا أكبر، لأن التجارب التاريخية تكتسب قيمتها الحقيقية ليس فقط من حجم التضحيات، وإنما أيضا من قدرتها على إنتاج الدروس والمعرفة.

كما أن بعض الكتابات تبدو أحيانا وكأنها تتناول الحركة الأنصارية بمعزل عن سياقها التاريخي والاجتماعي الأوسع، رغم أن تلك التجربة كانت جزءا من تحولات سياسية وفكرية وطبقية كبرى عاشها العراق والمنطقة والعالم في تلك المرحلة.

لهذا تبدو الحاجة ملحة للانتقال، تدريجيا، من مجرد رواية ما حدث إلى محاولة فهم أسبابه ونتائجه، وما الذي يمكن أن نتعلمه اليوم من تلك التجربة، خصوصا بعد التحولات الكبيرة التي شهدها العراق واليسار العالمي خلال العقود الأخيرة.

لكن القضية لا تتعلق فقط بإضافة بعض المقالات النقدية إلى جانب الذكريات، بل ترتبط أيضا بالسؤال عن الدور الذي يمكن أن تؤديه الصحيفة اليوم:

هل تبقى منبرا معنيا أساسا بذاكرة الحركة الأنصارية، أم تتوسع لتصبح مساحة فكرية وسياسية وثقافية أكثر اتصالا بقضايا المجتمع العراقي الراهن وأسئلة اليسار المعاصر؟

فالذاكرة تبقى ضرورية ومهمة، لكنها تصبح أكثر حيوية عندما تتحول إلى منطلق للتفكير بالحاضر والمستقبل، لا مجرد استعادة للماضي وحده.

إن "النصير الشيوعي" تستطيع أن تكون أكثر من صحيفة للذكريات، يمكنها أن تكون أيضا منبرا للحوار الفكري والنقد السياسي، ومساحة لتواصل الأجيال وإعادة قراءة التجربة الأنصارية بعيدا عن التقديس أو الإنكار.

فليس المطلوب التقليل من شأن التجربة، كما ليس المطلوب الاكتفاء بتمجيدها، بل التعامل معها بوصفها تجربة تاريخية وإنسانية غنية، فيها الكثير مما يستحق الاعتزاز، وفيها أيضا ما يستحق التأمل والمراجعة.

لأن التجارب التي لا تتحول إلى معرفة نقدية تبقى أسيرة ذاكرتها، بينما تبقى التجارب الحية هي القادرة على إنتاج أسئلة جديدة ورؤية للمستقبل.

النصير الشيوعي، العدد 49 السنة الخامسة، آب 2026