بدأ الخريف مبكراً عام 1978. البلاد تعيش على وقع أخبار لا تصل عبر الصحف والاذاعات، بل عبر البريد الحزبي، الذي كان ينبض بما يشبه دقات الخطر. في بغداد اعتُقل لنا رفاق كُثر، وفي الناصرية العدد أكبر، اما في البصرة، فالأرقام تتفاوت بين هذا وذاك. آلة القمع تدور بلا توقف، وتطوف أخبارها على المنظمات الحزبية، ضمن مستويات متباينة، حتى صدر التوجيه الأول بالحذر، ثم التوجيه الثاني بترك مواقع العمل والدراسة.
كنتُ يومها في الصف الرابع العام، ثانوية الطليعة في مدينة تللسقف، مع رفاق ما زال بعضهم على قيد الحياة، فيما غادر آخرون هذه الدنيا. بعد فترة وجيزة، جاء القرار الحاسم، الاختفاء التام عن الأنظار، فمنظمات الحزب اصبحت جميعها هدفاً مباشراً للملاحقة والتصفية.
اجتمع شيوعيو الشيخان وريف تلكيف في محيط ختارة ودوغات، بين الهضاب والتلال والشعاب والكهوف، يحملهم حلم كبير، هو الردّ على همجية النظام وحملته البربرية ضد الحزب. جمعوا ما توفر لهم من سكاكين وبنادق صدئة، استعداداً لتنفيذ مشروعهم الكبير. كُلّفتُ أنا والرفيق سعيد أطوشي (عادل عيسى) بالاختفاء في دوغات، حيث عاشت عائلتي بعد أحداث سياسية مؤسفة بين حزبنا وحدك، تركنا على أثرها ختارة، واندمجنا في مجتمع دوغات المكتظ بالشيوعيين وعوائلهم وأحلامهم، حتى لُقّبت القرية بـ"موسكو الصغرى".
في تلك القرية التي حاولت السلطات ومعها جهات سياسية أخرى مراراً، كسر شوكة الشيوعيين فيها، كنا نتابع أخبار الحملة، التي امتدت إلى كل قرى المنطقة، حتى اصبح كل رفيق فيها عرضة للملاحقة، كنا نستقبل الهاربين، نؤمّن وصولهم إلى )الكند) حيث المجاميع الأنصارية الأولى، أو نزوّدهم بتوجيهات الرفاق في الشيخان وتلكيف.
بعد أسابيع من الاختفاء، جاء أمر الذهاب إلى بغداد والانتظار هناك لحين الاتصال بنا. نفذنا التوجيه، إلا أن أحداً لم يتصل بنا!. عقب مرور عشرة أيام، ضاقت بنا الحال فعُدنا إلى دوغات بسرية تامة، وتواصلنا مع الأنصار في الكند، عندئذ أدركنا أن الحزب لم يكن قد حسم رؤيته بعد!. هل يكون الالتحاق بالجبل هو الخيار، أم أن ثمة خياراً آخر؟.
في المقابل، كانت مجاميع "لمّ الشمل" تسعى لتشكيل نواة لحرب انصار في هضبتي ختارة ودوغات، وتعمل كذلك على التواصل مع البيشمركة، خصوصاً الشهيد محمود أيزيدي من القيادة المؤقتة ل"حدك"، لتسهيل الانتقال إلى الجبل. لكن رسالة من الراحل أبو جوزيف (توما توماس)، عضو اللجنة المركزية لحزبنا وسكرتير محلية نينوى، إلى قيادات تلك المجاميع المسلحة ببنادق صدئة وسكاكين وخناجر، قلبت المعادلة وغيّرت مسار الأمور، إذ أكدت الرسالة أن تنفيذ هذا المسعى يعني توجيه "سهم موجع إلى قلب الحزب".
على إثر رسالة الرفيق (ابو جوزيف)، وبعد حالة من الامتعاض الشديد، تقرر إخفاء الأسلحة واللجوء إلى أماكن أمنة، للاختفاء مع تعليق فكرة الالتحاق بالجبل مؤقتاً. توجهت الأغلبية إلى بغداد، بينما اختار آخرون الاستسلام والتوقيع على أوراق التعهد، بترك العمل السياسي والعودة إلى "الصف الوطني ".
في بغداد الشاسعة، ذات الصدر الرحب والقلب الواسع، تلك العاصمة التي احتضنت الشيوعيين وأسرارهم لعقود، استقبلتنا بين مخابئها الحنونة. لم نكن نعرف أننا لسنا وحدنا، وأن كثيرين مرّوا من هنا نحو المنافي، أو نحو الجبل إلى قلاع الأنصار في ذرى كوردستان، وربما كنا نسكن أو نعمل من دون أن ندري، إلى جوار رفاق قدموا من مختلف مدن العراق متوارين عن أنظارأجهزة الأمن، التي تعرفهم جيداً في مدنهم الأصلية.
عملنا أنا والرفيق سعيد في مشرب وفندق بشارع الخيام قرب حديقة الأمة، يملكه رجل مسيحي اسمه رمزي، كان في قمة الخلق والأدب، حريصاً على سلامتنا بعدما عرف حقيقة وجودنا في بغداد. بقينا هناك ثلاثة أشهر، خلال تلك الفترة واصل رفاقنا مساعيهم للتواصل مع قيادة الحزب، التي لم يبق منها في العلن سوى الفقيد عبد الرزاق الصافي، غير أنه لم يكن قادراً على مساعدتنا في التوجه إلى كوردستان، وكل ما يستطيع تقديمه من تسهيلات هو مغادرة العراق، وهو خيار رفضناه تماماً.
أرسلنا وفداً سرياً إلى أربيل، وهناك التقى الوفد بالسيد أبو حكمت، عضو اللجنة المركزية للحزب وعضو المجلس التشريعي للإقليم، الذي كان يتمتع بحرية حركة نسبية. بعد جهود مضنية وافقت قيادة منظمة الإقليم، على التحاق مجموعتنا بالجبل وتشكيل النواة الأولى لحركة الأنصار، لكن هذه المرة في الجبل وليس في الكند.
انطلقنا في أيام ربيعية من بغداد والموصل، على شكل مجموعات متفرقة، متوجهين إلى أربيل، حيث انتظرنا فيها أياماً طويلة، أخترنا خلالها أسماءنا الحركية، وتدرّبنا على حفظها واستخدامها، فيما حرصنا على نسيان أسمائنا الصريحة. كنا نقرأ، و نلعب الورق، ونترقب لحظة الانطلاق.
لاحقاً، توجهنا إلى قرى سهل كويسنجق، تحديداً داربه سه ر وإيلينجاغ، مستغلين مناسبة نوروز العيد القومي للشعب الكوردي، إذ كان الاحتفال بها ممكنا، ولكن بحدود ضيقة جدا، خلال يومين اكتملت شروط الرحلة. أدلاء، ملتحقون، أطعمة معلبة، ثم انضم إلينا فيما بعد رفاق آخرون، منهم ماموستا رزكار (سامي المالح)، وصباح كنجي وخالد (درويش)، حتى بلغ عددنا نحو أربعة وعشرين رفيقاً.
في مساء ربيعي منعش، ومن حدود القريتين، بدأت مسيرتنا نحو الحدود الإيرانية، حيث يتجمع عدد قليل من الرفاق قرب مقرات الاتحاد الوطني الكوردستاني. عبرنا قرى كثيرة وجبالاً وطرقاً وعرة، واستغرقت المسيرة عشرة أيام مليئة بالمخاطر والمفاجآت، حتى وصلنا إلى "ناوهزهنك" على شكل ثلاث مجموعات، منهكين، وذلك في الحادي والثلاثين من آذار، يوم ميلاد الحزب.
هناك، في مقر بسيط وبسلاح شحيح وعدد قليل من الرفاق، وسط مصاعب لا تُحصى ومعاناة الجوع والعوز، حافظنا على معنوياتنا. لم يكن شيء قادراً على تثبيطها. أثمر صبرنا عن التحاق أعداد متزايدة من الرفاق من الداخل، من مختلف المدن العراقية، و وصول بعض قيادات الحزب، وبعض الأموال التي حسّنت مستوى المعيشة للأنصار الذين شكّلوا النواة الأولى لحركة أنصار الحزب في الجبل.
لكن الجانب السياسي ظلّ يقلقنا، إلى أن أقرت اللجنة المركزية شعار إسقاط النظام الدكتاتوري، واعتماد الكفاح المسلح أسلوباً رئيسياً. وقد شكل هذا الشعار الشرارة التي شحذت هممنا لمواصلة النضال حتى آخر يوم من وجودنا في كوردستان، قبل أن نغادرها و العراق كله إثر حملة الأنفال سيئة الصيت في آب 1988، التي اعقبت الحرب العراقية–الإيرانية.
في تلك المرحلة المعقدة، ساهمت بإيجاد طريق آمن نحو سوريا عبر الموصل وسنجار، فأنقذنا من خلاله عدداً لابأس به من الأنصار. لكن العدد الأكبر منهم أضطر لاختيار طريق الجبل، واختراق خطوط الجيش العراقي نحو الحدود التركية أو الإيرانية، لقد دونتُ ونشرتُ الكثير عن هذه المحطات النضالية بصفتي نصيراً ضمن الحركة الأنصارية للحزب الشيوعي العراقي.
طيلة تلك السنوات الصعبة، مارست مختلف المهام الحزبية والعسكرية، شاركت في إعادة وبناء منظمات الحزب، على مستوى ريف تلكيف، كما ساهمت في الأنشطة العسكرية، وأيضا في تعبئة جماهير المنطقة للدفاع عن مصالحها، والانخراط في الثورة لإسقاط النظام الدكتاتوري!.