الدعوة الأخيرة إلى الحوار حول مستقبل جريدة (النصير الشيوعي) خطوة مهمة، ليس لأنها تطرح سؤال يتعلق بمستقبل صحيفة فحسب، بل لأنها تفتح نقاش أوسع حول الطريقة التي ينبغي أن نتعامل بها اليوم مع تجربة الأنصار الشيوعيين العراقيين.

لقد أدت الجريدة خلال السنوات الخمس الماضية وظيفة مهمة في حفظ الذاكرة. جمعت شهادات، واستعادت أحداث، ووثقت أسماء وتجارب وأمكنة، وحافظت على جانب من تاريخ حركة لم يكن من السهل جمع وثائقها وشهاداتها. وهذه مهمة لا يمكن التقليل من شأنها، خصوصاً أن الذاكرة التاريخية معرضة مع مرور الزمن للتبعثر والنسيان، وأن الكثير من شهود تلك المرحلة يغادروننا واحداً بعد آخر.

ومع ذلك، فإن الاعتماد على الذاكرة وحدها لا يمكن أن يكون كافياً على المدى البعيد. فالذكريات، مهما كانت غنية وصادقة، ترتبط بمن عاشوا التجربة وشهدوا تفاصيلها، وسيأتي يوم تنضب فيه منابع الشهادة المباشرة، وتصبح الحاجة أكبر إلى ما تم تحويله من تلك الذكريات إلى وثائق ودراسات ومعارف قابلة للنقل بين الأجيال.

ومن هنا تبرز أهمية الانتقال من حفظ الذاكرة إلى استثمارها، فالذاكرة التي لا تتحول إلى معرفة تبقى محدودة بزمن أصحابها، بينما تكتسب قيمتها الأوسع عندما تتحول إلى مادة للبحث والتحليل والحوار، وتصبح جزء من الوعي التاريخي العام.

فالتوثيق والحوار ليسا وظيفتين متعارضتين، بل يمكن لكل منهما أن يمنح الآخر معناها وقيمتها. فالوثيقة تحتاج إلى من يقرأها، والشهادة تحتاج إلى من يضعها في سياقها، والذكرى تحتاج إلى من يسأل عما تعنيه، لا أن يكتفي بسردها.

وربما تكون المرحلة المقبلة فرصة لأن تتحول (النصير الشيوعي) من مجرد مساحة لاستعادة ما حدث إلى مساحة تساعدنا على فهم لماذا حدث، وكيف حدث، وماذا ترك من آثار لا تزال حاضرة في حياتنا السياسية والفكرية.

إن تجربة الأنصار ليست مجرد مجموعة من الذكريات الفردية، مهما كانت غنية ومؤثرة. إنها تجربة سياسية واجتماعية وفكرية، ارتبطت بمرحلة تاريخية معقدة من تاريخ العراق والحركة الشيوعية والمنطقة والعالم. ولذلك فإن قراءتها لا تكتمل من دون مساءلة علاقتها بالمجتمع، وبالدولة، وبالتحولات السياسية التي أحاطت بها، وبالأفكار التي حكمت خياراتها، وبالظروف التي ساهمت في استمرارها ثم تراجعها وانتهائها.

وهنا يمكن أن تكتسب الجريدة دور جديد، في أن تكون المكان الذي تلتقي فيه الشهادة الشخصية بالوثيقة، والوثيقة بالتحليل، والتحليل بالسؤال.

يمكن أن تنشر تجربة أنصاري عن حياته في أحد القواطع، ثم تفتح في المقابل نقاش حول ذلك القاطع وظروفه السياسية والاجتماعية. ويمكن لشهادة عن الحياة اليومية في المقرات أن تكون مدخل للبحث في علاقة الأنصار بالمجتمع المحلي. ويمكن لذكرى شخصية عن قرار أو حدث معين أن تستفز قراءة أخرى تسأل عن خلفيات ذلك القرار ونتائجه.

بهذه الطريقة لا تختفي الذاكرة، بل تصبح أكثر فائدة.

كما أن الحوار المطلوب لا ينبغي أن يكون حوار حول الماضي وحده. فالأجيال التي لم تعش تلك التجربة يمكن أن تطرح أسئلتها عليها، وأن تقرأها من زاوية مختلفة، وقد ترى فيها ما لم نره نحن بسبب قربنا منها أو مشاركتنا فيها. وهذه إحدى أهم الوظائف الممكنة للجريدة: أن تجعل تجربة الأمس قابلة للحوار مع أجيال اليوم.

ولعل التواصل بين الأجيال هو من أكثر ما تحتاج إليه مثل هذه التجارب التاريخية. فالجيل الذي عاش التجربة يمتلك الذاكرة والشهادة، بينما يمتلك الجيل الجديد مسافة زمنية تسمح له بطرح أسئلة مختلفة. وإذا التقى الاثنان في فضاء مفتوح ومحترم، يمكن أن تتحول الذكريات إلى معرفة مشتركة بدل أن تبقى روايات متجاورة لا تتحاور.

وبهذا الشكل، فإن فتح صفحات الجريدة أمام الآراء المختلفة لا يعني التشكيك بالتجربة أو الانتقاص منها، كما أن القراءة النقدية لا تعني إدانة الماضي. التجربة التاريخية لا تحتاج إلى الحماية من الأسئلة، بل تحتاج إلى أن تكون قادرة على مواجهتها.

فالاعتزاز بالتضحيات شيء، وتحويل تلك التضحيات إلى حصانة ضد النقد شيء آخر.

وما تحتاجه (النصير الشيوعي) ربما هو هذا التوازن بالتحديد، في أن تحافظ على ذاكرتها من دون أن تصبح أسيرة لها، وأن تنفتح على النقد من دون أن تفقد هويتها، وأن تتابع قضايا الحاضر من دون أن تتخلى عن الموضوع الذي نشأت من أجله.

وربما يمكن أن تكون السنوات المقبلة مرحلة انتقال طبيعية في عمر الجريدة، من صحيفة توثق تجربة الأنصار إلى منصة أوسع توثقها وتبحثها وتناقشها، وتربطها بأسئلة اليسار والعراق والمجتمع والإنسان.

ويمكن ترجمة هذا التوجه عملياً من خلال توسيع أبواب الجريدة أمام ملفات ودراسات تعالج تجربة الأنصار من زوايا مختلفة، إلى جانب الشهادات والذكريات. يمكن تخصيص مساحة لملف حول تجربة أحد القواطع أو المراحل، تجمع فيه الشهادات والوثائق والدراسات والقراءات المختلفة. ويمكن فتح حوار حول القضايا التي ما زالت تثير أسئلة، مثل علاقة الحركة الأنصارية بالمجتمع، وتجربتها السياسية والتنظيمية، وأسباب نجاحاتها وإخفاقاتها، والتحولات التي مرت بها.

كما يمكن دعوة باحثين وكتّاب من داخل تجربة الأنصار وخارجها، ومن أجيال مختلفة، للمشاركة في هذه الحوارات. ويمكن إعادة قراءة ما نشرته الجريدة خلال السنوات الماضية، لا بوصفه أرشيف محفوظ فقط، بل مادة أولية يمكن تنظيمها وتصنيفها وتحويلها إلى ملفات وموضوعات بحثية. وبهذا يمكن أن تتحول المواد المتراكمة إلى رصيد معرفي قابل للاستفادة منه بدل أن تبقى نصوص متفرقة في أرشيف الصحيفة.

وبذلك لا يبقى الحديث عن تطوير الجريدة مجرد فكرة عامة، بل يتحول إلى ممارسة يمكن اختبارها وتطويرها تدريجياً.

وقد يسأل سائل: وماذا بعد ذلك؟

ماذا نفعل بهذه الذاكرة بعد أن نوثقها، ونقرأها، ونفتح حولها باب الحوار والنقد؟ هنا تبدأ، في رأيي، الوظيفة الأهم التي يمكن أن تضطلع بها (النصير الشيوعي)، أن تساعد على تحويل التجربة إلى معرفة، والمعرفة إلى أسئلة جديدة.

فليس الهدف أن نعيد اكتشاف الماضي فحسب، بل أن نسأل ماذا يمكن أن نتعلم منه اليوم. ما الذي تكشفه تجربة الأنصار عن العراق والمجتمع واليسار؟ وما الذي تقوله نجاحاتها وإخفاقاتها للأجيال التي لم تعش تلك المرحلة؟ وهل ما زالت بعض الأسئلة التي واجهتها مطروحة اليوم، وإن بأشكال مختلفة؟ وما الذي تغير في العالم وفي المجتمع وفي اليسار نفسه بحيث أصبحت بعض الإجابات القديمة بحاجة إلى إعادة نظر؟

بهذا المعنى، يمكن أن تصبح (النصير الشيوعي) أكثر من أرشيف للذاكرة، وأكثر من منبر للذكريات والحوار؛ يمكن أن تصبح فضاء لإنتاج المعرفة، وطرح الأسئلة، وربط تجربة الأمس بقضايا اليوم، والمساهمة في التفكير بالمستقبل.

ليس المطلوب أن نغادر الذاكرة، بل أن نعرف إلى أين نذهب بها. أن نحولها من مجرد استعادة للماضي إلى معرفة تساعدنا على فهمه، ومن معرفة إلى أسئلة للحاضر، ومن أسئلة الحاضر إلى رؤية للمستقبل. وعندها فقط تصبح تجربة الأنصار أكثر من تاريخ نتذكره؛ تصبح تجربة نفكر من خلالها، ونتعلم منها، ونتركها مفتوحة أمام الأجيال القادمة.

النصير الشيوعي، العدد 51 السنة الخامسة، تشرين الاول 2026