في موقع "يك ماله" لا تزال الكثير من الذكريات طرية، ومنها هذه الحادثة التي وقعت في إحدى أمسيات صيف عام 1982. المساء يهبط بهدوء، فيما كان الأنصار يستعدون لتناول وجبة العشاء بعد يوم طويل من التعب والحذر. كان مقر محلية زاخو، الذي لا يبعد سوى أمتار قليلة عنا، يعج بالحركة، إذ يقع في مدخل كلي كوماته، حيث مقرات أنصار حزبنا الرئيسية، إلى جانب قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني.
ورغم قسوة الحياة وما يرافقها من ترقب دائم، كانت مثل هذه اللحظات البسيطة تمنحنا شيئًا من الدفء. رفيق يمازح آخر، وثالث يهيئ الشاي، وآخرون يتحدثون عن أخبار متنوعة. كل شيء يوحي بأن الليل سيمضي هادئًا، مثل ليالٍ كثيرة عرفناها في حياتنا الأنصارية.
فجأة، دوى إطلاق نار كثيف، مزق سكون المكان، وبدد دفء تلك اللحظة. خلال ثوانٍ، تبدل المشهد كله، توقفت الأحاديث، تُرك الطعام، وامتدت الأيدي بسرعة إلى البنادق، لم نكن بحاجة إلى أوامر كثيرة؛ فحياة الأنصار علمتنا أن الخطر لا ينتظر.
جاء مصدر الرصاص من جهة مقر محلية زاخو القريب، رأينا حركة مرتبكة هناك، وسمعنا أصواتا متداخلة لا نميز منها شيئًا، كل ما كان واضحا أن أمرا ما حدث.
بعد دقائق، تقدم نحونا ثلاثة من بيشمركة الديمقراطي. كانوا مسرعين، ووجوههم تحمل توترًا لا تخطئه العين.
سألتهم:
- ما الذي يجرى؟
قال أحدهم وهو يحاول التقاط أنفاسه
جئنا نطلب مساعدتكم.
ثم شرحوا الموقف على عجل. كان لديهم معتقل اسمه إبراهيم. استغل لحظة خروج عناصر المفرزة لتناول العشاء، وتمكن من الوصول إلى إحدى قاعات المقر، حيث تحصن داخلها ومعه عدة أسلحة، حاول الهرب في البداية، لكن الاشتباك أجبره على العودة إلى القاعة، ومنذ تلك اللحظة صار يطلق النار على كل من يحاول الاقتراب.
كان الموقف حرجًا، رجل واحد، محاصر، لكنه مسلح ومصمم. في مثل هذه الحالات، لا يكون عدد الرجال هو العامل الحاسم دائما، بل الأعصاب والظلام والموقع.
سألتهم:
- وما نوع المساعدة التي ترغبون بها منا بالضبط؟
أجابوا:
- نريد مساندتكم. من خلال تامين المرتفع الواقع خلف مقرنا.
قلنا لهم سنقدم لكم الدعم المطلوب، وفعلا تم تكليف أحد الأنصار وكان خبير مدفعية ولم يتردد الرفيق لحظة، حمل سلاحه وصعد مع مجموعة من الأنصار إلى التلة المشرفة على مقرهم، أما نحن فبقينا في حالة استعداد، نراقب وننتظر، مستعدين لأي إسناد إضافي.
كانت علاقتنا بمحلية زاخو جيدة، كما أن ظروفنا تفرض علينا أن نكون قريبين من بعضنا في الشدة. مرّ الوقت بطيئا وثقيلًا، انتشر بيشمركة "حدك" حول المقر، بينما ظل إطلاق النار يتقطع بين لحظة وأخرى. وكلما حاولوا الاقتراب من القاعة، يرد إبراهيم المتحصن بعنف، فيتراجعون.
تابعنا المشهد من موقعنا، وكل واحد منا غارق في أفكاره. من هو إبراهيم؟ ما الذي يدور في رأسه وهو محاصر داخل تلك القاعة؟ هل فكر بالنجاة فقط، أم أنه قرر أن يخوض المعركة حتى النهاية؟.
اقترب الليل، وشيئًا فشيئًا، غرق المكان في عتمة كثيفة، لم نعد نرى إلا ومضات الرصاص حين تخرج من فوهات البنادق، خاطفة وسريعة، ثم يعود الظلام أشد مما كان.
كان الصمت بين الرشقات أثقل من الرصاص نفسه، وفي كل مرة يسكت فيها إطلاق النار، نظن أن الأمر انتهى، ثم تعود الرشقات فجأة.
وبينما نحن ننتظر إشارة منهم، انفجر إطلاق نار كثيف بصورة غير مسبوقة، بدا الأمر كأن كل البنادق فتحت نيرانها في لحظة واحدة، اختلط صدى الرصاص بصدى الوديان المحيطة، حتى لم نعد نميز من يطلق على من، استمر ذلك نحو عشرة دقائق تقريبا.
ثم، فجأة، ساد صمت كامل. كان صمتا غريبا، كأن الجميع ينتظر كلمة واحدة تكشف ما حدث. بعد قليل، وصل أحد مسؤولي محلية زاخو مع شخص آخر، كان متعبا، وعلى وجهه أثر تلك الدقائق الثقيلة، قال لنا باختصار:
- إبراهيم هرب… عبر الروبار باتجاه الأراضي التركية.
لم يكن الخبر متوقعا، بالنظر لحجم القوة، التي أحاطت بالمقر القريب جدا من الروبار/ النهر، يبدو أن إبراهيم استغل الظلام والفوضى، وشق طريقه نحو الضفة الأخرى، وسط الرصاص والارتباك، وجد ثغرة صغيرة، وربما كانت تلك الثغرة هي كل ما يحتاجه رجل قرر أن ينجو.
خلّف هذا الحدث عددا من الجرحى في صفوف بيشمركة حدك.
في النهاية شكرونا على المساعدة، وعاد رفاقنا المكلفين بالمهمة إلى موقعهم، وخفتت الأحاديث، لكن الليل لم يعد مثلما بدأ، جلس بعض الرفاق قرب الشاي، وآخرون ظلوا ينظرون نحو جهة الروبار، كأنهم يحاولون تخيل الطريق الذي سلكه إبراهيم في تلك العتمة، مع ذلك شددنا الحراسة، ثم عاد الهدوء تدريجيا إلى يك مالة.
لكن ذلك الهدوء كان مختلفًا، فقد تركت تلك الليلة فينا حكاية جديدة من حكايات الأنصار البواسل؛ حكاية رجل حاصرته البنادق، فاختار العتمة والنهر طريقًا للنجاة، ومن باب الدعابة اخذنا نتداول الحادثة تحت عنوان "قادسية إبراهيم"، على غرار قادسية الدكتاتور المقبور صدام المشؤومة.