
المحاصصة و الفساد هما من أوصل العراق إلى هذه المحنة : ما هو ثمن الولاء لأمريكا ؟ / احمد المشرقي
انتهت الجولة الأولى للحوار الأمريكي العراقي دون التوصل إلى نتائج محددة وملموسة ، فما يتسرب عبر وسائل الإعلام والتصريحات الرسمية وعن البيان الختامي ، يشير إلى كونها مجرد إجراءات دبلوماسية ، بروتوكولية ، لا تفصح عن المستور ، لا سيما والكل يدعي أن هذه الحوارات ستقود ، فيما بعد ، إلى اتفاقية استراتيجية جديدة . لذا ستؤسس استنتاجاتنا على قاعدة معارفنا السابقة بقواعد سلوك السلطتين الأمريكية والعراقية .
ماذا تريد أمريكا من العراق ؟
تريد أمريكا من العراق ما تريده من بقية بلدان العالم ، ولكن هنالك بلدان عصية على تحقيق المنال الأمريكي وبلدان أخرى ، ومنها العراق ، مشرعة أبوابها لتحقيق ما تسعى إليه . ولو اوجزنا أبرز أهدف الولايات المتحدة الأمريكية في العراق و المنطقة لاتضح ما يلي ؛
-ضمان أمن الكيان الصهيوني والارتقاء بدوره من كيان معزول محاط بأطراف معادية ،و منها من يسعى إلى اجتثاثه بالكامل ، إلى طرف مقبول وقائد للمنطقة
-وضع اليد على الثروات الطبيعية وعلى رأسها النفط والغاز ، لا لتأمين احتياجاتها منها وحسب ، بل ولحرمان وإضعاف منافسين كبار كالصين .
-بسط هيمنة الاحتكارات الأمريكية على الاقتصاد العراقي وعلى موارده الطبيعية وصد التغلغل والنفوذ الاقتصادي والسياسي والعسكري للمنافسين كروسيا والصين وإيران وآخرين .
-أعلاه ليست كل وإنما أبرز الأهداف الأمريكية في العراق .
لتحقيق هذه الأهداف يتطلب :
-القضاء على مايسمى بمحور المقاومة ، الذي يضم كل من ايران وسوريا وحزب الله وحلفائه والمقاومة الفلسطينية ، الدينية والعلمانية ، وبعض الفصائل العراقية المسلحة .
يتم التدخل عسكرياً أما بالشكل المباشر ، كما حدث مع العراق أثناء حرب الخليج الثانية ،وأما بتحريك الوكلاء ، سلمياً على شاكلة الربيع العربي ، بالتعاون مع الإخوان المسلمين ، وعسكرياً
عن طريق تحريك فصائل إرهابية أنشأتها ودعمتها أمريكا كالقاعدة وداعش والعشرات غيرهما بغرض تفتيت واخضاع دول المنطقة .
بعد تعثر وفشل هذا المشروع في سوريا ومصر والمغرب العربي والعراق ، لجأ الأمريكان إلى الأسلوب الثالث وهو قطع ارتباط أطراف المحور عن بعضها البعض ،بوضع اليد على الحلقة الأضعف وهو العراق ،ثم اعتماد الحصار وتشديده وتوزيع مختلف أنواع العقوبات بكرم وسخاء لم يسبق لها مثيل على غير الجالسين في القطار الأمريكي . لذا لتحقيق أهدافها في المنطقة عملت الولايات المتحدة على تعزيز تواجدها العسكري وديمومته في العراق وشرق سوريا .من هذا نجدها تضغط وتماطل وتهدد وتقصف وتغتال .
ما هي أوراق الضغط المهمة في جعبة الولايات المتحدة لتحقيق مشروعها في العراق ؟
*الوضع العام المتردي على الصعيد الاقتصادي والمالي والأمني والاجتماعي، الذي اوصلت العراق إليه أحزاب المحاصصة والفساد ، التي حكمت البلاد بعد عام 2003 . فتعززت ريعية الاقتصاد العراقي باعتماده على.
سلعة واحدة وهي النفط ،وتصاعدت عمليات التخريب الاقتصادي ، أزمة مالية خانقة،نتج عنها ضعف القدرة على دفع رواتب العاملين في القطاع الحكومي ، والتي جاءت نتيجة لسوء التخطيط ولنهب المال العام وغسيل الأموال وتدني أسعار النفط وشلل نشاط "اقتصاد السوق "عقب تفشي وباء كورونا،عودة نشاط داعش وبقوة ، تردي البنى التحتية ، انعدام الخدمات أو التلكوء في تامينها بمستويات مقبولة . جميعها سلبيات مزمنة وحلها غير ممكن في ظل الوضع السياسي الشاذ في العراق ، وهذا تعرفه الولايات المتحده جيداً وعملت على ترسيخه وتعميقه في المدة السابقة .
*وجود أطراف مجتمعية عراقية مساهمة في العملية السياسية ، تسعى إلى ابقاء القوات الأمريكية وتعزيز النفوذ الأمريكي في العراق ،والنفوذ الغربي بشكل عام وتقوية كافة اشكال العلاقات معه .
فتجد القيادات الكردية في الوجود الأمريكي ضمانة قوية للحماية من نتائج التقلبات المحتملة في المركز بهدف الحفاظ على الإقليم وتوسيعه وإعلان انفصاله مستقبلاً .واغلب الاطراف في المناطق الغربية ، السنية ، لديها ذات النظرة والطموح وتتطلع في قرارة نفسها ،وحتى وان أعلن عكس ذلك ، إلى تشكيل إقليم سني وتعزف على وتر التجزئة من تحت الطاولة ، في حين كانت هذه المناطق الأكثر حماسا لتحقيق شعار من الخليج إلى المحيط ، وتلعب السعودية ودول الخليج دورا محرضا لتحقيق ذلك .
*من الأوراق الرابحة لدى الولايات المتحدة هو تنظيم داعش، الذي اوجدته ودعمته واستخدمته ، وأبقت على الآلاف من أفراده المسلحين في شرق سوريا وغرب العراق لغرض الاستثمار السياسي فيه لاحقاً .
*وجود طابور خامس موالي لأمريكا، شعاره الرئيسي معاداة إيران والعمل على إسقاطها ، باعتبارها العدو التاريخي المزمن للعرب، فهذه الأطراف وبمساعدة أمريكا أو بدونها تعمل على استمرار مسلسل القادسية .
*تبقى أمريكا قوة سياسية واقتصادية وعسكرية عظمى ، لها حلفاؤها في العالم وفي المنطقة ، وهذا عامل ضغط كبير بحد ذاته على العراق .
ماذا يمتلك الطرف العراقي من أوراق الضغط في الحوار مع الطرف الأمريكي ؟
دولة منخورة شبه مفككة وهشة ، اتعبها الفساد والمحاصصة والطائفية ، اقتصادها ضعيف ويعتمد على النفط ، تكثر فيها النزاعات والأعمال المسلحة ، من إرهابية وعشائرية وطائفية وحزبية مع ضائقة مالية كبيرة ، بوجود حكومة أصبح همها الأساسي هو كيفية تأمين رواتب موضفي الدولة .
إن الولايات المتحدة تعرف جيداً عوامل قوتها وعوامل ضعف الدولة العراقية، فالوقت والظروف مناسبان لفرض اتفاقية مذلة على العراق .
لقد صرح ممثلوها عن استعداد أمريكا لسحب كامل قواتها من العراق ولكن عليه أن يتحمل تبعات ذلك ، وهذا تهديد صريح للغاية .لذا نجدها قد مهدت لعقد اتفاقية استراتيجية جديدة مع العراق باغتيال قائد قوات القدس في حرس الثورة الإسلامية في إيران قاسم سليماني مع أبي مهدي المهندس قائد فصائل الحشد الشعبي،وبسحب قواتها من بعض النقاط المكشوفة عسكرياً وتكديسها في ثلاثة قواعد رئيسية محصنة ، معززة بمعدات عسكرية جديدة وحديثة والسماح للعراق باستيراد الغاز من ايران لغرض توليد الطاقة الكهربائية لمدة شهر وأحد فقط . وبدأت بنقل داعش من غرب سوريا إلى داخل الأراضي العراقية وتفعيل نشاطه على امتداد مساحات واسعة جدا من الأراضي العراقية مصحوباً بعمليات تخريب اقتصادي وحرق محاصيل الحنطة وتفجير خطوط نقل الطاقة الكهربائية . كل ذلك يجري مع فتور ملحوظ في الرفض الإيراني المعهود (وهذا لغز كبير)،وتخفيف نبرة التهديدات للتواجد الأمريكي من قبل الفصائل الشيعية المسلحة ، الرافضة لهذا التواجد .
لا ندري ما الذي جرى في هذا الاجتماع المغلق على وجه الدقة التحديد ،لكن اذا ما نظرنا إلى المعلن ، إلى البيان الختامي ، الصادر عن اللقاء الثنائي ،نجد الحوار عبارة عن جولة لاستطلاع آراءالأطراف وإذا قرأنا الانباء الصادرة عن بعض الصحف يتضح ما يلي :
-ان ما جرى لم يكن مباحثات بالمعنى الحقيقي فهي أشبه بعلاقة معلم يضع واجب بيتي لتلميذ .
فهو حوار في ثمن التبعية للولايات المتحدة الأمريكية .
مع ذلك تناول الحوار مجالات الأمن ومكافحة الإرهاب ، والاقتصاد والطاقة ، والقضايا السياسية والعلاقات الثقافية .
-جددت فيه الولايات المتحدة تأكيدها على احترام سيادة العراق ووحدة أراضيه .
-بحثت الولايات المتحدة إمكانية تزويد العراق بالمستشارين الاقتصاديين ، وتعزيز الدعم الدولي له للقيام بإصلاحات ، بما فيها دعم المؤسسات المالية الدولية (يقصد قرض من البنك الدولي الذي تهيمن عليه أمريكا)
-ناقش الطرفان مشاريع الاستثمار المحتملة التي تنخرط فيها الشركات الأمريكية العالمية(وهذا المهم)في قطاع الطاقة والمجالات الأخرى .
-التأكيد على أهمية مساعدة العراق في تطبيق برنامجه الحكومي والاصلاحي بما في ذلك . ..تنظيم انتخابات حرة وعادلة ونزيهة ، وأكدت أمريكا دعمها للتحضير للانتخابات . ..وإعادة النازحين .
-في ضوء التقدم بشأن التخلص من تهديد داعش ستواصل الولايات المتحدة خلال الأشهر المقبلة تقليص عدد القوات المتواجدة في العراق والحوار مع الحكومة العراقية حول وضع القوات المتبقية .
-أكدت الولايات المتحدة انها لا تسعى إلى إقامة قواعد دائمة أو تواجد عسكري دائم في العراق . والتزمت حكومة العراق من جانبها بحماية القوات العسكرية للتحالف الدولي .
-نوقشت قضية إعادة الأرشيف السياسي إلى العراق والقطع الأثرية وأرشيف حزب البعث وتطوير قدرات الجامعات .
-جدد الطرفان تاكيدهما على أهمية العلاقة الاستراتيجية وعزمهما على اتخاذ خطوات مناسبة تعمل على تعزيز مصالح كلا البلدين ولتحقيق الأمن والاستقرار . ..
-ستجري مباحثات في اجتماع لجنة التنسيق العالي للحوار الاستراتيجي في العاصمة واشنطن المزمع عقده في تموز المقبل .
نحن نعلم جيداً ماذا يعني الأمن بالمفهوم الأمريكي ، فقبل كل شي هو يعني أمن إسرائيل ، أمن التواجد الامريكي بأشكاله وأمن حلفاء أمريكا من تهديدات إيران وحلفائها . أما الإرهاب يعني أن أي صوت مناويء أو أي فعل مسلح من قبل دولة معادية أو فصيل مسلح غير موال يوجه ضد أمريكا ومصالحها في المنطقة وضد الكيان الصهيوني هو إرهاب. اما تجديد الولايات المتحدة(لفظا) احترامها لسيادة العراق ولوحدة أراضيه، علينا للتأكد من صحة ذلك مقارنة ذلك بسلوكها على امتداد تاريخها الأسود فليس من الصعوبة أن نستنتج حقيقة التزامها من خلال مواقفها المتقلبة ، فمواقفها تتبدل بتبدل مصالحها ، وهي على استعداد أن تخلع(أصدقائها)كما خلع أبو موسى الأشعري خاتمه من اصبعه في قضية التحكيم . فلا أصدقاء دائميين لديها سوى إسرائيل ، لأن اللوبي الصهيوني هو من يسيطر على الاحتكارات الأمريكية وبالتالي هو من يوجه السياسة الخارجية الأمريكية .
إن أفضل وسيلة لاخضاع العراق هي السيطرة على اقتصاده والتحكم به وربطه بعلاقة تبعية مع الاقتصاد الأمريكي وجعل العراق مصدراً للخامات سوقا لتصريف بضائعها ويتحقق ذلك عبر المستشارين الاقتصاديين الموعود بهم العراق . وبالتأكيد ستوعز أمريكا للبنك الدولي أو لصندوق النقد الدولي ، الذين تهيمن عليهما بتمويل استثمارات وفق شروط اقتصادية واجتماعية ومالية ثقيلة .
ومن الملفت للنظر تدخلها في تنظيم انتخابات حرة والتحضير لها ، على الرغم أن ذلك هو شأن عراقي داخلي بحت وممكن إجرائه بمساعدة الأمم المتحدة .
وأعطت وعود بإعادة المسروق من آثار العراق ووثائقه وامواله . لندخل الآن إلى صلب الموضوع والى السبب الرئيسي للحوار وذي الصلة المباشرة بموضوع السيادة الوطنية ألا وهو الوجود العسكري الأمريكي المفروض على العراق . فمن جهة أنها ضغطت على العراق بتفعيل عمليات داعش ، ومن جهة أخرى ، كما ورد في البيان ، تشير إلى التقدم بالتخلص من تهديد داعش ، ولهذا السبب ، كما يصورفي البيان ، نيتها في تقليص عددالقوات المتواجدة في العراق خلال الأشهر القادمة .
هنا الحديث لا يدور عن جلاء كامل للقوات الأمريكية بل عن تقليصها التدريجي ، والتفاهم لاحقاً عن ما سيتبقى منها . والمتبقي هذا سيجري تضخيمه عند الحاجة في المستقبل ،ولا ندري أن الحوار حول جلاء المتبقي سيرتبط بماذا ؟ هل بإسقاط النظام الإيراني أم تصفية محور المقاومة أم بالانتصار النهائي لإسرائيل وتصفية القضية الفلسطينية ؟أم بنضوب النفط العراقي ؟
إن أي وجود عسكري أمريكي مهما كان حجمه يعني هذا انتهاكا للسيادة الوطنية ويعني ،وفق الاتفاق المنشود ، انظمام العراق إلى الحلف الأمريكي وتبعيته لها .
إن حجة تدريب القوات العراقية ، هي حجة واهية تماما ، فيالها من قوات لا تستوعب دروس التدريب فمنذ 2004 يجري تدريبها وللان وبدون أي قدر من الجدوى . فعلى ماذا تتدرب القوات العراقية على يد الأمريكان ؟ هل قدمت أمريكا للعراق غواصات أم حاملات طائرات وسفن حربية ؟ أم قواعد صواريخ ودبابات متطورة ومنظومة دفاع جوي حديثة ؟ أفلا يتدرب الجيش العراقي على بنادق M16 وغيرها من الأسلحة المتوسطة وبعض القاذفات التقليدية ؟ هل التدريب على سيارات الهمر يتطلب خبراء أمريكان ؟ فباستطاعة أي مصلح سيارات من الحي الصناعي أن يقوم بتدريب الجيش العراقي عليها . حتى طائرات F16 بإمكان تدريب العراقيين عليها في الأراضي الأمريكية كما يتم ذلك مع السعودية .
نحن نتذكر جيداً عندما كان تسليح الجيش العراقي يصل من أوربا الشرقية ، يجرى استقدام الخبراء العسكريين السوفيت إلى العراق لتدريب الضباط العراقيين بدون أن يبنوا لهم قواعد عسكرية في العراق ولم يأتوا على رأس جيش فاتحين جرار من طيران ودروع ومارينز، ولم يقصفوا القوات العراقية ولم تحلق طائراتهم وفق بغداد ليل نهار بدون إذن . ..إلخ
أن طموح الشعب العراقي وطموح كل الوطنيين الشرفاء هو أن يبقى بلدهم ذي سيادة حقيقية ، وللشعب كامل الحرية في التصرف بثرواته واختيار أصدقائه وفي بناء النظام الاجتماعي الذي ينشده .
إن ما تخطط له أمريكا من ترتيبات أمنية مع العراق من تعاون عسكري ومناورات مشتركة ، وكلها مؤطرة بكلمة "استراتيجية"
يعني جر العراق وراء اقذر دولة عرفها التاريخ المعاصر . فلم تجف بعد دماء العراقيين ، الذين قتلتهم القوات الأمريكية ، ولا الأعراض التي انتهكها الأمريكان في العراق ولا التدمير الشامل للاقتصاد والبنى التحتية الذي قامت به بطائراتها وصواريخها.
إن بقاء القوات الأمريكية لأجل غير معلوم يعني ضمنا تشييع لقرار مجلس النواب العراقي القاضي بإخراج القوات الأجنبية من العراق ويعني تجاهل الاتفاقية مع الصين وتحجيم دور هذه الدولة في العراق . وهذا ما ينتظر روسيا . .وإن ما سيعطى لهذه الدول هو فتات المائدة الأمريكية في العراق .
إن المباحثات النهائية ستكون في أمريكا وقبيل الانتخابات الأمريكية ، وستقدم لترامب أثمن هدية ، كم هو بحاجة إليها في هذا الوقت العصيب الذي يمر به .
إن ما هو مطلوب الآن هو إخراج كل القوات الاجنبية من العراق ووفق جدول زمني محدد وباسرع وقت .
إن عقد اتفاقية اتفاقية استراتيجية مع أمريكا وبهذه الشروط لا تعني إلا شيئاً واحداً هو :قوننة تبعية العراق للولايات المتحدة الأمريكية .
13/6/2020