الفكر الحر في زمن الهزيمة / ذ. بوبكر أنغير

تقديــم:

تجمع دفة هذا الكتاب ثلة من المفكرين والمثقفين  الذين ناضلوا بالقلم و الكتابة وعبروا بحرية  عن ما يخالج ضمير ووجدان الشعوب ، التواقة للحرية و التقدم والرقي . المبدع  والمفكر ليس المطلوب منه  ان يعكس واقعه ويعبر عن آمال الشعوب وتطلعاتها فقط بل عليه ان  يعيد صياغة الواقع  بوعي جديد بجمالية  مقرونة  بقدراته ومواهبه الابداعية ، اختيار شخصيات الكتاب  لم يراع اي ترتيب تفاضلي او انتقائية معينة بل ان جميع القامات الفكرية التي حاول الكتاب تقديمها للقراء ساهمت اسهاما بارزا في الحقل النضالي الفكري  وكلها تستحق التقدير والثناء ويجمع بينها الحضور النوعي في المجال الفكري والاعلامي  و رغبتها الكبيرة والاكيدة في تقديم بدائل تقدمية للمجتمعات البشرية  .

غايتنا من الكتاب  هواعادة الاعتبار للفكر الحر وتقديم بعض ابطاله للجيل القادم  ليستمد منهم روح الامل والصمود معا  في ظل انتشار ثقافة الانهزام والاستسلام  و اعتلاء الميوعة  والجمود وانسداد الافق  منصة  الواقع .  ان الكتاب المتواضع الذي نضعه بين ايديكم  يهدف الى البحث عن تقديم نماذج فكرية  لمثقفين  حاربوا الياس  والانكفاء على الذات  ومحاولة التحصن بالتراث غثه وسمينة ،مفكرين ادوا الامانة العلميةوالفكرية والاخلاقية اتجاه شعوبهم واستشهد بعضهم في سبيل الحرية والكلمة الحرة ، ومايزال بعضهم يقاوم ويناضل في ساحات ومواقع مختلفة .

  ان ايماننا بان وجود  الفكر الحر المنفلت من عقال الدوغمائيات و اليقينيات و الافكارالنمطية ،حاجة اجتماعيةوسياسية قبل ان تكون ترفا فكريا وان المساهمات الفكرية لهذه الكوكبة من المفكرين المعاصرين  نجحت في تقديم  طبق  فكري اقتحم افاق بعيدة في ميادين الثقافةوالفكر  والابداع . 

وان ايماننا بان للمثقف والمفكر ادوارا جديدة يجب ان يلعبها في الحاضر  والمستقبل  خصوصا وان  الزمن الراهن المتسم بضمور المفكرين وخفوت اصواتهم امام ضجيج الشاشات و زحمة الانترنيت واستبداد وسائل التواصل الاجتماعي التي  تستهوي الانفس بسهولةالولوج اليها وبثقافاتها الاستهلاكية  و ببساطة الوعي التي تنشره  . هذا الزمن الراهن يلقي على عاتق المثقف والمفكر المعاصر مهام التاصيل النظري للواقع  والتجديد الفكري  واعادة صياغة تساؤلات المجتمع وتوجيهها نحو اجوبة  مقنعة و من شانها حماية المجتمعات من الانهيار.

هذا الايمان براهنية النضال الفكري من اجل بدائل اجتماعية وثقافية وسياسية اكثر عدالة و اكثر انسانية جعلنا نركب مغامرة جمع مقالات في  كتاب  يجمع اسهامات وانطباعات  كتبت عن مفكرين ومثقفين واعلاميين  من بلدان مختلفة و من مشارب  ثقافية. لكن هاجسنا  دائما هو الالتزام بثقافة وفكر مناضل متحرر وذو مشروع ورؤية حداثية للمستقبل.

نتمنى ان نكون موفقين في التعريف  ببعض الكتاب والمفكرين  الكبار الذين بصموا الساحة الفكرية والثقافية باسهاماتهم التنويرية  واملنا ان نقوم في المستقبل بالتعريف بكتاب ومفكرين واعلاميين اخرين  عطائهم في الفكر والثقافة كبير و مشهود  ،هدفنا في الاول والاخير هو اعلاء صوت الفكر الحر وتقديم نماذج تعطي الامل للنفوس و ترسم صورة ايجابية عن الحاضر والمستقبل.

 

الحسين مروة
 شيخ الشهداء و مفكر التجديد الديني

 

اخترقت رصاصات غادرة من مسدس كاتم الصوت  من قوى معادية للحرية  والديمقراطية، الجسد النحيف للمفكر اللبناني الأصيل الحسين مروة، ذات يوم من شهر فبراير من سنة 1987 بمنزله  بلبنان ، مستهدفة إسكات صوت تنويري تثويري للفكر والوعي إلى الأبد ، لكن أين لها أن تسكت فكرا تعمق في الجذور وأصبح منهج تفكير في أصقاع الأرض ؟ .
لم يراع قتلته حالته كشيخ كبير السنّ ولا رمزيته كمفكر موسوعيّ أعطى للمكتبة الإسلاميّة أعمالا بحثيّة عميقة وجريئة في التّراث الإسلاميّ وفي النّقد الأدبي والكتابة الإعلاميّة المتميّزة. لذلك حقّت تسميّته بمبدع التّجديد الدّيني في التّراث الإسلامي الذي نذر جزءً كبيرا من حياته من أجل التّنقيب عن النّزعات المادّيّة في مشروعه الكبير- النّزعات الماديّة في الفلسفة العربيّة الإسلاميّة-.

 حسين مروة كان مفكّرا تنويريّا بامتياز، وعنوانَ النّضال من أجل تحرير العقول والنّفوس من الخرافة والوعي التّضليليّ .اغتالوه لأنه كان يقول: إن لبنان والعالم الثالث عموما لا يمكن أن يتحرر إلاّ بتحرير عقل الشّعوب من الأساطير المؤسسة للفكر السّياسيّ والتي تأخذ لَبُوسا دينيا أو طائفيا لتخفي مصالح أو نزعاتٍ ماديةً لقوى مسيطرة تسعى لتأبيد ما لا يمكن أن يتأبد، إذا ما استفاقت الشعوب من سباتها وناضلت من أجل تحرر عقولها وأوطانها ، هذه هي رسالة المفكر حسين مروة، التي استشهد من أجلها، وفقد الجسم الفكري والتنويري والثوري في العالم الثالث مفكرا  تثويريا للفكر والوجدان ، ولكن فكره لن يموت لأنه فكر أصيل و راهن مع وجود واستمرار  الظلم والغبن، وانتشار الطائفية السياسية بلبوس ديني و توهج حركات الإسلام السياسي التي تستمر في استثمار الدين لتحريف وعي النّاس وإلهاء الشعوب بصراع مع السماء، بعدما كان من المفروض والضروري والواجب أن يوجه نضال الشعوب وعقولها نحو الأرض والسماء معا.

إن كتب ونضال حسين مروة و مجايليه من الكتاب والمثقّفين والمفكّرين  ، هم الأجدر أن يقولوا  للأجيال السابقة والحالية، ولأجيال كثيرة تأتي بعد ذلك : كيف كان  حسين مروة يمارس مسؤولياته كإنسان،  ومفكر وسياسي،  ومناضل على قدر سواء ، دون إجحاف  في حق جانب منه لحساب جانب آخر .. ولكي نقرب القارئ الكريم من شخصية وفكر هذا العملاق الفكري والأخلاقي، نورد بعض آراء وأفكار بعض المفكرين الكبار الذين عرفوا الرجل عن قرب وعاصروه و ناقشوه في أفكاره ومشاريعه الفكرية بعمق، و جدية وحب عميق للرجل ولفكره .

  • نبذة موجزة عن المفكر الشهيد حسين مروة :

قال عنه الدكتور الأردني شاكر النابلسي في كتابه الفكر العربي في القرن العشرين الجزء الثاني ص 695 : مروة حسين : مفكر وباحث وناقد وأكاديمي ماركسي لبناني معاصر ، قتلته الجماعات الإسلامية. من كتبه : النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، تراثنا كيف نعرفه، عناوين جديدة لوجوه قديمة، وغيرها.

قال عنه ناشر كتابه النزعات المادية (دار الفارابي في طبعة جديدة وأنيقة من أربعة أجزاء) ما يلي:

  • ولد حسين مروة عام 1910 (حسب الهوية ، ويرجح أنه ولد عام 1908) في قرية "حداثا" قضاء "بنت جبيل" في جنوب لبنان ، أخذ دراسته الأولى في بنت جبيل والنبطية.
  • عام 1924 سافر إلى العراق ليتلقى العلوم الدينية واللغة العربية وآدابها ، في جامعة النجف الأشرف ، وأنهى دراسته عام 1938.
  • عام 1948 ، شارك عمليا وإعلاميا وأدبيا ، في أحداث الوثيقة الشعبية الوطنية العراقية التي اسقطت معاهدة "بورتسموت" البريطانية الاستعمارية مع حكومة العهد الملكي آنذاك. وعندما حدثت الردة الرجعية وأعيد "رجل الإنجليز في العراق" نوري السعيد إلى الحكم في ماي 1949 ، أصدر قرارا بإبعاد  حسين مروة من العراق ، فعاد إلى وطنه  لبنان في يونيو 1949.
  • في لبنان بدأ يكتب زاويته اليومية المشهورة مع القافلة في جريدة الحياة وأسهم  في تأسيس مجلة "الثقافة الوطنية" اليسارية وفي تحريرها منذ عام 1952 إلى احتجابها. كمجلة أدبية فكرية  عام 1959، وشارك في تحرير مجلة "الطريق" منذ الخمسينات ، وأخذ يشْرف على تحريرها منذ أواخر  الستينات  وحتى يوم استشهاده ، شارك أيضا في تحرير صحف "النداء" و"الأخبار".
  • مؤلفاته على التوالي : "مع القافلة" (مقالات) 1952- "قضايا أدبية" (دراسات في النقد الأدبي) 1956-"الثورة العراقية" (دراسة في التاريخ الحديث )1985 –"دراسات نقدية في ضوء المنهج  النقدي (نقد أدبي) –"النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية" (عمل تأسيسي في مجال الدراسة الماركسية للتراث الفلسفي العربي، جزءان1978) –دراسات في  الإسلام  بالاشتراك مع  محمود أمين العالم / محمد دكروب وسمير سعد)1978 –في التراث والشريعة  1983-عناوين جديدة لوجوه قديمة 1984-تراثنا ..كيف نعرفه؟ 1986- دراسات في  الفكر والأدب صدر بعد اغتياله سنة 1993.
  • استشهد حسين مروة اغتيالا في منزله يوم 17 فبراير 1987 وله من العمر 79 سنة.

قال الشهيد حسين مروة عن حياته  في مجلة الطريق عدد مزدوج يونيو 1984 ص 172 "عدد خاص عن مئوية كارل ماركس) :

"هذه كبرى المفارقات في حياتي ..

رحلت إلى النجف صغيرا، لكن الحلم الذي رحل معي كان كبيرا كبيرا... والمفارقة هنا إن الحلم هذا لم يستطع أن يعيش  معي في النجف طويلا..لماذا؟

-ألف سبب وسبب يمكن أن يقدم  لي نفسه بهذه  المناسبة، فأتعرفه، وأعرفه جيدا، لكن السبب الحقيقي ، المباشر أو غير المباشر ، هو الوحيد الذي أجهله منذ البدء ، ولا أزال.

أن أصير "شيخا" مهيبا مرموقا ، كوالدي ..

ذلك كان حلمي الأول .سبق كل أحلامي ،سبق حتى  أحلام طفولتي ، وحين بدأت تتدفق بها ذاتي أخذ يحتويها جميعا، أو هو أخذ يلتهمها جميعا بشراسة...

كان الوصول إلى الكتب والصحف الدورية الصادرة من مختلف البلدان العربية وعن مصر ولبنان بخاصة، متيسرا بالنجف أي خارج "أسوار" المحيط الدراسي الديني ...كان يتوافر لنا هناك أن نقرأ كتابات المفكرين والعلماء والمبدعين من رجال القرن التاسع عشر والثلث الأول فما فوق من القرن العشرين..، مادة القراءة "المحرمة" علينا آنذاك كانت من الغزارة بحيث يضيق وقتنا عن استيعابها...كنت أقرأ الأدب الرومانسي مع الفكر العلمي مع الكتابات العلمية الخالصة، مع البحث الاجتماعي: نظريا وميدانيا ..وذاكرتي للعهد الأول من هذه المرحلة تحتفظ بأسماء أعلام وكتب ومجلات لايزال لها وهجها الخاص عندي ، رغم مسافة ما بيني وبينها الآن..، ذلك الوهج النفاذ الذي علمني  كثيرا ومهد لي الطريق إلى ماركس ، ثم  وصل بي إلى ماركس...أول لقاء لي مع اسم ماركس حصل سنة 1926 .. لكن  ماركس هذا الذي التقيته عند أنطوان فرح  - صاحب رواية الدين والعلم والمال- لم استقبله بارتياح  ولم أشعر أنه سيخرجني  من بلبلة المفاهيم المختلطة للاشتراكية...لكن رغم هذه الهواجس المقلقة، وقع في نفسي  أن ماركس هذا لابد أن له شأن عظيم في القضية التي يتحدثون عنها كثيرا باسم الاشتراكية.. ، لكن ، كيف سأصل إلى صاحب هذا الشأن العظيم  بصورته الحقيقية دون الصورة المضطربة هذه؟. بدءا من هذا السؤال، بدأت أدخل في العلاقة السليمة مع ماركس ومن هنا بدأ ماركس يدخل حياتي ومازال في النجف... لكن ماركس الماركسي تأخر عني وصوله بضع سنين بعد اللقاء الأول ... حاولت الوصول إلى ماركس الماركسي بوساطة رأس المال غير أن نتاج المحاولة كان ضئيلا... أما الانتماء الفكري فلم يحتاج عندي إلى إرادة مباشرة في زمن مباشر .. فهو جاءني بالإرادة البطيئة الخفية ، والتراكمات المعرفية الهادئة ، بالتحولات الكيانية السرية.. كان الانتماء الفكري يتكون في داخلي مع تكوين  أصوله الثوابت: "الاتجاهات المادية الهلامية في تفكيري قبل التقائي نص ماركس  أو إنجلز أو لينين.. أما مسالة الانتماء العضوي "الحزبي" فهي وحدها كانت العقدة.. لقد تأخر عني هذا  الانتماء ، أو تأخرت عنه ، رغم أن الناس كانوا يستعجلونني إليه ، كانوا يستبقون إلى تسميتي "شيوعيا" قبل أن أكون شيوعيا.))

هكذا تحدث الشهيد حسين مروة عن حياته الأولى في النجف والظروف الفكرية التي أدت به إلى لقاء ماركس وتغيير منظومته الفكرية رأسا على عقب من طالب ينحدر من أسرة متدينة متشبعة بالفكر الإسلامي إلى طالب عاشق لكتابات الماركسيين والعلمانيين والمتنورين.

  • آراء بعض المفكرين عن الشهيد حسين مروة :
  • الدكتور حليم اليازجي : مجلة الآداب يناير سنة 1988

"إن قراءة الدكتور حسين مروة في أي من الموضوعات الفكرية التي تناولها تضع قارئه أمام صورة الثقافة العميقة التي تميزت به أعماله سواء كان الموضوع أدبا أم نقدا للأدب أو سيرة  أو ما يشبه الترجمة والسيرة ، ولا فرق في ذلك بين ما اتخذ شكل مقالة  أو مؤلف أو قضايا في التراث:  فلسفة واجتماعا وتاريخا أو شكل معالجات حية للأحداث المعاشة... هو الرجل العالم الزاهد في كل شيء ، ماعدا نشدان الحقيقة  التي يتحرر  لها الإنسان من الجهل، وما يستتبع الجهل من نزوة الوهم العابث لجمع الثروات على حساب فقر أخيه الإنسان ، وهو ما دعت إليه الأديان في جوهر تعاليمها، والدكتور مروة عندما حول مساره من طالب للعلوم الدينية إلى متعمق بقوانين المادية فإنه في الواقع  لم ينتقل من  جوهر خلقي إنساني  إلى جوهر مغاير بل  استبدل أداة بأداة،  يستقيم معها تحقيق جوهر ما نشدته  الإنسانية في جوهر طموحاتها عبر العصور. إن الدكتور مروة صاحب  المنهج التاريخي في دراسته التراث، كان فيلسوفا حقا بمقدار ما كان مؤرخا للفلسفة، وهو إذ انطلق في تثويره  لتراثنا القديم من مقدمات ثورية معاصرة قوامها فلسفة حركة التحرر الوطني حافظ على موضوعيته  التاريخية في ملاحقته للفكر العربي في مراحل ازدهاره ظل ملتزما بالثوابت، ثوابت النضال الطبقي،  وثوابت اتصال هذا النضال  تاريخيا  بسلاحي المادية: سلاح  الطبقات المعارضة أو الدنيا وسلاح المثالية اللاهوتية لفئة الحكام... الدكتور مروة كمناضل ومفكر أغنى تراثنا عندما ثوره على  ضوء منهجه التاريخي  منطلقا من الحاضر ، ولا مبالغة. في القول: إنه أغنى الحاضر بما قدمه من  استنارات حادة وعرضه المستفيض  والعميق لجوانب الماضي.  وكان بحق  الظاهرة والشخص الذي حمل بأمانة متطلبات حركة التحرر الوطني، وكان كتابه النزعات المادية "إسهاما جديدا  في توطيد  المفاهيم التراثية  التي تضيء الروح الكفاحية لشعبنا  في سبيل التحرر الوطني  الاجتماعي  في مختلف أقطاره، وكسلاح فكري بوجه العملية الرجعية التي تجري منذ زمن بعيد في حقل التراث الفكري العربي لطمس الوجه التاريخي الصحيح لهذا التراث، قصد  العمل لاستمرارية الارتباط بين حاضرنا والفكر المتخلف من ماضينا البعيد.))

  • الدكتور فالح عبد الجبار : مجلة الآداب البروتية سنة 1988 ص 65 :

"ابتداء ينبغي تثبيت عهد وفاء لذكرى المفكر التنويري العملاق ، الشهيد مروة ، أن لا تمر الجريمة بلا عقاب . لقد أعلنت السلفية ، في رعبها من حضور العقل ، أن الجهل هو المعرفة الوحيدة الممكنة والمسموحة ، وأن الالتفات إلى الماضي هو أحسن لرؤية الحاضر، باختصار رمت السلفية بقفاز التحدي ، وينبغي لكل مثقف متنور أن يقبل الرهان . ففي المعركة لا يخسر الفكر غير قيوده... تكتسي الفرضيات التي طرحها مروة في مبادرته الريادية (نقد ونقض التراث) أهمية راهنة. فالتاريخ  بتفسيره الراهن ، ليس محايدا، إنه جزء من الصراع الفكري الدائر..

أولا : إن الدين الجديد  من حيث مضمونه  الاجتماعي والإيماني (كما يقول مروة) يحمل صفة تاريخية  تعبر عن أشكال الوعي  الإنساني  الممكن بلوغها في تلكم الفترة. إن التأكيد على الطابع التاريخي  (هذا الحكم يشمل أيضا العناصر العقلانية واللاعقلانية في كل تراثنا) مسألة بالغة الأهمية  لدحض السلفية التي ترى إلى الماضي كسكون، كلحظة ثابتة يمكن إعادة إنتاجها في "المستقبل"  كما أنها مسألة هامة  في نقد القبول  المطلق  بالعناصر العقلانية للتراث ، دون اعتبار لطابعها التاريخي ، وكون العقلانية  تتجلى بأشكال تاريخية، انتقالية، تطورية. فما من أحد اليوم ، مثلا، يقبل بإعادة إنتاج "المادية" بصيغتها اليونانية القديمة، أو بصورتها "الميكانيكية" (مادية القرن الثامن عشر) نعني أن الأفكار ليست تقدمية  بصورة مطلقة ، دائما وأبدا ، فهي تقدمية في طور تاريخي محدد.

ثانيا: إن تشريعات الإسلام الأولى وبخاصة الإبقاء على العلاقات العبودية ، والحفاظ على الملكية الخاصة (بشكلها التاريخي  عهد ذاك) هي كما يقول مروة ، انعكاس للواقع الاجتماعي ، وإن مسعى تخفيف  الشقاء المادي في تلك الحقبة (تحريم الربا والاحتقار، فرض الضرائب على الأغنياء) اتجاه تاريخي لم يقتصر على مجتمع الجزيرة. فقد شهدت مجتمعات أخرى (لم يظهر فيها أنبياء أو مرسلون) تحريما للربا والاحتكار.

ثالثا : إن العوامل التاريخية التي جعلت المسيحية (مثلا) دين الدولة ، (نشوء الدين المسيحي  في مجتمع أنجز انتقاله من المشاعية وبرزت فيه الدولة) فيما جعلت  الإسلام دولة دينية ، إن هذه الشروط التاريخية ، التي يتناول مروة جانبها الثاني  هي جزء هام من المعركة الدائرة اليوم مع التيار السلفي  الذي يرى  أن المخرج  من أزمة التطور الرأسمالي التابع (التي لا يدرك جوهرها المادي) يكون بالانتقال من الإسلام كدين للدولة إلى دولة دينية، أي باختصار  إقامة دولة  ثيوقراطية، تسبغ على حكم طبقة معينة طابعا مقدسا غير قابل للمس.

  • الدكتور علي سعد : مجلة الآداب  العدد الثاني سنة 1988 ص 54:

"..وحسين مروة أثبت في كل كتاباته أنه المقاتل الأكثر توقدا وحماسة وثباتا  وشمول ثقافة وعمق رؤية ونفاذ بصيرة  وقدرة تعبيرية على الجبهة العريضة التي تتصدى لكل القوى التي تعيق  تقدم الإنسان. وهي القوى التي تنضوي  تحت أسماء وتوجهات متنوعة، المثالية والرجعية والسلفية واللاعقلانية والعبثية والفاشية ، وغيرها من نزعات وعقائد تتلاقى في محصلاتها الأخيرة على التقليل من دور العقل في معركة الوجود ومن قدرة العلم على خدمة تقدم العقل البشري ... لقد استطاع حسين مروة أن يقارع بشجاعة ودراية كل هذه النزعات الفاعلة والعقائد دون كلل أو ملل ، على امتداد حياته الفاعلة ، وأن يعري ، بذكاء مسلح بالمعرفة العميقة وبالأداء التعبيري الرائع ، زيف مرتكزاتها الفكرية وخطر مفاهيمها. وقد قام بهذه المهمة دون خوف أو وجل ، ومع وعيه الكامل لما يمكن أن تجره عليه محاولاته التصدي لكل هذه المفاهيم  المتجذرة في غياهب التخلف أو المرتهنة لقوى عدوانية متنوعة ، من أخطار جسيمة على حريته وحياته.

وأنا الذي أتيح لي أن اقترب من حسين مروة ، بفعل روابط صداقة ترقى إلى بداية الخمسينات، لم تفتني ملاحظة الشمائل والصفات الخلقية المدهشة التي أشار إليها الكثيرون ممن كتبوا عنه، وخاصة صفات الوداعة وروح الود والكياسة في التعامل مع الآخرين، وحتى الذين كان يخالفهم الرأي... وأول ما يلفت النظر عندما تلتقي مع حسين مروة  هو شعورك بتواضعه الجم،  وابتعاده الدائم عن إظهار الشموخ ، إن في جلسته أو في طلّته ، وتحاشيه الحديث عن نفسه والتفاخر بشيء من مواقفه أو اكتشافاته الفكرية، وميله الغالب إلى الصمت وتحدثه بصوت منخفض يغلب عليه التردد .. فقد ظل رحمه الله ، حتى مشارف الثمانين، وكأنه يقف من الأشياء  والناس موقف طالب العلم المتلهف للمعرفة. وقد يكون هذا النهم للمعرفة والفرح الطفولي باكتشاف ثمرات عقول الآخرين ، دون شعور بعائق يعوقه  عن الوصول إليها، هذا النهم  والفرح اللذان لازماه إلى أخريات أيامه وتعمقا بصورة مطّردة في نفسه ، هما اللذان عناهما شهيدنا الكبير عندما صرح في حديثه الصحفي للشاعر عباس بيضون :(ولدت شيخا وأموت طفلا).

  • الدكتور أسعد دياب : مجلة الطريق  العدد الثاني  السنة 56  سنة 1997 ص 7:

لقد أعلى  حسين مروة بفكره ونضاله مداميك عمره طبقة طبقة، فاستقام البناء وتماسك بحيث عرفناه شابا بعد أن تجاوز السبعين، وشهدناه، وها نحن نشهد من جديد لقامته الرفيعة المنصوبة بكامل علوها العلمي والخلقي. وتأخذك المقدمات التي وضعها لأهم مؤلفاته إلى تواضع يتاخم الخفر، فهو يصف دراساته النقدية بأنها "محاولات متواضعة أرجو أن تنال شرف كونها بحثا عن الحقيقة، وشرف كونها لبنة صغيرة في بناء نهضة نقدية منهجية في بلادي" ثم يكتب في مقدمته لمؤلفه الجليل "النزعات المادية في الفكر العربي الإسلامي" "ليس لدى مؤلف هذا الكتاب أدنى وهم بأنه سيقدم الدراسة المطلوبة بشروطها الكاملة، أو بالأهم من شروطها ، فإن ذلك عسير المنال على جهد فردي ، حتى في حالة اكتمال العدة لمثل هذا الجهد" مثل هذا التواضع العلمي يجلسنا في حضور إنسان ينكر على نفسه ليعلن في لحظة الإنجاز محدودية الجهد ، وهو لعمري جهد كبير  حقا قياسا  إلى عمر رجل  فرد ، وما كان  لهذا الجزء أن ينجز في كل  حال لو لم يكن الرجل من الصديقين الذين يمارسون  في يومياتهم حياة القناعة المادية  حتى التقشف ، والطلب العلمي حتى النهم.... وتبقى كلمات مؤلفاتك خضراء تورق وتزهر في ربيع دائم.."

  • الدكتور جميل قاسم : مجلة دراسات عربية العدد ¾ السنة35 يناير فبراير 1999:

"الكتابة عن حسين مروة ، في الذكرى العاشرة لاغتياله "كتب المقال سنة 1997" وهي قبل وبعد أي اعتبار ، إعتراف بإسهامه، كشاهد وشهيد، في الفكر العربي المعاصر والحديث ، من وجهة نظر تقدمية وتحررية وديموقراطية. غير أن الاحتفاء النقدي بالمفكرين الأفذاذ لا يجب أن يقتصر على التقريض والتمجيد السياسي و الإيديولوجي. من هنا تقتضي المراجعة العلمية تقديم النقد، و المقاربة النقدية، على الدعاية. ولاسيما إذا كان المفكر صاحب مشروع فكري وفلسفي كبير مثل "النزعات المادية في الفلسفة العربية-الاسلامية" لا يحتاج أصلا إلى دعاية بقدر حاجته الماسة إلى المراجعة لأية معايير وقوانين ومبادئ وقواعد وغايات حتمية وخطية وضرورية ومتعالية، وذلك كله انطلاقا من النص والأثر المدروس."

 

  • في سبيل الختم :

إنما نريد من هذه المقالة المتواضعة أمام قامة معرفية وفكرية كبيرة من حجم الشهيد  حسين مروة، أن نقدم للأجيال المقبلة والحالية من الشباب ، مفكرا ثوريا  ناضل من أجل الكلمة الحرة، وعمل جاهدا على  فتح ورش مستغلق و كبير هو ورش تنقية التراث الإسلامي وتمحيصه  بمنظور مادي جدلي،  ولم يكن غاية المقال التطرق لمجمل أفكاره أو إبداعاته لأنها كثيرة وغنية ومتشعبة ، بل سعينا إلى الاكتفاء بتقديم المفكر حسين مروة والتعريف به، لقد كان  هما دائما  لدى الرجل ، على امتداد حياته السياسية ، أن يرى تراثنا الإسلامي كرافعة لتطورنا وتحررنا من آصار التخلف والأسطورة و الاستغلال ، وكان الشهيد حسين مروة نصيرا للمظلومين و رفيقا للمعذبين في الأرض بلغة فرانز فانون ، لكن أيادي الإرهاب الآثمة اغتالته ، لكنها لن تغتال فكره أبدا.