عمر على الشيخ (ابو فاروق) رجل الظل والشيوعي المتصوف…/ حسان عاكف

أول لقاء لي معه كان عام ١٩٧٢ حين حضر مشرفا على هيئتنا الحزبية مع رفيق آخر. كان النشاط الحزبي يومها كقالب الثلج في الماء، ثمنه فوق سطح الماء وسبعة اثمانه تحت الماء.. كان الاجتماع في بيتنا. استقبلتهما والدتي في كراج البيت، رحبت بالمشرف الثاني حين سألها عني وطلبت منه الدخول، بعدها التفتت الى ابو فاروق واعتذرت منه قائلة : عفوا ابو عدنان غير موجود، خرج قبل نصف ساعة..
بعد سنوات عرفت ان الرجل كان عمر علي الشيخ، الذي كان من جيل الرفاق الذين كنا نشعر حين نذكر أسماءهم في الاماكن العامة وكأننا نتبادل الممنوعات بيننا، أولئك المناضلين الذين اختاروا العمل والتحرك في الظل بعيدا عن الاضواء، وامتهنوا العمل السري في ظروف الملاحقات البوليسية والردات السوداء، وعرفتهم البيوت الحزبية السرية وسجون ومعتقلات الانظمة الرجعية والاستبدادية.
تخرج ابن مدينة السليمانية ابو فاروق من كلية الهندسة جامعة بغداد عام ١٩٤٨، عام وثبة كانون الثاني، وكانت له مساهماته في تلك الانتفاضة اسوة بالاف من المواطنين.. ومع الردة السوداء للنظام البوليسي الرجعي انذاك اعتقل مع المئات من الشيوعيين والديمقراطيين، وحكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات، وظل سجينا حتى اطلقت سراحه ثورة الرابع عشر من تموز. وله من القصص والحكايا عن الفترة التي قضاها في السجن، خصوصا في نگرة السلمان وسجن بعقوبة، ما يحتاج الى كتاب لوحده.
وعن ظروف المحاكمة يقول ابو فاروق انه احيل الى المحكمة عام ٤٩ مع الشهيد ساسون دلال في قضية واحدة ودخلا قفص الاتهام سوية مقيدان بـ“كلبچة“ واحدة، وحتى اليوم مايزال ابو فاروق يذكر باعجاب كبير الموقف الشجاع للشهيد ساسون وجرأته، وهو يرد على هيئة المحكمة هاتفا بحياة الحزب والاتحاد السوفيتي.
اعتقل في بغداد عام ٦٦ متلبسا بمستمسكات جرمية ( وهي رزمة من بيان كان الحزب قد اصدره آنذاك)، وحين أُحضر امام مدير الامن العامة (رشيد محسن)، سأله "السيد العام"، وهو يضع رزمة البيان أمامه على المنضدة نريدك ان تدلينا على مكان المطبعة. رد ابو فاروق:
المطبعة في الجبل في كردستان وانا جلبت البيانات من هناك وجئت الى بغداد.
ضحك السيد العام وهو يضع يده على الرزمة:
اي جبل واي كردستان ؟، ضع يدك على الاوراق ستجد انها ما تزال حارة، هَسه طالعة من الفرن، ونحن نعرف جيدا ان الفرن في بغداد…
في الايام الاولى لنزولنا من الجبل وتواجدنا في الوكر السري في بغداد عام ١٩٩٠، صرف ابو فاروق مبلغا من المال لكل منا لشراء ملابس. زوجته الرفيقة ام بهار، اعجبها فستان، وحين نظرت الى سعره وجدته يزيد خمسين دينار عن المبلغ المخصص لها. ابتسم ابو فاروق واشار الى السعر واخبرها عليك ان تجدي فستانا ارخص من هذا.
التفتُ الى ابو فاروق وقلت مازجا بين الجد والهزل: تصور لا نستطيع ان نجد (تخريجة) لنصرف لها فرق السعر وهو ٥٠ دينارا، ترى ماذا سنقول غدا وكيف سننظر الى بعضنا لو اعتقلت ام بهار وسيقت للاعدام او توفيت لاي سبب مفاجيء؟. ابتسم ورد بهدوئه المعهود وصوته المنخفض:
كنت اتصور انك ستقول ماذا سنفعل بالفستان لو اعتقلت، راحت الـ ١٥٠دينار حرامات..
(هذا المنشور غيض من فيض ما يمكن الحديث به وكتابته عن هذا المناضل ، الذي لم يعطَ حقه.)