فاجأتنا صحف اليوم بالخبر التالي: (حذر الملياردير الأمريكي الشهير وأغنى رجل في العالم، إيلون ماسك، من أن الولايات المتحدة الأمريكية على وشك الإفلاس.. وطالب بمزيد من تسريح الموظفين من أجل تقليل الإنفاق).. انتهى الخبر.. وفي الخبر التالي (حذر خبراء اقتصاديون من تفجر أزمة الديون الأمريكية التي تجاوزت ال 36 ترليون دولار وأكد بعض الخبراء بالاقتصاد الأمريكي بأن الإدارة الأمريكية تدفع 2 مليون دولار بالدقيقة الواحدة فوائد للديون الهائلة.. وبأن الاقتصاد الأمريكي على وشك الانهيار بسبب هذه الأزمة).
بعض الحلول (المفترضة) لهذه الأزمة، والتي توصل لها البعض منذ عهد الرئيس السابق جو بايدن، بأن لابد من حل الحربين اللتان استنزفتا الاقتصاد الأمريكي، وهما حرب أوكرانيا وحرب غزة.. فكل الحروب التي كانت في السابق كانت الولايات المتحدة تستفيد منها، حيث كانت تبيع أسلحتها وتجني منها مليارات الدولارات، حتى أنها كانت تفتعل الحروب هنا وهناك من أجل بيع أسلحتها الكاسدة قبل أن تخرجها من الخدمة.. وأما هاتين الحربين الأخيرتين فقد كان مفعولهما عكسياً على الاقتصاد الأمريكي، فقد كانت الولايات المتحدة تقدم أسلحتها إلى كل من أوكرانيا واسرائيل مجاناً وتشحنها مجاناً وتعوضها إذا تدمرت، وتقدم فوقها عشرات المليارات من الدولارات كمساعدات سخية على حساب الاقتصاد الأمريكي، طالما أن مطابع العملة الأمريكية تطبع الدولارات بجنون ومن دون أي قاعدة نقدية.
ومن أجل فهم قصة القاعدة النقدية، فقد كان الدولار منذ نهاية الحربين العالميتين يستند على قاعدة ذهبية، أي أن لا يمكن طباعة دولار واحد إلا يوجد في الخزينة الحكومية الأمريكية بمقابله ما يساوي قيمته من الذهب.. وفي عام 1944 أعلنت الولايات المتحدة بتثبيت سعر الدولار بما يساويه من ذهب (35 دولار للأوقية الواحدة من الذهب) فمن يريد أن يبادل الدولار بالذهب يذهب إلى البنك يسلم دولاراته ويأخذ الذهب أو بالعكس، يسلم الذهب ويأخذ بدلاً منه دولارات.
وأثناء حرب فيتنام في نهاية الستينات وبداية السبعينات اضطرت الولايات المتحدة لطباعة مليارات الدولارات بلا رصيد ذهبي، فعندما طالبتها بعض الدول، وبشكل خاص فرنسا التي طالبت بضعة أطنان من الذهب بمقابل ما يعادلها من الدولارات، رفضت الولايات المتحدة ذلك، ليخرج بعد ذلك الرئيس الأمريكي (نيكسون) ليصدم العالم بما سمي في وقته (صدمة نيكسون) وذلك عام 1971، بأن الولايات المتحدة لم تعد تبادل الدولار بالذهب وهي تنسحب من قاعدة الذهب.. وبذلك قامت (الويلات) الأمريكية بسرقة كل دول العالم عندما صدرت الدولارات الورقية واستوردت الذهب، ومن ثم قالت للعالم (الدولارات الموجودة في خزائنكم اغمسوها بالماء واشربوه، وألف عافية).
دول العالم لم تتمكن من الاحتجاج على تلك السرقة، لأنها عندما تحتج فإنها تعترف ضمنياً بأن الدولارات التي بحوزتها لا تساوي شيئاً سوى قيمة الورق المطبوع عليه الدولار، وبالتالي سوف تنهار العملات العالمية التي جعلت رصيدها دولارات أمريكية معتقدة بأن قيمة الدولار كانت ستبقى مساوية للذهب.. وبذلك بقيت دول العالم تحتفظ بالدولارات وتعمل له قيمة وهمية.. ومع ذلك انخفضت منزلة الدولار وبدأت كل دولة تتبادل تجارياً مع أي دولة أخرى بعملتها المحلية.. حتى تمكنت الولايات المتحدة من عقد اتفاقية مع المملكة العربية السعودية بأن تلك الأخيرة تصدر البترول بمقابل الدولار فقط ولا عملة أخرى سوى الدولار، بما سمي في وقتها (اتفاقية البتر ودولار).. وبذلك بدأ العالم يستخدم الدولار الأمريكي بكل تداولاته التجارية.
وبما أن الدولار الأمريكي لم يعد يستند إلى الذهب، وإنما يستند إلى الهواء، وبأن دول العالم خصوصاً الدول الصناعية المتقدمة تسند قيمة الدولار الأمريكي، فالولايات المتحدة تطبع في كل عام مليارات الدولارات وتصنع بهذه المبالغ انقلابات عسكرية فتطيح بحكومات ديمقراطية منتخبة وتأتي بحكومات دكتاتورية كما فعلت في إيران عام 1952 والكونغو عام 1959 والعراق عام 1963 وإندونيسيا عام 1967 وتشيلي عام 1973 وووووو وأخيراً وليس آخراً أوكرانيا عام 2014.. كما أنها تختلق النزاعات والحروب فتبيع أسلحة بالمليارات وتقوم باغتيال أي سياسي يحاول فض تلك النزاعات ونشر السلام.
ولكن الاستمرار بطباعة الدولارات بلا حسيب ولا رقيب لا يمكن أن يدوم إلى الأبد، فلابد أن يكون له نهاية.. وقد حانت النهاية الآن.. فالاقتصاد الأمريكي بدأ يعاني من التضخم في الأسعار وقيمة الدولار بدأت بالانخفاض والشعب الأمريكي بدا وكأنه على وشك الثورة.. وهنا لم يكن هنالك من بد للإدارة الأمريكية سوى الاقتراض وذلك بواسطة إصدار سندات الخزانة الأمريكية بمبالغ معينة، ومنح فائدة بمقابل كل سند.. فهنالك دول اشترت بعض تلك السندات مثل الصين واليابان ودول الخليج التي اشترت سندات بترليونات الدولارات، وأكثر من نصف السندات تم بيعها داخل الولايات المتحدة على مواطنين أمريكان وشركات ومؤسسات أمريكية.. وهكذا فحجم الدين الأمريكي يزداد وتزداد الفوائد التي تدفعها البنوك الأمريكية، حتى أن قيمة الفوائد التي يتم دفعها حالياً، كما سبق ذكره أعلاه بلغت 2 مليون دولار في الدقيقة الواحدة.
ولكن أحد أغرب الحلول الترقيعية التي اقترحها الملياردير الكبير إيلون ماسك، هو تسريح ملايين الموظفين والمستخدمين الأمريكان وخصوصاً في وزارة التعليم، والتهديد بإلغاء تلك الوزارة نهائياً، وذلك من أجل الاستمرار بسياسة التقشف الشديدة وخفض النفقات الحكومية مع تحذيرات الخبراء الاقتصاديين من خطورة انفجار أزمة الديون.
ولكن كما يقال لكل دواء هنالك آثار جانبية، فهذا الحل له آثار جانبية، لأن إلغاء وزارة التعليم خطأ كبير، ولكن ترامب وجد له حلاً ترقيعياً آخر وهو أن كل ولاية تهتم بتعليم أبنائها على نفقتها الخاصة وليس على نفقة الحكومة الفيدرالية.. وأما العَرَض الجانبي الآخر هو أن الحكومة الأمريكية قامت بتسريح ملايين الموظفين في أكبر حملة تسريح منذ أزمة الكساد العظيم الذي أصاب الاقتصاد الأمريكي ومن ثم الاقتصاد العالمي في الثلاثينات من القرن المنصرم، فزادت من حجم البطالة.. وبذلك بدأ هؤلاء الذين تم تسريحهم بالخروج بمظاهرات يطالبون فيها بإعادتهم لوظائفهم.. وكلما استمرت الأزمة واستمر مسلسل التسريح، ازدادت المظاهرات حجماً واتساعاً حتى تخرج تلك المظاهرات عن السيطرة.
من جانب آخر، فإن تسريح ملايين الموظفين من الناحية الاقتصادية خطأ كبير، لأنه يؤدي إلى انخفاض الطلب الكلي في اقتصاد الدولة، مما يؤدي إلى انخفاض حجم المشتريات ومن ثم انخفاض الكمية المباعة من السلع والخدمات، وهذا يؤدي إلى انخفاض أرباح الشركات وقلة الإنتاج، مما يؤدي إلى اضطرار تلك الشركات إلى تسريح المزيد من العمال والموظفين وزيادة حجم البطالة وانخفاض الطلب الكلي مرة أخرى... وهكذا يستمر مسلسل الانهيار مثل الدوامة والاتجاه نحو الكساد العظيم مرة أخرى.
المشكلة الكبيرة التي لا يوجد لها حل هي أزمة الاقتصاد التضخمي، حيث أن الكساد هو معكوس عملية التضخم، وأما إذا حصلت الأزمتان معاً فهذا الموضوع ليس له حل وهو يؤدي حتماً إلى انهيار دول بأكملها ومن المحتمل أن يؤدي إلى ثورات وحروب أهلية وتجزئة دول وإيجاد دويلات تنشأ على انقاض تلك الدول الكبرى.. والولايات المتحدة الأمريكية مرشحة لهذا السيناريو المخيف.
بقي ان نقول بأن الحتمية التاريخية تخبرنا بأن كل الحضارات على مر التاريخ، تولد ثم تمر بفترة النمو ثم تمر بفترة الشباب والاندفاع، ثم تمر بمرحلة الكهولة، وأخيراً تمر بمرحلة الشيخوخة والذبول قبل أن تموت، ولكن سقوطها يكون مدوياً يسمع دويه كل سكان الأرض.. وهذا كان على الدوام مصير الحضارات الرافدينية والفرعونية وحضارات الصين العظيمة وحضارات الهند والحضارة الأغريقية والرومانية والحضارة العربية العباسية ومن ثم العثمانية والبريطانية والآن جاء دور الحضارة الأمريكية،” فهل حان وقت نهايتها يا ترى؟؟ أم أنه لا يزال يحتمل بعض الوقت؟؟ هذا ما ستبينه لنا الأيام وربما الأشهر وربما السنوات القليلة القادمة.