من تراب الحلة الوادعة، وعلى ضفاف الفرات المترعة بالحكايا، وُلد صباح شاكر العكام عام 1950، فكان منذ البدء مشدودًا إلى ذاكرة المكان، ومأخوذًا بسحر الحكاية والتاريخ. نهل من مدارسها الابتدائية والمتوسطة والإعدادية، قبل أن يتجه صوب الشمال، ليكمل دراسته الجامعية في كلية العلوم – قسم الفيزياء – بجامعة الموصل. لكنّ انشغاله بعالم الأرقام لم يصرفه عن التطلّع إلى أعماق الإنسان والمجتمع، فظل التاريخ يوشوش في داخله حتى استحال شغفًا دائمًا.

عاد إلى مدينته ليُدرّس الفيزياء لأكثر من أربعة عقود (1971–2013)، لكنها كانت سنوات موازية من التخزين الصامت، ومن التراكم الفكري، الذي سيفيض بعد التقاعد على صفحات الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية، في ما يشبه الانبعاث الثاني للذات.

الكتابة بعد الصمت الطويل

بعد عام 2003، برز اسم صباح شاكر العكام ككاتبٍ وباحثٍ موسوعي، ينهل من الذاكرة العراقية ويعيد تركيبها بعين الناقد وسردية الحكيم. نشر في جرائد الصباح، المدى، الأهالي، طريق الشعب، الحقيقة، الفيحاء، الغد، صباح بابل، وفي مجلات ثقافية مهمة منها أوراق فراتية، رؤيا، العشر كراسي، النبع العلوي. وكان له حضور مميز في مواقع مركز النور، صحيفة المثقف، كتابات، الناقد العراقي، الحوار المتمدن، صحيفة المراقب العراقي، الحوار اليوم، صوت العراق، وغيرها.

وقد اتّسمت كتاباته بتنوعها بين التأريخ الاجتماعي، والتحقيق العلمي، والرؤية النقدية، مما جعله عضوًا بارزًا في اتحاد كتاب الإنترنت العراقيين، وأحد الذين خدموا الثقافة العراقية من خارج مراكز السلطة والضوء.

مؤلفاته... حفريات في الذاكرة الشعبية والرسمية

في كتابه "قصص وأساطير الطوفان" (2016)، يستحضر العكام الميثولوجيا العراقية القديمة ليعيد تشكيلها بلغة تنبض بحيوية الحكاية، وتضع القارئ في تماس مباشر مع عمق الوجدان العراقي. وفي "لمحات من تاريخ الحلة في العهد العثماني" (2018)، يقترب من المدينة بوجدان المؤرخ العارف، ويروي تفاصيلها المهملة بلغة دافئة لا تخلو من التحليل.

وفي كتابه "انتفاضات الحلة في العهد العثماني" (2022)، يعيد قراءة التمرّدات الشعبية بعيدًا عن التصورات الكولونيالية الرسمية، مُبرزًا حيوية الناس في مواجهة الاستبداد، ليقدّم سجلًا للمقاومة من الهامش لا من مركز السلطة.

أما مشروعه الأبرز في مجال التحقيق، فقد تمثّل في سلسلة من الأعمال التي أعادت إلى الأذهان جهود الأب أنستاس ماري الكرملي، ومنها "خلاصة تاريخ العراق" (2021)، و*"أرض النهرين"* لأدون بيفن بترجمة الكرملي (2024)، و*"تاريخ الكرد"* المترجم عن الفرنسية (2024). وقد قوبلت هذه التحقيقات باهتمام نقدي واسع؛ إذ نُشرت مراجعة لعمله في الحوار المتمدن تؤكد أن العكام قدّم تحقيقًا "مدروسًا يتوافق مع المناهج البحثية المعاصرة"، يجمع بين الأمانة العلمية والدقة اللغوية، ويضع القارئ أمام نص منقّى ومدعّم بالهوامش والشروح الضرورية.

وفي مؤلفه "من أعماق التاريخ" (2024)، يتوغّل العكام في البنى العميقة للمجتمع العراقي، مستنطقًا الوثائق والوقائع، ليكشف طبقات من النسيان تغلّف حاضرنا. أما كتابه الأحدث "العراق وبلاد فارس... صراع واحتلالات" (2025)، فيقدّم قراءة تحليلية عابرة للقرون، تدرس العلاقة الإشكالية بين الكيانين من منظور الجغرافيا السياسية والتاريخ المتنازع عليه.

شهادات النقاد... بين الفكر الرواقـي والنص السردي

حظيت كتاباته بتقدير نقدي لافت، فقد نشرت صحيفة المثقف مقالًا خاصًا بعنوان "صباح شاكر العكام والفلسفة الرواقية"، اعتبرت فيه أن العكام يتجاوز الطرح الفلسفي التقليدي نحو عقل نقدي حي، ينزع نحو التأمل لا الجزم، ويتعامل مع التاريخ بوصفه مادة قابلة للجدل لا للتقديس.

أما في موقع الشرق الأوسط الديمقراطي، فقد نُشرت له دراسة بعنوان "علماء على مذبح التطرف"، قدّم فيها رؤية تحليلية عميقة لمسلسل اضطهاد العقول الحرة عبر التاريخ، مشيرًا إلى أن الحقد المؤدلج لا يستثني العقل من سيفه، لا سيما حين يتقاطع مع العقيدة أو المصلحة. وفي هذا السياق، رأى بعض النقاد أن العكام يعيد الاعتبار لضحايا الفكر عبر مقاربات جريئة تضيء الزوايا المعتمة في الذاكرة الجمعية.

وفي مراجعة لمقاله "الاضطهاد الفكري عبر التاريخ" نُشرت على موقع الحزب الديمقراطي الليبرالي العراقي، اعتبره الناقد ياسر أحمد شوحان بمثابة "صرخة في وجه الظلامات المتكررة التي تعرّض لها المفكرون والفلاسفة والمبدعون عبر العصور، بدءًا من سقراط وانتهاءً بالعقل العربي الحديث".

الختام... الكتابة كعزاء ومقاومة

صباح شاكر العكام لا يكتب التاريخ ليؤرّخ فقط، بل ليقدّم عزاءً جماليًّا ومعرفيًّا لما أُهمل أو شُوّه. إنه أحد الأصوات الهادئة، التي لا تثير الغبار حولها، لكنها تترك أثرًا راسخًا في وجدان من يقرأها. كاتبٌ لا يهوى المنابر ولا الأضواء، لكنه يملك لغة تضيء، وعينًا تنقّب، وعقلاً لا يخشى طرق الأبواب المغلقة في تاريخنا.

في صمت المدن... يكتب العكام، وفي ضجيج الهويات... يفتّش عن الإنسان.