" الحي أبقى من الميت " اللازمة المتداولة عادة، خصوصاً في بلادنا التي يعاني فيها الإنسان الحي من ضنك العيش والمحاصر في كافة شؤون حياته بما فيها سهولة ارسال احد ما إلى حتفه وجعله من سكنة القبور  لأتفه الأسباب. طائفية دينية عشائرية…

وبسبب ثقافة القبور والتمسك بالموتى وتقديسهم السائدة في مجتمعنا، تجعل تدنيس  قبور المعارف والأحبة إثم  لا يمكن قبوله او الصفح عنه.

مناسبة هذا الحديث هو ما تعرضت لها مقابر مواطنينا المسيحيين في شقلاوة شمال البلاد وقبلها في منطقة أرموطة من تدنيس وكسر صلبان وشواهد قبور بشكل يعبر عن حقد أسود دفين. إذ لا يمكن السماح لهذه الحادثة أن تمر دون تمحيص جدي.

 من المؤكد أن وازع مرتكبيها الأساسي ديني متطرف، هدفه بث البغضاء والكراهية بين ابناء الشعب من منطلق اقصائي متزمت، وترهيب مواطنينا من الكلدان والسريان والآشوريين ودفعهم لقطع جذورهم التاريخية الأصيلة ببلاد الرافدين الذين هم أول من سكنها وبناها منذ فجر التاريخ لحد يومنا هذا.

لقد سبق وان قامت شراذم داعش الارهابية قبل سنوات باستباحة مقدسات الإيزيديين والمسيحيين والشبك والكاكائية في منطقة سهل نينوى وتدمير معابدهم وكنائسهم ناهيك عن مقابر أسلافهم، بعد أن أوغلت في دمائهم.

السؤال الذي يطرح نفسه اليوم ونحن نتغنى بالقضاء على داعش وقبلها القاعدة و محقهما، من هم مرتكبو هذه الجريمة؟

أن أصابع الاتهام تشير لا محالة للتشكيلات المتعصبة دينياً في إقليم كردستان العراق، التي ترفض ايديولوجيتها كل تنوع إثني في المنطقة، كما قد تشير إلى قوى وشخصيات سياسية واجتماعية لها مصلحة في تطهير عرقي للاستحواذ على أراضي المسيحيين وعلى تنفيذ تغيير ديموغرافي للمناطق والتحكم بالتركيبة القومية للسكان فيها بالتالي.

 الجهات الرسمية أشارت نحو " فرد مجنون " هو الذي قام بالعمل، ولكن من المؤكد أن اضطرابه الذهني لم يتشكل بدون بيئة وظروف سائدة مواتية ساعدته في بلوغ الحالة التي دفعته لهذا الفعل.

 التغول الديني في فرض قيم رجعية ونمط حياة متخلف، لاجبار المواطنين للخضوع إلى شرائع القرن السابع الميلادي، وضعف الإجراءات في منع إشاعة  التعصب والتشدد، وتقصير الأجهزة القضائية والتنفيذية في تطبيق القانون، بحزم، خشية الانتقام من أطراف متجبرة، كل هذه العوامل تعتبر سبب مباشر لانحسار قيم التسامح، اضافة الى القصور في التثقيف بمخاطر الفكر الداعشي ومشتقاته  الايديولوجية الاقصائية، في المدارس ووسائل الإعلام والمساجد.. وهي معضلة كل البلاد!

في ذاكرتي حادثة جرت في جنوب شرق بولندا، والتعاطي الخلاّق للسلطات المحلية معها، حيث قامت شلة من اليمينيين القوميين البولون بتدمير شواهد قبور في مقبرة لليهود هناك بدافع حقد ايديولوجي أثني.

واضافة للتحريات الشُرطية الروتينية المعتادة للقبض على مرتكبي التخريب، طالب أعضاء يساريون في مجلس المنطقة المحلي، إلقاء محاضرات تثقيفية في المدارس، لفترة محددة، تتحدث عن مكانة ودور مواطنيهم اليهود في حياة وتطور المدينة والمنطقة عبر تاريخها، لقطع الطريق على الفكر المنحرف.

كم نحن بحاجة لمثل هذه الحملات التثقيفية، لاسيما وان تاريخنا المعاصر، حافل بالشخصيات المسيحية ومن أبناء القوميات والإثنيات الأخرى الذين رفدوا الثقافة الوطنية العراقية بابداعاتهم بألوان التنوع الفكري الثر واعطوها نكهتها المميزة.. وتأثيراتهم الكبيرة في كل مجالات الحياة الأخرى من السياسة والفن والرياضة والاقتصاد…

وضرورة تشكيل وعي وطني قويم لدى شبابنا الصاعد، من خلال تضمين مناهجنا المدرسية أدوار وإنجازات ومساهمات ممثلي كل شرائح شعبنا المتنوعة في بناء الوطن ورفعته…

لا سيما ونحن نعيش أجواء أعياد الميلاد المجيد والسنة الجديدة، حيث نشهد تعالي دعوات سلفية مشبوهة و أصوات نشاز من على المنابر الطائفية ودعاة فرقة وسياسيين متزمتين دينياً، إلى الامتناع عن مشاركة أبناء شعبنا المسيحيين بالعيد او تهنئتهم و تجنب إدخال شجرة عيد الميلاد بكل زهوها وجمالها البيوت بدعوى انها تجلب الفقر…

فكرهم الشاذ كما يقول العراقيون " مثل الرمل ما ينعجن "!!!