لقد أوضحنا في مقال سابق، وهو أمر بات معروفًا للجميع، أن الإمبريالية العالمية قد أفلست. ولهذا وُصفت أوروبا بـ "العجوز"، إشارة إلى عجزها وشيخوختها الاقتصادية. ففي مرحلة شباب أوروبا وأوج قوتها وعظمتها، باشرت الدول الأوروبية في مطلع القرن الخامس عشر حركاتها الاستعمارية، وأبرزها: بريطانيا وفرنسا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا. ونتيجة لصولات بريطانيا وطمعها التوسعي، أنجبت بريطانيا ابنة غير شرعية لتكون وريثتها وتواصل هيمنتها على العالم. ويا للمفارقة، فإن هذه الابنة غير الشرعية المسماة (أمريكا) خالفت المألوف وتجاهلت كل القيم والأعراف والمبادئ الإنسانية. كما تجاوزت حدود وشراهة أمها بريطانيا الاستعمارية والتوسعية، فغزت ونهبت خيرات وثروات البلدان واستولت على مقدراتها، وسلبت إرادة الشعوب في إدارة شؤونها بنفسها، كما هو معروف بخصوص استعمار بريطانيا لبلدان أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. وبعد الحرب العالمية الثانية وانتصار الاتحاد السوفيتي على ألمانيا النازية، ومع تنامي قوة الاتحاد السوفيتي آنذاك وانتشار الشيوعية الذي شكّل خطرًا على المصالح الإمبريالية العالمية بدعمه لقوى التحرر المقاومة للهيمنة الاستعمارية، بدأ القلق يدب في كيان تلك الدول الاستعمارية وأمريكا من الخطر السوفيتي والمد الشيوعي. فظهرت فكرة حلف الناتو عام 1949 كتحالف عسكري غربي بقيادة أمريكا وحلفائها لاحتواء التوسع السوفيتي بعد الحرب العالمية الثانية، وبلورت هذه الفكرة عبر مفاوضات أمريكية بريطانية أوروبية. وأصبحت أوروبا العجوز منذ ذاك الحين تحت قيادة أمريكا، ابنة أختهم بريطانيا، لا تعصى لأمر هذه الفتاة المتمردة والمتغطرسة. ولم تكتفِ بريطانيا بإنجاب الابنة غير الشرعية أمريكا فقط؛ بل بعد تلاقح بريطانيا مع الحركة الصهيونية، أنجبت بريطانيا بإرادتها ابنة أخرى غير شرعية هي (إسرائيل)، لسببين: أولهما، جعلها غدة سرطانية في جسد الأمة العربية والإسلامية لإضعافها وتمزيقها، وثانيهما، التخلص من اليهود، ونحن نعلم أنهم واجهوا أشد أنواع العدائية والاضطهاد، وقد ذكرت ذلك في مقال

سابق لي بعنوان "نصيحتان لليهود.. لا الصهاينة" نُشر في نوفمبر 2023، ذكرت أن أكثر حالات العداء والاضطهاد التي واجهها اليهود جاءت من الدول الأوروبية. وكانت بريطانيا أول دولة تطردهم، حيث أصدر الملك إدوارد الأول مرسوماً بطردهم في 31 أغسطس 1250. وتوالت بعدها دول أوروبية في اضطهاد اليهود، مثل المجر عام 1349، وفرنسا عام 1394، والنمسا عام 1421، وإسبانيا عام 1492، والبرتغال عام 1497، ونابولي عام 1510، وميلانو عام 1597، وغيرها، مما يعكس كراهية العنصر الأوروبي الأبيض لليهود واعتداءه عليهم. في المقابل، عاش اليهود في الدول العربية والإسلامية في أفضل حال، وتمتعوا بحقوق مواطنة مساوية للآخرين. ولو سألنا اليهود الشرقيين – وليس الغربيين الذين يُشكك في يهوديتهم – لأجابوا بحسرة وألم عن تاريخهم الذي يشتاقون إليه، وهذه حقيقة لا جدال فيها.



نعم، إن هذا الكيان المولود غير الشرعي الثاني الذي يُدعى إسرائيل، أسوأ من أخته الكبرى أمريكا، وأكثر وحشية وعدوانية وإجراماً. قد يتساءل البعض: هل إسرائيل هي التي تتحكم بأختها الكبرى أمريكا، أم العكس؟



في الحقيقة، الذي يتحكم في السياسة الدولية والأحداث الجارية ليس إسرائيل ولا أمريكا، بل "الحكومة السرية في الظل هي التي تدير العالم تخطيطاً وتنفيذاً". وقد حذّر الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت (1858-1919) من هيمنة الشبكات المالية على سياسة بلاده. كما أصدر الكاتب الاسكتلندي شريب سبيريدوفيتش كتابه "حكومة العالم الخفية" عام 1926، ثم عُثر عليه مقتولاً لاحقاً في أحد فنادق أمريكا.

كما أغتيل ويليام غار كار، مؤلف كتاب "أحجار على رقعة الشطرنج"، عام 1958. وأشار مراقبون إلى أدلة على وجود محافل ماسونية عالمية، ولوبيات صهيونية، بالإضافة إلى تشاتام هاوس في بريطانيا، ومنتدى دافوس الاقتصادي، والعائلات المالية الكبرى (مثل آل روتشيلد وآل مورغان). نستنتج مما سبق أن من يتحكم في مجريات الأحداث والمخاطر العالمية هو ما ذكرناه آنفًا. أما ترامب وسياسته "الترامبوية" المتهورة، ونتنياهو ونهجه التوسعي، فهما مجرد أدوات رعناء ومجرمة تنفذ ما يُملى عليها. هاتان "الأختان"، المتمثلتان في الترامبوية والنتنياهوية، لا تدركان أن الشعوب الحرة أقوى من مؤامراتهما المتهورة والعدوانية والتوسعية، ولم تدركا أن الزمن لا يدوم لأحد. فمهما بلغت قدرتهما وإمكانياتهما في العلو والصعود، فإن الصعود ليس أبدياً؛ فلا بد أن تصل مرحلة الهيمنة إلى نهاية، لتبدأ بعدها الأحوال بالتغير نحو الأسفل. والحكمة تقول: "ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع". وهي حقيقة لا شك فيها. ولعل بريطانيا خير مثال، فقد لُقبت ذات يوم بـ "الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس" لشدة اتساع أراضيها ومستعمراتها حول العالم. وهذا يثبت أن كل علو يعقبه هبوط. إن ما يحلم به ترامب المتهور من إعادة قوة أمريكا المفلسة بتهوره وفوضويته وهمجيته، يزيد العالم نفورًا وكراهية له ولأمريكا، ولا يبقي لها صديقًا نتيجة أفعاله. وكذلك الحال مع نتنياهو المجرم المتوحش الذي يظن أن أساليبه الإجرامية ستحقق حلمه، فجرائم ترامب و"الترامبوية" وتعديهم على الآخرين لم تتوقف عند حد معين في مشروعهم الفوضوي التدميري. ويتحرك نتنياهو خلف ظل ترامب مرتجفًا، هاربًا من مصيره المحتوم ومن القضاء والمحاكمة، وهو يعلم أن نهاية الحرب هي نهايته، ولذلك يريد أن يمثل دور سلفه شمشون الذي قال:" علي وعلى أعدائي: "إن كان حقاً أن نتنياهو من بني إسرائيل..! وهنا نتساءل: هل تدفع السياسة الترامبوبة المتهورة والنهج النتنياهوي التوسعي العالم نحو كارثة لا تحمد عُقباها؟"