تثير محاولات "التوأمة الجديدة" بين بعض الجامعات العراقية الاهلية والجامعات البريطانية اسئلة جوهرية حول فلسفة ادارة التعليم العالي اليوم. نحن امام مشهد يكرس سياسة القطيعة مع الماضي، حيث تجمد المشاريع الناجحة عمدا ليعاد طرحها لاحقا كانجازات مستحدثة، في تجاهل تام لارث جامعتي بغداد وبابل الحكومية اللتين وضعتا اللبنات الاولى لهذه البرامج دون تحميل الطلبة اعباء مالية اضافية. هكذا ينتقل المشهد إلى الجامعات الأهلية، لكن هذه المرة وقد فقد جوهره المعرفي، ليتحول من مشروع رائد الى شراكة تجارية تفاقم أزمة التعليم العالي.
لقد عرف العراق في الماضي تجارب رصينة في مجال التوامة العلمية مع جامعات عالمية، كان ابرزها برنامج التعاون بين جامعة بغداد وجامعة سوينبرن للتكنولوجيا في استراليا، الذي مثل نموذجا متقدما للتبادل الاكاديمي، حيث اتاح للطلبة فرصة اكمال جزء من دراستهم في جامعة سوينبرن مع الاستمرار في ارتباطهم بجامعة بغداد، وهو ما منحهم شهادات ذات بعد عالمي دون ان يفقدوا صلتهم بالجامعة الوطنية. كما شهدت جامعة بابل برامج توأمة مع جامعات بريطانية مثل ليفربول ونورثمبتون وجون موريس، اتاحت للطلبة ايضا اكمال جزء من دراستهم في تلك الجامعات البريطانية مع الحفاظ على انتمائهم لجامعة بابل، الامر الذي عزز جودة المناهج واكسبهم خبرات دولية حقيقية دون تحميلهم اي اعباء مالية.
والى جانب ذلك، شاركت جامعة بغداد في مشاريع اوروبية مثل مشروع WALADU لتطوير برامج البكالوريوس في علم الاثار، ومشروع EDUU لتعزيز التعليم والتراث الثقافي، فضلا عن تعاونها مع جامعة ريغنسبورغ الالمانية في التعليم الرقمي للعلوم التاريخية، ومع جامعة ارتوا الفرنسية في تبادل الطلبة والاساتذة وتنظيم المؤتمرات المشتركة.
هذه التجارب، على اختلاف اشكالها، كانت تؤكد ان التوأمة المنتجة معرفيا تقوم على بناء القدرات وتراكم الخبرة وتطوير المناهج، وانها حين تبنى على اسس مؤسسية راسخة تفتح امام الطالب افاقا جديدة وتمنح الجامعة مكانة علمية حقيقية، بخلاف ما نشهده اليوم من توأمات شكلية تختزل التعاون الدولي في بعد تسويقي او دعائي، وتتركز في الجامعات الأهلية حيث تكتنفها حمولات مالية، فتتحول من أداة للنهوض العلمي إلى عبء يكرّس التراجع وفقدان الثقة.
ان التوأمة العلمية الرصينة لا تختزل في تبادل الشعارات او شراء العلامات التجارية، بل تقوم على التبادل البحثي والمعرفي الحقيقي، وعلى بناء القدرات المؤسسية التي تضمن تطوير المناهج وتدريب الكوادر، وعلى الاستدامة التي تجعل هذه البرامج جزءا من هوية الجامعة الوطنية، وعلى وضع الطالب في قلب العملية التعليمية عبر توفير فرص دراسية وبحثية ومنح وتسهيلات تفتح امامه افاقا جديدة.
اما التوامة الشكلية او التسويقية فهي التي تكتفي بالاستعراض وتغفل المضمون، حيث تحول الاتفاقيات الى صفقات ورقية تحمل تكاليفها على الطلبة، وتقدم كوسيلة لجذبهم عبر الدعاية والوجاهة الاجتماعية، فيما تغيب عنها اي تراكم مؤسسي او انتاج معرفي حقيقي. انها توأمة تستخدم كاداة لانقاذ ارباح الجامعات الاهلية المتراجعة، لا كجسر لنقل المعرفة او تطوير البحث العلمي.
ان خطورة هذا الاختزال تكمن في تحويل المؤسسة التعليمية من محراب للعلم الى ماكينة للربحية والاستقواء بالمال، وفي افراغ مفهوم التعاون الدولي من محتواه الحقيقي، بحيث يصبح مجرد وسيلة للتباهي لا اكثر. وهنا يبرز التحدي الاكبر: كيف يمكن اعادة الاعتبار الى التوأمة العلمية بوصفها مشروعا وطنيا ينهض بالجامعة والطالب معا، لا مجرد صفقة تجارية تسوق على حساب المعرفة؟
ما نحتاجه اليوم هو استعادة روح المبادرة الوطنية التي تدعم الطالب وتبني المؤسسة، لا تلك التي تستخدمه كاداة لتمويل صفقات التوأمة التجارية. فالتوأمة الرصينة يجب ان تكون جسرا لنقل المعرفة وتطوير البحث، وان تعيد الاعتبار الى التراكم المؤسسي الذي يشكل اساسا لاي نهضة تعليمية حقيقية.