في سياق التحولات الاجتماعية والسياسية المعاصرة، يبرز الكشف عن وثائق جيفري إبستين كحدث يتجاوز مجرد الكشف عن جرائم فردية ليصبح ظاهرة ثقافية وإعلامية تكشف عن آليات السلطة والنفوذ في المجتمعات الحديثة. إبستين، الملياردير الأمريكي الذي أدين بجرائم جنسية متعلقة بتجارة الأطفال والنساء، لم يكن مجرد مجرم عادي، بل كان جزءاً من شبكة معقدة تضم شخصيات بارزة من عالم السياسة والأعمال والترفيه. الكشف عن وثائقه، الذي تم في مراحل متعددة خلال السنوات الأخيرة، يثير تساؤلات عميقة حول الغرض من هذا الكشف: هل هو توريط للأفراد المتورطين فعلياً، أم توظيف سياسي وإعلامي يخدم أجندات أوسع؟
هنا، نعتمد مقاربة ميديولوجية، مستوحاة من أفكار ريجيس ديبراي في دراسة "الميديولوجيا"، التي تركز على كيفية نقل المعرفة والسلطة عبر الوسائط الإعلامية، ليس كأدوات محايدة بل كعناصر تشكل الواقع الاجتماعي نفسه. بهذه المقاربة، لا ننظر إلى الوثائق كحقائق مجردة، بل كرسائل تُنقل عبر قنوات إعلامية تحولها إلى أدوات للتحكم في الرأي العام والتوازنات السياسية.
تبدأ القصة بموت إبستين في سجنه عام 2019، الذي أثار شكوكاً حول ما إذا كان انتحاراً أم قتلاً مدبراً لإسكات أسرار يمكن أن تهز النخب العالمية. الوثائق التي تم الكشف عنها لاحقاً، بما في ذلك سجلات الرحلات الجوية، البريد الإلكتروني، والصور، كشفت عن روابط إبستين مع شخصيات مثل الرئيس السابق بيل كلينتون، الرئيس دونالد ترامب، الملياردير بيل غيتس، والأمير أندرو البريطاني، بالإضافة إلى رجال أعمال وأكاديميين آخرين. لكن الغرض من هذا الكشف لم يكن واضحاً منذ البداية؛ ففي حين يبدو على السطح كعملية توريط للمتورطين، إلا أن السياق الإعلامي يشير إلى توظيف أكبر. من منظور ميديولوجي، الوثائق ليست مجرد أوراق قانونية، بل هي "وسائط" تنقل رسائل ثقافية، حيث تحول الإعلام هذه الوثائق من أدلة قضائية إلى روايات درامية تُبنى عليها حملات سياسية واجتماعية.
في البداية، يمكن القول إن التوريط يمثل الجانب الأكثر مباشرة في غرض الكشف. الوثائق تكشف عن تورط محتمل لشخصيات بارزة في شبكة إبستين، ليس بالضرورة في الجرائم الجنسية مباشرة، بل في الاستفادة من نفوذه المالي والاجتماعي. على سبيل المثال، سجلات الطائرات الخاصة بإبستين، المعروفة باسم "لوليتا إكسبريس"، تظهر رحلات متكررة إلى جزيرته الخاصة في جزر العذراء، حيث يُزعم أن جرائم الاستغلال الجنسي كانت تحدث. هذه السجلات تذكر أسماء مثل كلينتون، الذي سافر على الطائرة عدة مرات، وترامب، الذي كان صديقاً سابقاً لإبستين قبل أن ينفي علاقته به.
من منظور ميديولوجي، هذا التوريط لا يحدث في الفراغ؛ الإعلام ينقل هذه المعلومات عبر قنوات مثل الشبكات الإخبارية والمنصات الرقمية، مما يحول الوثائق إلى أدوات للتشويه الشخصي. الوسيط الإعلامي هنا يعمل كمحول، حيث يأخذ الحقائق الجافة ويحولها إلى قصص مثيرة، مستفيداً من الخوارزميات التي تعزز المحتوى الدرامي لزيادة التفاعل. وبالتالي، يصبح التوريط ليس مجرد كشف عن جرائم، بل عملية بناء لصورة عامة عن "النخب الفاسدة"، مما يعزز الشكوك في المؤسسات.
مع ذلك، يتجاوز الغرض التوريط ليصل إلى التوظيف السياسي، حيث تصبح الوثائق أداة في الصراعات الحزبية والإعلامية. في الولايات المتحدة، أصبح الكشف عن هذه الوثائق جزءاً من حملة أوسع للشفافية، مدفوعة بقانون "شفافية ملفات إبستين" الذي تم تمريره في الكونغرس وتوقيعه من قبل الرئيس ترامب بعد ضغوط من حلفائه ومعارضيه على حد سواء. هذا القانون يفرض إصدار جميع الوثائق غير المصنفة، بما في ذلك التحقيقات الجنائية والصفقات المناعية، مما يشير إلى أن الغرض لم يكن توريطاً فردياً بل توظيفاً لتعزيز صورة الشفافية السياسية. من منظور ميديولوجي، هذا التوظيف يعكس كيفية استخدام الوسائط لنقل السلطة؛ فالإعلام لا ينقل الوثائق فحسب، بل يشكل سياقها، حيث يركز على جوانب معينة لدعم روايات حزبية. على سبيل المثال، في الإعلام المحافظ، تم توظيف الوثائق لتوريط الديمقراطيين مثل كلينتون، بينما في الإعلام الليبرالي، ركزت على روابط ترامب وغيتس، مما يحول الكشف إلى سلاح في الحرب الإعلامية. هذا التوظيف يعزز من "اللوجيك الإعلامي"، حيث تصبح الوثائق جزءاً من اقتصاد الاهتمام، يُستخدم لزيادة المشاهدات والتفاعلات، بدلاً من تحقيق العدالة الحقيقية.
عمق هذا التوظيف يظهر في كيفية تأثير الكشف على الديناميكيات الاجتماعية الأوسع. في مقاربتنا الميديولوجية، الوسائط ليست مجرد ناقلة، بل هي "مادة" تشكل الثقافة نفسها. الوثائق، عند نقلها عبر الإنترنت والتلفزيون، تخلق "حقولاً معنوية" جديدة، حيث يصبح الرأي العام مشاركاً في عملية التوريط أو البراءة. على سبيل المثال، انتشار الصور والبريد الإلكتروني على منصات مثل تويتر وفيسبوك يحول المستخدمين إلى محققين هواة، مما يعزز النظريات المؤامرة حول "النخب العالمية". هذا التوظيف يخدم أجندات سياسية، كما في حالة استخدام الوثائق للضغط على شخصيات مثل غيتس، الذي واجه تدقيقاً جديداً حول علاقته بإبستين، أو الأمير أندرو، الذي أدى الكشف إلى سحب لقبه الملكي. ومع ذلك، يبقى السؤال: هل هذا التوظيف يؤدي إلى تغيير حقيقي، أم أنه مجرد تشتيت للرأي العام عن قضايا أعمق مثل عدم المساواة الاجتماعية؟
الميديولوجيا تكشف هنا عن تناقض: الوسائط تعزز الشفافية ظاهرياً، لكنها تخفي الآليات الحقيقية للسلطة، حيث يبقى معظم المتورطين في مناصبهم دون عقاب حقيقي.في السياق الدولي، يمتد التوظيف إلى ما وراء الحدود الأمريكية، حيث أثر الكشف على علاقات دولية. على سبيل المثال، الروابط المكشوفة مع شخصيات أوروبية وآسيوية تحولت الوثائق إلى أداة دبلوماسية، مستخدمة في الإعلام للضغط على حكومات أخرى. من منظور ميديولوجي، هذا يعكس "العولمة الإعلامية"، حيث تنتقل الرسائل عبر الوسائط العابرة للحدود، مما يخلق تأثيراً متسلسلاً.
الإعلام البريطاني، على سبيل المثال، ركز على توريط الأمير أندرو، مما أدى إلى أزمة في العائلة الملكية، بينما في أوروبا الأخرى، أثارت الوثائق أسئلة حول النخب المالية. هذا التوظيف يبرز كيف أن الغرض من الكشف ليس التوريط الفردي بل بناء سرد عام عن الفساد، يُستخدم لتعزيز الشعبوية أو الإصلاحات السياسية. ومع ذلك، يظل التوازن دقيقاً؛ فالإفراط في التوريط قد يؤدي إلى فقدان الثقة في المؤسسات، بينما التوظيف المفرط يحول القضية إلى عرض إعلامي فارغ.
في النهاية، الكشف عن وثائق إبستين يكشف عن توتر أساسي بين التوريط والتوظيف، حيث يصبح الغرض متعدد الطبقات. من مقاربة ميديولوجية، الوثائق ليست نهاية في حد ذاتها، بل بداية لعملية نقل تُعاد صياغتها عبر الوسائط، مما يشكل الواقع الاجتماعي. هذا الكشف يدعونا إلى التفكير في كيفية أن الإعلام ليس مجرد مرآة للواقع، بل صانعه، حيث يحول الأسرار إلى أسلحة سياسية أو أدوات للتغيير. في عالم يسيطر عليه اللوجيك الإعلامي، يبقى السؤال مفتوحاً: هل سينجح هذا التوظيف في تحقيق عدالة حقيقية، أم سيظل توريطاً سطحياً يخفي الشبكات الأعمق للسلطة؟
كاتب فلسفي