اسمحوا لي بدايةً أن أوجز؛ لا أرغب بالإطالة عليكم أو الخوض في تفاصيل الأحداث والوقائع التاريخية المعاصرة، فالأحداث التاريخية تبقى واحدة قبل تدوينها، بينما يختلف 'التأريخ' (أو السرد التاريخي) بتعدد كُتّابه ومن دوّنوه، تبعاً لاتجاهاتهم وانتماءاتهم، أو ما تكتبه الأقلام المأجورة.

أما الحدث التاريخي المأساوي الذي حُفر أثره في القلوب الصادقة والضمائر الحية، ولا تندمل آلام جراحه العميقة بين طيّات الصدور مهما مرّت الأيام وطال الزمن، فمن أعماق القلوب المكلومة والمشاعر الصادقة تتفجر الحقيقة وتنساب الكلمات من حبر الجراح لترسم حروف التأريخ على صفحاته التي لا شك فيها ولا ريب.

لذا، اسمحوا لي أن أعيد نشر مقالتي التي لا تزال تنزف جراحات الثامن من شباط الأسود بين أسطرها، والإرث المأساوي الذي لا ينتهي ولا يقف عند حد معين.

فسلام عليك أيها الشهيد الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم، وعلى كل الشهداء الذين سالت دماءهم الزكية على أيدي جلادي الثامن من شباط الأسود، وتباً لهم ولأذنابهم المجرمين القتلة.

الشهيد الخالد الزعيم عبد الكريم قاسم 

عندما تمتلئ الصفحات والكتب ومواقع التواصل الاجتماعي بالكلمات والعبارات التي تتناول شخصاً أو حدثاً أو واقعة معينة دون التعمق فيها والتجرد التام، بعيداً عن النزوات العاطفية، والضغائن، والأحقاد، وكذلك بعيداً عن الميول والاتجاهات، فإن الكتابة تصبح مجرد سفسطة. أما إذا كانت هذه الأقلام نزيهة ومنصفة حقاً، فعندئذ ربما تكون قد وصلت إلى شيء من الحقيقة الوجدانية، منطلقة من عمق الحقيقة النيرة والمنيرة التي تشبه الشمس المشرقة التي لا يحجبها غربال. ومن كان قلمه قد نثر حروف الحقيقة بصدق، نستطيع أن نقول إنه لذو حظ عظيم، وستبقى حروفه التي خطها قلمه خالدة، كخلود الحقيقة، يسترشد بها الأجيال على مر العصور والأزمنة.

لقد حكم العراق عبر التاريخ القديم والمعاصر شخصيتان محوريتان: الإمام علي بن أبي طالب، الذي لُقّب بـ "صوت العدالة الإنسانية"، وهو عنوان كتاب جورج جرداق الشهير عنه. لقد كان علي رمزاً للأبوة للفقراء والمساكين والمحرومين.

أما الشهيد الخالد عبد الكريم قاسم، فقد سار على نهج فكر الإمام علي عملياً دون أن يعلن ذلك صراحةً أو يصرح به.

لقد سعى الشهيد عبد الكريم قاسم لتجسيد عدالة الإمام علي فكراً وعملاً، بعيداً عن المتاجرة باسمه لتحقيق مكاسب دنيئة، على عكس ما يفعله سياسيو اليوم.

إن مكانة الإمام علي الشامخة في تاريخ البشرية تجعل الأقلام النزيهة تخجل من محاولة وصفه. وأنا أؤكد، دون خوف من اتهامي بالمبالغة، أنه لو اجتمعت كل أقلام العالم والكتاب، لما استطاعوا رسم شخصيته أو الوصول إلى جوهر معرفته. والدليل على ذلك قول النبي محمد (ص): "يا علي، لا يعرفك إلا الله وأنا".

الشهيد الخالد يسكن قلب ووجدان وضمير كل عراقي حر شريف؛ بل إن ألدّ خصومه وأعداءه شهدوا بنقائه وزهده وحبه للمحرومين والفقراء والمساكين. لقد كان نقيًا فذاب في نقائه، ومحبًا لشعبه فذاب في محبته. ومثلما كان الإمام علي قسيم الجنة والنار، كذلك الشهيد الزعيم الخالد هو قسيم قوى الخير والمحبة وقوى الشر والعدوان. والأمثال تُضرب ولا تُقاس.

وأذكر هنا الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين عندما حُكِمَ عليه بالإعدام في سوريا في ساحة المرجة، سُئل ماذا تقول وأنت في آخر لحظات حياتك؟

فقال: "أنتم تقولون إني عميل لإسرائيل، فأنا أقول لكم إن جميع الحكام العرب عملاء لإسرائيل، ما عدا الزعيم عبد الكريم قاسم، رئيس العراق؛ فهو العدو اللدود لإسرائيل، وإسرائيل عدوته اللدودة". فهل يشك أحد في شخصية الشهيد الخالد عبد الكريم قاسم؟ فسلام عليك أيها الشهيد الخالد في قلوب محبيك والمنصفين لحقك، قبل خلودك في رحاب الله وظل عرش الرحمن. وهنا أود أن أنقل لكم ما قاله ألد خصومه عنه؛ شهادة يسرى سعيد ثابت عن الشهيد الزعيم عبد الكريم قاسم، يكشفها الصحفي المخضرم ستار جبار.

يروي الصحفي الراحل ستار جبار (رحمه الله)، مؤسس جريدة (البينة الجديدة)، حادثة حصلت له في دمشق عندما دعته السيدة يسرى سعيد ثابت لزيارة منزلها. يقول جبار: "عندما دخلت البيت، تفاجأت بوجود صورة كبيرة معلقة على الحائط لزعيمنا الشهيد، ولاحظت مدى استغرابي رغم علمها بعشقي لعبد الكريم قاسم".

فقالت له السيدة يسرى:

"لا تستغرب، فهو أشرف وأعف من حكم العراق. هذه هي قيمة وعنفوان ولقب زعيمنا في عيون أعدائه، والفضل ما شهدت به الأعداء. شكرًا لك على إبراز نبل وشهامة وأخلاق الزعيم عبد الكريم قاسم".

وروى الصحفي أنه كان في زيارة إلى سوريا قبل أحداثها الأخيرة، وسمع بمكان تواجد السيدة يسرى سعيد ثابت في دمشق. وبحكم طبيعته المهنية والصحفية، رتب للقاء صحفي معها في منزلها.

يقول الصحفي المخضرم ستار جبار: "ما إن دخلت الصالة الكبيرة حتى فوجئت بصورة كبيرة جدًا وبالحجم الطبيعي للزعيم عبد الكريم قاسم. وما أن بدأنا اللقاء الصحفي، بادرتها بالسؤال عن قصة هذه الصورة حيث قلت لها:"

كنت أتوقع أن تكون آخر شخصية يمكن أن تعلّقي صورتها بهذا الحجم هو الزعيم! وذلك بالنظر إلى عداوتكم له، خاصة وأنكِ وأبوكِ وأخوكِ إياد اشتركتم في محاولة اغتياله، ولم تدخروا وسعاً من أجل قتله. فاطرقت يسرى إلى صورة الزعيم، وفي عينها دمعة، وتنهدت وأجابتني: «هذا عنوان الشهامة والرجولة والشرف والنبل والخلق الكريم، وإنه اسم على مسمى».. ثم قالت: «بعد اشتراكنا أنا ووالدي وأخي في المؤامرة ضد الزعيم وفشلها، تم إلقاء القبض علينا جميعاً ووضعنا في السجن. وبعد عدة أيام، زارنا الزعيم في السجن وتكلم معنا بكلمات مهذبة فيها النصح والإرشاد، مشيراً إلى أن الثورة أيامها قليلة، ولماذا هذا التآمر عليها وهي ما زالت في مهدها. وفجأة التفت ولمحني فقطع كلامه وقال بعصبية: «هذه البنية من أحضرها إلى هنا؟». فأخبره الضابط المسؤول: «بأنها من ضمن المتآمرين ومعها أبوها وأخوها». فصفعه الزعيم وصاح به بعصبية: «ألا تملك شرفاً؟ ألا تملك أخلاقاً؟ كيف تجلب هذه الفتاة لتقعدها وسط الرجال؟». ثم خاطبني معتذراً ومتأسفاً: «تعالي يا بنتي معي»، وأفرغ لي غرفة البدالة وأمر لي بسرير وفرش نظيف. ثم سألني: «هل تدرسين؟». فأجبته: «نعم، في الصف الخامس الثانوي».. فقال:

من المؤكد أن بعض الدروس قد فاتتك في هذه الأيام. ثم سألني عن اسم مدرستي فأجبته به. فاتصل بإدارة المدرسة ليُوجّه الكادر التدريسي كل يوم بعد انتهاء الدوام الرسمي إلى مكاني للبدء بتدريسي. تقول يسرى: فاستحيت مما فعله تجاهي وأردت أن أعتذر، فقاطعني قائلاً: "أنتِ مثل ابنتي.. أهم شيء أن تركزي على دروسك ودراستك". يقول الصحفي: وأخذت يسرى تبكي بحرقة وهي تندب حظ العراقيين الذين لم يحافظوا على شخصية فذة تحمل منتهى النبل والرقي الإنساني. قال أحد معارف يسرى، سعيد ثابت: زرت يسرى بعد سنوات من هروبها من يد صدام واستقرارها في سوريا، فوجدت صورة معلّقة في غرفة استقبال بيتها للزعيم عبد الكريم قاسم، فاستغربت من ذلك وقلت لها: ما هذه الصورة وأنتِ من عناصر المؤامرة التي حاولت اغتيال عبد الكريم، وأنتِ معروفة بعدائك لعبد الكريم قاسم؟ فقالت بألم وندم: لقد خسرنا عبد الكريم قاسم. ثم أضافت: بعد فشل محاولة اغتيال عبد الكريم ونقله إلى المستشفى، بدأ رجال الأمن بالقبض على المتورطين في مؤامرة الاغتيال وأنا أحدهم.

وبعد أن تعافى الزعيم عبد الكريم، رغب في لقاء منفذي العملية. دخل الزعيم وسلم علينا بابتسامته المعهودة، وعندما شاهدني صرخ بأعلى صوته: "من هو عديم الضمير الذي وضع الفتاة الوحيدة بين الرجال؟!! من هو الذي أمر بذلك؟!!" فاضطر أحد المحيطين به أن يجيبه: "نعم سيدي، إنه المقدم فلان..." فقال الزعيم: "الله أكبر! ما عنده ضمير، ما عنده دين، ما عنده غيرة الذي قام بهذا العمل!" ثم تضيف يسري: والتفت إليّ والحيرة تعلو وجهه، وقال: "تعالي يا بنتي، أرجو ألا يكون أحد قد مسك بسوء." ووضعني في غرفة خاصة وأخذ يعاملني كابنته. الحقيقة أنني كنت مستغربة من هذه المعاملة التي ألقاها لي، وأنا التي اشتركت في محاولة اغتياله. فقلت له: "لا، لم يضايقني أحد." فأمر بنقل المقدم إلى كركوك. ثم بدأت (يسرى) تقارن بين إنسانية عبد الكريم قاسم و...

لا شك أنهم لم يقتلوا شخصًا واحدًا، بل قتلوا العراق والعراقيين؛ لقد قتلوا الإنسان والحياة.

قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا، تخلى أجدادنا عن الإمام علي (عليه السلام). وفي هذا الزمن، لم يدرك آباؤنا أن القوى التي استهدفت الإمام علي (عليه السلام) هي نفسها التي تستهدف الزعيم اليوم. والقوى التي قتلت الإمام علي (عليه السلام) هي ذاتها التي قتلت الزعيم عبد الكريم قاسم؛ فلم يتعظوا وتخلوا عن عبد الكريم قاسم أيضًا! متى سنتعظ يا ترى؟

الصورة الأولى: الواقفون في المقدمة هم أحمد طه العزوز السامرائي، وخلفه سليم الزيبك. الشخص الثالث الذي يرتدي اليشماغ هو السائق علي حسون. والشخص الثالث هو شاكر محمود حليوه، والرابع هو سمير عزيز النجم، ومن بعده إياد سعيد ثابت وشقيقته يسرى سعيد ثابت.

* صور لـ يسرى سعيد ثابت مع زوجها حميد مرعي حسين، وهو فلسطيني الأصل سوري الجنسية، وأحد المتورطين معها في محاولة اغتيال الزعيم.

* صور لشقيقها إياد سعيد ثابت.

وكذلك صور للزعيم عبد الكريم قاسم وشهيد الكلمة الصحفي المخضرم ستار جبار.

‏14/2/2026