منذُ أن خلق الله هذا الكون والبشر كان في صلب الإنسان وجوهره واهتماماته، فكان البحث عن الحقيقة، ليتدبر حقيقة ملكوت السماوات والأرض، وليتأمل في خَلق الجبال والبحار والسموات حقيقة خالق هذا الكون، ولكن غرور الإنسان بنفسه يصور إليه أنهُ قادر بعقله على إدراك وفهم كل شيء، وهو لا يعلم أنه أضّلَ وزاغٍ عن جادة الصواب، ألم يترك الله الكثيرة من الأمم على فترة من الزمن من غير رُسل، فماذا كانت النتيجة؟ قد عبدوا الأصنام، وصيَّروا لأنفسهم آلهةً وأرباباً متفرقة ومتعددة، فجعلوا من الشمس والقمر والنجوم آلهة، والبعض منهم أنكروا وجود الخالق رب العزة، وانغمسوا في المحرمات والمعاصي، إلى أن أتى على الإنسان حيناً من الدهر، وحتى أباحوا لأنفسم زواج المحارم، وفي بعض الحضارات كان الأبن الأكبر يتزوج من أُمه بعد وفاة أبيه، ولهذا كان العقل عاجزاً عن إرشاد صاحبه على الخالق سبحانه وتعالى، فظهرت الديانة الزرادشتية وغيرت كل شيء.
تُعّدُّ الديانة الزرادشتية واحدة من أقدم ديانات الوحي، فهي الديانة التي سبقت جميع الديانات بزمناً طويل، وقد تطورت في الزرادشتية الأديان الإيرانية القريبة منها، والأفكار المتعلقة بنشوء الخير والشر ومكانهما في العالم، ودور وعمل الإنسان في تطور العملية العالمية، ويوم القيامة وما شابه ذلك. مما أثرَّت هذه الأفكار من دون أدنى شك تأثيراً كبيراً في اليهودية وطوائفها، وفي المسيحية والغنوصية، وفي مدارس البوذية الشمالية (الماهيانا) وغيرها، وفي بعض اتجاهات الفلسفة الأغريقية القديمة، ولا سيما اتجاهات دينية في الفترات المتأخرة من التاريخ القديم؛ مثل المانوية المنتشرة في ذلك الوقت على مساحة شاسعة امتدت من الأقاليم الغربية للإمبراطورية الرومانية وحتى الصين، وأَّعَدت الدور العالمي للديانة.
وقد ظهر النبي زرادشت بجوهر ديانته وعقائدها وطقوسها. وقد أثارت تعاليم زرادشت اهتماماً كبيراً منذُ العهد الأغريقي، وعدّو بعض الكُتّاب الأوروبيين والمؤرخين تعاليم زرادشت الدينية والفلسفية أنها تعكس معلومات الطقوس والتعاليم المجوسية نفسها من الكهنة الذين عاشوا في إيران القديمة وأتباعهم: ميديا وپريسدا، وأخرى تتعلق بعقائد إيرانية أخرى. لذلك أنطلق في نهاية القرون الوسطى وبداية العصر الجديد، العلماء والمفكرون الأوربيون في آرائهم وأحكامهم حول الزرادشتية، فنسبوا إلى زرادشت مبادئ وآراء فلسفية ودينية شتى بعيدة جداً عن ما جاء به، ولا تمت بصلة إلى تعاليمه، ومنهم الفيلسوف الألماني نيتشه في كتابه (هكذا تكلم زرادشت)، وأطلقَ عليه اسم (زارا)، ويلاحظ مما تقدم أن الاختلاف في اسمه يدور بين زرادشت وزارا وزرادسترا، فكلها أسماء متشابهة، فهذا اختلاف طفيف ومتقارب، فربما كان المنشأ لهذا الاختلاف هو تنقل هذا الاسم بعهد سحيق مما أدى إلى التغيير في حقب زمنية سحيقة.
فمؤلفات أتباع زرادشت المكتوبة باللغة البهلوية في عصر الساسانيين (القرن الثالث- السابع الميلادي) قد بينت الأختلاف الكبير عن ما كتب من كتّاب أوروبيين. كما وجدت عدة ترجمات لكتاب زرادشت المقدس (أڤستا)، والمقدس للديانة الزرادشتية، إلا أن لغته الأصيلة كانت باللغة الأڤستية، وهي إحدى اللغات الإيرانية القديمة، ويرى المستشرق (گرانتوفسكي) (۱۹۳۲-۱۹۹5)، إن "أولى ترجمة أوربية لأفستا صدرت في عام 1771م لـ(لأنكيتيل ديوپيرون)، الذي قضى عدة أعوام في الهند، حيث تعلم على يد الزرادشتيين الپارسيين. وقد قيَّم هذا العمل مع مرور الزمن، كعمل بطولي للعالم الفرنسي. لكن ظهور ترجمة (أڤستا) في أوروبا قبل بشيءٍ من عدم الثقة وخيبة الأمل في ذلك الوقت. فالقراء لم يروا فيها العقائد والمبادئ الفلسفية للديانة النبوية التوحيدية المنسوبة إلى زرادشت، أنما رأوا فيها، قبل كل شيء، تعداداً مملاً ورتيباً للإرشادات الدينية والطقوسية، وتمجيداً لآلهة الپانتيوم (مقام الآلهة) الأڤستي.
ارتبطت المرحلة الأخيرة الجديدة لترجمة وتأويل أڤستا بدراسة اللغة الأڤستية ومقارنتها مع اللغة الإيرانية القديمة، المعروفة باللغة الفارسية القديمة، التي فكّت رموزها في منتصف القرن التاسع عشر، وكذلك مع اللغة الهندية القديمة (السنسكريتية والڤيدية)، الأكثر قرباً إلى الفارسية القديمة من بين اللغات الهند أوروبية. مما ساعد على تصحيح ترجمة الكثير من مقاطع أڤستا، وترتيب دراسة اللغة الأڤستية وقواعدها على اساس علمي. ويمكن أن نسمي مذهب دراسة أڤستا ولغتها بالأيتيمولوجي، أي علم اللغات، الذي يعتمد بالأساس على معطيات اللغات المختلفة القريبة من الأڤستية.
وأصبحت اليوم الترجمة الأهم في منطقة الشرق الأوسط للأڤستا، وهو الكتاب المقدس للديانة الزرادشتية ترجمة الدكتور خليل عبد الرحمن الصادرة في دمشق عن دار روافد للثقافة والفنون بطبعتها الثانية عام 2008م، وقد اعتمد المترجم للأڤستا بشكل عام على توافق المنهجين (الأيتيمولوجي) و(التقليدي)، لكن مع هذا تعتبر الأڤستا قابلة للتأويل الصحيح لا سيما (الگات) أي الأناشيد التي كتبها زرادشت نفسه، لأنه بالإضافة إلى الترجمة الحرفية، يجب تأويل المضمون الحقيقي الذي تتضمنه أحاديث النبي زرادشت الرمزية المجازية.
ومما شجعني ودفعني للكتابة في مجال الديانة الزرادشتية ونبيها زرادشت، إذ أنني وجدت الكثير من الخبط واللغط لدى الكثير من المتعلمين والمثقفين يخلطون ولا يفرقون بين الديانة المجوسية والديانة الزرادشتية، والحقيقة غير ذلك، ومحاولة منا لنبين أن كلا الديانتين بينهما من الفروقات والاختلافات كالفرق بين السماء والأرض، وبين الليل والنهار، والمجوسية لا تمت بأي صلة إلى الزرادشتية إطلاقاً، سواء من الجانب العقائدي أو التشريعي، ولكن اللغز في ذلك هو بعض المعادين للزرادشية قد رسخوا هذه المفاهيم في عقول ابناء جلدتهم لهدفٍ أو مغزى ما.