(ما ترك لي الحق من صديق)
سيد البلغاء وأبو الفقراء،
الإمام علي بن أبي طالب (ع)
إن ما يمر به العالم اليوم من توحش وعدوان متهور لم يسبق له مثيل، تقوده قوى الشر المتمثلة في الصهيو-إمبريالية الأمريكية العالمية، المفلسة من كل إمكانيات استمرارية بقائها. ويتصدر هذا العدوان الثنائية الترامبوية المتهورة المتمثلة في ترامب والنتنياهوية التوسعية المتمثلة في نتنياهو ، الدافع وراء هذا العدوان هو هروبهما من قضايا الفساد والإجرام والفضائح الأخلاقية التي تلاحقهما قانونيًا وقضائيًا.
يبدو فهمُنا لهم كالثور الهائج وسط الحلبة، يخوض صراعًا وجوديًا بعد أن تزايدت الطعنات القاتلة والمميتة في جسده. وما نراه من وحشية الثور وهيجانه ينبع من رؤيته لأكثر من مصارع يحملون الرماح في يد، واللون الأحمر في اليد الأخرى.
هذا هو وضع الإمبريالية العالمية، حيث تعيش صراع البقاء أو الفناء. إنها تمر باللحظات الأخيرة من مقاومتها للموت، محاولة إطالة أمد وجودها. في هذه اللحظات الأخيرة من صراعها، تحلم بماضيها وقوة جبروتها. أقول هذا ليس من باب التنميق أو ما يُسمى بالسفسطة، بل أستند في قولي وتحليلي إلى ما صرح به ترامب في حملته الانتخابية حين قال: (سأعيد أمريكا قوية..!).
ويعني ذلك أن الولايات المتحدة في حالة ضعف، أو أنها لم تعد كما كانت قوية.
وهنا أود أن أشير إلى حالة استذكار الماضي قبل الموت، مستدعيًا دراسات حديثة في علم الأعصاب كشفت أن الدماغ قد يعيد عرض أهم ذكريات الحياة في اللحظات الأخيرة قبل الوفاة (استرجاع الحياة). فقد سُجلت موجات دماغية نشطة (غاما) تشبه تلك المصاحبة للحلم أو التركيز العالي في الثلاثين ثانية قبل وبعد توقف القلب، مما يعزز فكرة أن الدماغ يحتفظ بوعي خاص ويسترجع الماضي أثناء الاحتضار. هذا يشبه حال الإمبريالية العالمية التي تخوض صراعًا وجوديًا للحفاظ على بقائها وفرض هيمنتها مجددًا على العالم، مثلها مثل بقية الطغاة؛ كابن الشاه محمد رضا بهلوي وأتباع صدام المقبور ، الذين يحلمون بقصور ملذاتهم وفجورهم وتسلطهم على رقاب الناس، وحكمهم بالنار والحديد، ويحلمون بماضي الموت والدم لكل من لم ينبطح تحت سياطهم ويقول للجلاد نعم.
لقد دُحر ذلك الماضي المظلم أمام عجلة التقدم والوعي الفكري الإنساني الخلاّق.
إن إرادة الإنسان وعقله المستنير، الساعيين نحو تحقيق العدالة والمساواة والتحرر من الهيمنة الاستعمارية الظالمة، لا يمكن لأية قوة جبارة أن تقف أمامهما.
فهذه الهيمنة الاستعمارية تُدار من قبل حفنة من اللصوص الذين يتلاعبون بخيرات العالم، ويحرمون الغالبية العظمى من البشر من موارد أوطانهم الطبيعية، مما أدى إلى تحويل تلك الشعوب إلى فقراء ومعدمين، لا يملكون قوت يومهم أو مأوى، فمنهم الذين تناثروا على مختلف بقاع الأرض بسبب الريح الأستعمارية الصفراء بحثا عن فسحة من أمن وأمل في الحياة .
ومنهم مازاوا في الأوطان التي وُلدوا ونشأوا فيها،
يُسحقون ويُبادون على أيدي الغزاة المستعمرين، وتُسفك دماؤهم على أرضهم التي وُلدوا عليها، ولا ذنب لهم سوى رفضهم الذل والاستعباد. لقد وقفوا في وجه الغزاة مدافعين عن حقوقهم وأرضهم وعرضهم، يناضلون ويجاهدون في صورة فصائل وتجمعات لمواجهة المحتلين الطامعين بخيرات بلدهم، يحملون قلوبهم على أكفهم، لا يخشون الموت أو الترهيب. وعلى مثل هؤلاء يُقال إنهم الثوار الأبطال الذين تحيا بهم الأوطان عزيزة كريمة، وليس أولئك المنبطحين الجبناء الذين جعلوا من ظهورهم جسوراً للغزاة والمستعمرين.
لم يكتفِ الخونة والمتخاذلون والمنبطحون بما ارتكبوه من إذلال وعار وخزي وجبن، ولم يتوقفوا عند حد معين في خيانتهم وتقاعسهم. بل تجاوزوا الصمت؛ إذ فضحوا أنفسهم بضجيجهم وعوائهم ونباحهم الذي أيقظ الموتى في قبورهم، وكشفوا عوراتهم بانبطاحهم. فنرى الانبطاح هنا، ونسمع العواء والنباح هناك. وقد حرّك البعض منهم الدولار، وحرّك آخرون النعرة الطائفية، وحرّك بعضهم الحقد الدفين. أما البعض الآخر فهم من "الهمج الرعاع، أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق"، يجمعهم الطبل وتفرقهم العصا. وحال هؤلاء الرعاع كحال ذلك الراعي الذي وشى بالثائر جيفارا بعد القبض عليه من قبل عملاء وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA).
سأل أحدهم الراعي البوليفي الذي أفشى مكان اختبائه: لماذا وشيت برجل قضى حياته في الدفاع عنكم لأجل تحريركم؟ فأجاب الراعي: كانت حروبه مع الجنود تُخيف أغنامي.
أولئك الذين هتفوا في الماضي القريب بأصوات متعبة ومبحوحة (بالروح بالدم نفديك يا...)، والذين احمرت أكفهم من التصفيق الحاد لسيدهم وولي نعمتهم الطاغية – ذلك الجرذ الذي أوصل البلاد والعباد إلى ما نحن عليه من سيطرة وتحكم العدو الأمريكي في سياسة واقتصاد العراق والمنطقة – هم أنفسهم اليوم يشكّلون جيوشًا من الذباب الإلكتروني لخلق بلبلة وضجيج. هدفهم هو إبعاد أنظار الشعب العراقي عن الجرائم التي ارتكبها الدكتاتور في حقبة الزنازين والأقبية المظلمة ومستنقعات الدم التي كانوا أدواته فيها. ويسعون لطمس تلك الجرائم عبر نشر الدجل والأكاذيب والتهويل بشأن ما يجري في العملية السياسية (وهنا لا أقصد الدفاع عن حكام اليوم)، وذلك لخداع الجيل الذي لم يولد بعد في تلك الحقبة السوداء وإضفاء صفة الزمن الجميل عليها.
وفي الوقت نفسه، يوجهون اتهامات لا تليق بالمقاومين الأبطال، وينعتونهم بأبشع الصفات المفرطة بالبذاءة والأنحطاط الذي هو تعبير عن أخلاقياتهم التي تربوا عليها.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، نراهم يلقون بكل ما في أفواههم وقلوبهم من قذارة وبذاءات على الشرفاء الأحرار.
إن فصائل المقاومة البطلة (الحشد الشعبي)، التي واجهت أعتى أدوات الشر في العالم (داعش) وصدّتها، ودافعت عن العراق ودحرت شرورهم، يُفترض أن نفخر بها، لكننا نرى أتباع النظام السابق ومن لف لفهم من الأقلام المأجورة يصفون المقاومين الأبطال بـ (ذيول إيران).
أما إيران، التي تواجه خطر العدوان الصهيوني الأمريكي بسبب دعمها لحركات التحرر من الهيمنة والغزو الاستعماري، فيطلق أذناب النظام المقبور - الذين فروا خوفًا من جيوش الغزو الأمريكي وحلفائها - عبارات مسيئة إلى الحكومة الإيرانية المنتخبة من شعبها (بـ (الملالي)).
وكذلك المقاومة البطلة في فلسطين الأبية الصامدة، لم تسلم من الإساءة واتهامها بالعمالة، وغير ذلك من الألفاظ التي تخدم العدو الصهيوني الأمريكي الغاصب.
وهلم جرا، المقاومة اللبنانية الباسلة التي حررت الأرض ودافعت عن العرض، وكذلك الإخوة المجاهدون الأبطال ، شعبا وقيادة في اليمن الذين ساندوا المقاومة الفلسطينية والمظلومين الذين يتعرضون للإبادة الجماعية في غزة؛ وهو أمرٌ أدركه القاصي والداني.
وعليه، انتفضت الشعوب في أوروبا وأمريكا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، التي لا تربطها صلة وثيقة بالشعب الفلسطيني وغزة، ولا رابطة دين أو دم، سوى الرابط الإنساني والضمير الحي.
وخرجت تلك الشعوب الحرة إلى الشوارع منددة بالجرائم الصهيو-أمريكية وما يقترفه مرتكبوها من إبادة جماعية بحق أهلنا في غزة، على مرأى ومسمع من العالم.
بينما نسمع أصوات إخوة يوسف وهم يثرثرون بأعلى أصواتهم ، مكررين كالببغاوات ما تبثه وسائل الإعلام المعادية صوتًا وصورة وكلمة، فإن ذلك يتم على أيدي قلة من أنصاف الرجال وأشباه المثقفين المفلسين. هؤلاء إما يدركون تمامًا ما يفعلون من خيانة بالقول والفعل، أو أنهم يقومون بذلك عن جهل. أقول هذا لبعض الذين لا أرغب في تصنيفهم ضمن خانة العملاء والخونة، عسى أن يراجعوا أنفسهم، فـ "إِنْ كُنْتَ لا تَدْرِي فَتِلْكَ مُصِيبَةٌ... أَوْ كُنْتَ تَدْرِي فَالْمُصِيبَةُ أَعْظَمُ".
أختم بقول سيد البلغاء الإمام علي بن أبي طالب (ع): "ما ترك لي الحق من صديق"، خاصة في زمن يكثر فيه النفاق والجهل والدجل. وأؤكد صدق الثائر البطل تشي جيفارا حين قال: "إذا أردت تحرير وطن، فضع في مسدسك عشر رصاصات؛ تسع رصاصات لخونة الوطن، وواحدة لعدوك، فلولا خونة الداخل ما تجرأ عدو الخارج على وطنك"!
التاريخ: 16/2/2026