هكذا يعيش المناضلون أمثال الصديق المناضل حسام محمد يماني: يولدون بصمت، يعملون بصمت، يرحلون أيضا بصمت مهيب، لكنهم يتركون خلفهم حكايات صغيرة تشبه حياة كاملة، حضورا لا يغيب عن ذاكرة الذين عرفوا معنى الصدق في زمن كثر فيه الضجيج وقلت فيه المواقف.
يمضون في دروبهم دون أن يلتفتوا إلى الأضواء، كأنهم يعرفون منذ البداية أن الطريق إلى الكرامة لا يعبد بالتصفيق، بل بالصبر والوفاء للفكرة. كانوا يزرعون الأمل في قلوب الآخرين كما يزرع الفلاح بذرة في أرض عطشى، يمضون مطمئنين بأن الخير، مهما تأخر، لا بد أن يجد طريقه إلى الضوء.
لم يكن نضالهم صخبا في المنابر ولا شعاراتٍ تقال في المناسبات، بل كان موقفا يوميا هادئا، يتجلى في الصدق مع النفس، في الانحياز للإنسان حين تضيق الخيارات. كانوا يمرون بين الناس ببساطة، لكن حضورهم كان يترك أثرا عميقا، مثل نهر هادئ يشق طريقه بصبر في قلب الأرض.
لأنهم هكذا، لم يكونوا يبحثون عن المجد الشخصي، ولا عن مكان في ذاكرة السياسة المتقلبة. كانوا يبحثون فقط عن أن يظل الضمير يقظا، أن تبقى الكرامة ممكنة، أن لا يضيع صوت الإنسان في ضجيج المصالح.
عندما يرحلون، لا يتركون وراءهم ثروة ولا ضجيجا، بل يتركون شيئا أثمن: ذكرى نظيفة، سمعة طيبة، أثرا إنسانيا يظل حيا في وجدان من عرفهم. كأن حياتهم كانت رسالة قصيرة تقول إن النبل لا يحتاج إلى صخب، إن القيم الكبيرة يمكن أن تُعاش ببساطة وهدوء.
هكذا هم المناضلون الحقيقيون:
لا يكتبون أسماءهم على الجدران،
بل يكتبونها في قلوب الناس.
يمضون بصمت، لكن صمتهم أبلغ من ألف خطاب،
يرحلون بهدوء، لكن أثرهم يبقى طويلا…