يعد الدكتور نوري جعفر واحداً من أبرز العقول العراقية التي حاولت أن تفكك لغز الإبداع بعيداً عن التفسيرات التقليدية التي ترجعه إلى الحظ أو الوراثة وحدها. فقد قدم رؤية علمية عميقة تمزج بين علم النفس والفسيولوجيا، واضعاً الإنسان في مركز الفعل الإبداعي بوصفه كائنا يتشكل عبر تفاعل معقد بين الدماغ والبيئة.
الدكتور نوري جعفر لم يكن مجرد ناقل للنظريات، بل ناقداً جريئاً لها؛ إذ فند آراء فلاسفة وعلماء كبار مثل أفلاطون، وفرانسيس غالتون، وهانس آيزنك، الذين أرجعوا الإبداع إلى محددات وراثية بنسبة كبيرة. فقد رفض هذا الطرح الأحادي، مؤكداً أن الإبداع ليس قدراً جينياً ثابتاً، بل نتيجة تفاعل حيّ بين البنية العصبية والخبرة الاجتماعية والتربوية.
انطلق د. نوري جعفر من منحى فسيولوجي، مستنداً إلى أعمال كبار علماء الدماغ، مثل كوربينيان برودمان الذي قسم الدماغ إلى مناطق وظيفية، وجوزيبي موروزي وهوراسيو ماغون اللذين اكتشفا الجهاز الشبكي المنشط، إلى جانب إيفان بافلوف وكابرز في دراساتهم حول الجهاز العصبي.
هذا التأسيس العلمي قاده إلى بناء تصور متكامل يرى أن الإبداع ليس فكرة عائمة، بل عملية بيولوجية-عقلية معقدة تتجسد داخل الدماغ الإنساني.
يُعدّ مفهوم (المناطق المخية الثلاثية) من أهم إسهامات نوري جعفر، حيث أكد أن دماغ الإنسان يتميز بوجود مناطق لا توجد لدى الكائنات الأخرى، حتى القريبة منه تطوريا. فصلاً عن أن المناطق المخية الحسية الثلاثية هي المسؤولة عن الإدراك الحسي والتفاعل مع العالم المادي، هي الأساس البيولوجي للإبداع الفني كالرسم والموسيقى. أما المناطق المخية الجبهية الثلاثية فتمثل أعلى مستويات التفكير المجرد، وهي المسؤولة عن الإبداع العلمي والنظري في الرياضيات والعلوم.
من خلال هذا التصور، يفسر جعفر اختلاف أنماط الإبداع بين الأفراد، ليس على أساس كمية الخلايا العصبية، بل على أساس توزيعها ووظيفتها داخل الدماغ؛ فالفنان يختلف عن العالم لا في القدرات العامة، بل في طبيعة التكوين العصبي الوظيفي.
بهذا الطرح، أعاد نوري جعفر الاعتبار لدور البيئة والتربية، دون أن ينكر الأساس البيولوجي، فالإبداع عنده ليس حكرا على فئة (موهوبة وراثيا)، بل إمكانية إنسانية يمكن تنميتها وصقلها.
لقد قدم رؤية متوازنة تتجاوز الحتمية الوراثية، لتفتح الباب أمام فهم أعمق للعقل البشري بوصفه كيانا حيا يتطور ويبدع.
رغم هذا العطاء العلمي، بعد التواصل مع ابنته السيدة نجود نوري جعفر لقد اوضحت لي أن سبب وفاة د. نوري جعفر هو (مضاعفات زكام حاد وكنا معه وحوله أنا وأخوتي لحظة وفاته .. اما قصة مقتله على يد سائق ليبي في طرابلس وهو في طريقه الى المطار ، فهي كذبة انتشرت على مواقع الإنترنت وحاولت ولازلت احاول تصحيح هذه المعلومة للجميع).
يبقى الدكتور نوري جعفر نموذجا للعالم الذي لم يكتف بالتلقي، بل اجتهد في إعادة بناء المعرفة، واضعاً بصمته في فهم الإبداع الإنساني. لقد نقل النقاش من (من يولد مبدعاً؟) إلى (كيف نصنع الإبداع؟) وهو سؤال ما زال مفتوحا حتى اليوم